السُّلطة حسب ميشال فوكو

 “إذا كانت السُّلطة في ذاتها حصيلة علاقات قوَّة وليست نتيجة تنازل أو عقد أو تخليًّا ولا حصيلة علاقات اقتصاديَّة، ألا يمكن تحليلها أوَّلا وقبل كلِّ شيء بمفاهيم المعركة والمواجهة والحرب؟ وهكذا لدينا في مقابل فرضيَّة آليَّة السُّلطة القائمة على القمع، فرضيَّة ثانية مفادها أنَّ السُّلطة هي الحرب المستمرة بوسائل أخرى. وفي هذه الحالة فإنَّنا نعكس مأثور كلوزوفيتش ونقول إنَّ السِّياسة هي استمرار للحرب بوسائل أخرى. وهذا يعني ثلاثة أمور أساسيَّة. أولا: علاقات السُّلطة كما هي ممارسة في مجتمع مثل مجتمعنا لها علاقة بالقوَّة في لحظة زمنيَّة وتاريخيَّة محدَّدة، هذه العلاقة قائمة على الحرب وبالحرب. فإذا كان صحيحا أنَّ السُّلطة السِّياسيَّة تُوقف الحرب فهذا لا يعني أنَّها تتخلَّى أو تستبعد آثار الحرب، وإنَّما تعمل على تحييد عدم التَّوازن الظَّاهر في المعركة الأخيرة لحرب. إنَّ للسُّلطة السِّياسيَّة في هذه الفرضيَّة دورا، هو إعادة تثبيث دائم لعلاقة القُوَّة هذه، وذلك بنوع من الحرب غير المعلنة أو الصامتة، تثبيتها في المؤسَّسات وفي التَّفاوت الاقتصاديِّ وفي اللُّغة وفي أجساد البعض، وهذا هو المعنى الأولي لعمليَّة قلب مأثور كلوزوفيتش السِّياسيَّة هي استمرار الحرب بوسائل أخرى، بمعنى أنَّ السياسة هي المعاقبة ومواصلة التَّفاوتات في القوَّة الظَّاهرة في الحرب أو النَّاتجة عن الحرب. ثانيا: إنَّ قلب مأثور كلوزوفيتش يعني شيئا ثانيًّا هو أنَّه داخل هذا الَّذي يُسمى” السُّلم المدني “توجد الصِّراعات السِّياسيَّة والمواجهات في السُّلطة وخارج السُّلطة ومن أجل السُّلطة وتحوّلات في علاقات القوَّة. إنَّ قلب مأثور كلوزوفيتش يعني كذلك شيئا ثالثا وهو: أنَّ القرار النِّهائي لا يأتي إلاَّ من الحرب، أي امتحان أو اختيار للقوَّة حيث السِّلاح هو الحكم، بمعنى أنَّ آخر معركة ، وفي نهاية المطاف فقط، هي ممارسة للسُّلطة بوصفها حربا مستمرَّة.

ترون إذن، أنَّه انطلاقا من اللَّحظة الَّتي نحاول فيها إبراز المخطَّط الاقتصادي لتحليل السُّلطة، نجد أنفسنا مباشرة في مواجهة فرضيتين كبيرتين:

أوَّلا: آليَّة السُّلطة هي القمع، وهي الفرَضيَّة الَّتي يمكن أن نطلق عليها مجاز وليام رايش (الَّذي يعتبر أنَّ أساس السُّلطة هو القمع)

وثانيا: أنَّ عمق علاقات السُّلطة هي المواجهة الشَّرسة للقوى، وهي الفرضيَّة الَّتي يمكن أن نسمِّيها مجازا كذلك فرضيَّة نيتشه. إنَّ هاتين الفرضيتين ليستا فقط غير متصالحتين، بل بالعكس إنَّهما مترابطتين ومتشابهتين ظاهرا. أليس القمع أو بعبارة أخرى، ألا يعدُّ القمع نتيجة سياسيَّة للحرب مثله مثل الاضطهاد في النَّظريَّة الكلاسيكيَّة للحقِّ السِّياسيِّ، حيث هو تعدُّ وتجاوز للسِّيادة في النِّظام القانونيِّ”.

————

ميشال فوكو، “يجب الدِّفاع عن المجتمع” دروس ألقيت في الكوليج دي فرانس، فرنسا، 1976.

نقلا عن المقرر الفلسفي لدولة تونس: كتاب الفلسفة. الجزء الثاني 4 آداب ص: 105-106.