المرأة العربيَّة بين رمزيَّة القوَّة وقهر المجتمع

رغم أنَّ المرأة كانت على الدَّوام الموضوع الأساس في الثَّقافة الإنسانيَّة العالميَّة والعربيَّة، بحيث أطلقت عليها شتَّى الأوصاف، الإيجابيَّة منها والسَّلبيَّة، وكانت الحقل الَّذي يستلهم منه الشُّعراء والفنَّانون والكتَّاب، إلاَّ أنَّها في المقابل كانت وما زالت موضوعًا لأفكار وتحليلات متناقضة ومضربا لأمثال شعبيَّة، بحيث يندر أن يغيب الحديث عنها في أيّ لقاء بين أناس، كثيرين أكانوا أم قليلين. هي موضوع الأحاديث، من رجال ونساء، وهي موضوع أساسيٌّ في علم النَّفس الَّذي غاص عميقًا في تحليل الأمثال الشَّعبيَّة والأقوال الرَّمزيَّة المنتسبة إليها. في المقابل، ورغم الأهميَّة المعطاة لها، إلاَّ أنَّها ما تزال أسيرة ثقافة وتقاليد مجتمعيَّة تحطُّ من موقعها ودورها وتتعاطى معها من موقع الدُّونيَّة. يتوّج الفكر الدّينيّ هذه الثَّقافة ليلقي على المرأة أعباء إضافيَّة من الدُّونيَّة والتَّحقير أحيانًا. فكيف نظر علم النَّفس إلى المرأة وكيف حلَّل الرُّموز المنسوبة إليها؟ وكيف تعاطى النَّصُّ الدّينيُّ والفكر الَّذي أنتجه الفقهاء مع واقع المرأة على امتداد التَّاريخ العربيّ؟ هذان سؤالان ما زالا يحتلاَّن راهنيَّة وواقعيَّة.

ترفع أمثال شعبيَّة من أهميَّة المرأة وتغالي كثيرًا في بعض الأحيان في الأدوار الَّتي تعطيها لتأثيرها، وتذهب بعض الثَّقافات إلى إحلال موقعها قريبًا من الألوهيَّة والنُّبوَّة، فتشير إلى قدرات عجيبة في تأثيرها على الطبيعة وعلى البشر. في النَّظر إلى بعض الأقوال، يمكن تلمّس المغالاة في دور المرأة وموقعها الَّذي يبدو أقرب إلى الأسطورة والخرافة. من هذه الأقوال:

ــ إذا ضحكت الفتاة المظلومة، فإنَّ الشمس تشرق، وإذا بكت حلّ الرَّبيع ثمَّ اخضر العشب ونبت الزَّرع.

ـــ مرَّت الشَّمس بأشعّتها على وعاء الحليب. ولمَّا شربت منه تلك المرأة حملت لتوّها.

ــ هاجمهم الأسد، ففروا إليها لاجئين، فأرسلت (المرأة الصوفيَّة) منديلها يضعه أحدهم في وجه الأسد. فاختشى الوحش، ومات.

ــ شهود الحقّ في النّساء أعظم الشّهود وأكمله

ــ ذو النُّون أبكته امرأة صوفيَّة، وأفحمته، ثمَّ هرب. وهدت امرأة أخرى طغاة كثيرين إلى الله. وأعادت امرأة كثيرين إلى الحقيقة والنُّور.

تعتبر هذه الأمثلة نماذج عن النَّظرة “المتألّهة” تجاه المرأة، نجدها لدى الصُّوفيين بشكل خاصّ، ونلمسها في الشّعر والفنّ خصوصا في ميدان الرَّسم والنَّحت. لا تكتسب المرأة هذه النَّظرة إلاَّ في أوساط محدَّدة وقليلة، فيما تسود عنها النَّظرة السَّلبيَّة الَّتي تحمل ثقافة تقليديّة، تحوي المتناقضات في النّظرة إليها، مرَّة تصفها بالكاملة والنَّاقصة وبنصف عقل، ومرَّة أخرى باللّينة والصُّلبة. مرَّة تكون مقدَّسة ومرَّة مدنسة. وهي في تعبير علم النَّفس: حياة وقتل، خصوبة واندثار، حنان وحرمان، نقص وكمال، خير وشرّ… كما تختلف المفاهيم وتتنوَّع تجاه نفسيَّة المرأة، لتميّز بينها وبين نفسيَّة الرَّجل. يذهب بعض العاملين في المجال النَّفسيّ إلى إطلاق صفات على المرأة بأنَّها تتَّصف بالانفعال، والمزاج المتقلّب، والقلق والحزن المتواصل، إضافة إلى التَّعصب الأعمى، والغرور وحبّ السَّيطرة والتَّسلط.. وتذهب التَّوصيفات إلى أنَّ المرأة ضلع قاصر، وعاجزة عن التَّفكير كما يفكّر الرّجال.

إذا كان هذا الموروث من التَّوصيف للمرأة يستسيغه الرّجال كثيرًا بحكم السَّيطرة الذُّكوريَّة في مجتمعاتنا، إلاَّ أنَّ الوقائع الرَّاهنة باتت تدحض هذه الثَّقافة التَّقليديَّة النَّابعة من تربية سائدة وفكر هو انعكاس لتخلّف مجتمعاتنا بشكل رئيسيّ. وليس أدلَّ على ذلك من الموقع الَّذي تحتله المرأة اليوم في كلّ الميادين العلميَّة والفكريَّة والفنيَّة والإداريَّة والتَّعليميَّة …، والَّذي باتت المرأة فيه توازي الرَّجل في هذه المجالات، بل إنَّها تتفوَّق عليه أحيانًا. حتَّى أنَّ قدرة المرأة على القيادة الإداريَّة تتجاوز قدرة الرَّجل وفق كثير من الدّراسات الغربيَّة منها والعربيَّة، كما إنَّ أبحاثا سوسيولوجيَّة ونفسيَّة ترى أنَّ المرأة تتعاطى مع القيم وتمارسها بشكل أكثر جدّيَّة من الرَّجل.

المرأة في التَّحليل النَّفسي: نموذج كتابات الدُّكتور علي زيعور

تخترق المرأة معظم كتابات علي زيعور، يتناولها من مداخل متعدّدة، من موقعها الاجتماعيّ إلى دورها في تنظيم الأسرة، ومكانتها في الدّراسات النَّفسيَّة والأساطير والأحلام، وصولاً إلى المواقع السُّلطويَّة الَّتي احتلَّتها في هذه الأساطير من خلال تأثيرها على الرَّجل، أو من خلال ما ترمز إليه في الحياة الجنسيَّة. هكذا لا يكاد يخلو موضوع دراسيٌّ في أيّ كتاب لزيعور إلاَّ ونجد أنَّ المرأة قد احتلَّت فيه موقعًا أو دورًا، مباشرًا أو غير مباشر، ممَّا جعلها موضوعًا خصبا يستحيل أن يستقيم التَّحليل النَّفسيُّ للظَّاهرة عنده من دون إظهار مكانة المرأة وأثرها في القضايا الَّتي يعرض إلى تناولها.

في كتابه “التَّحليل النَّفسي للذَّات العربيَّة، أنماطها السُّلوكيَّة والأسطوريَّة”، يتطرَّق إلى الجانب المتَّصل بالخصوبة ومايرافقها من نظريات. فالخوف الَّذي يعتري الأمَّ من حصول خلافات زوجيَّة وإمكان تحوُّلها إلى طلاق تدفع المرأة إلى كثرة الإنجاب، انطلاقًا من كون الأولاد يشكّلون عاملاً معيقا للانفصال الزَّوجيّ، ويجبر الزَّوجين على إيجاد حدّ أدنى من التَّعايش حفاظًا على موقع الأسرة. لكن المسألة المتَّسمة بالخطورة لدى المرأة تتعلَّق بالعقم الَّذي يعتبر بمثابة الكارثة عليها. يشير زيعور إلى هذه المسألة بالقول: “تعكس نظرتنا إلى العاقر أنَّه لا قيمة للمرأة إن لم تؤدّ واجبها الأوَّل: الإنجاب. إنَّ العاقر في المجتمع، كما في اللُّغة، هي القاتلة، أو الأمّ الَّتي تبلع الأطفال. فهي شريرة، غولة، ترمز إلى الموت والبلع والعقم والقحل والقحط والقتل، لا إلى الحياة والوفرة والخصوبة… ففي مجتمع تتسلَّط فيه التَّقاليد الممزوجة بالأساطير والخوف، تلجأ الزَّوجة عند تأخُّر الحمل إلى وسائل العلاج الحديثة. لكنَّها لا تلبث أن تعود إلى التَّعاويذ، والنُّذور، وما إلى ذلك من طرائق سحريَّة متعدّدة في هذا المجال. يبلغ الشُّعور بالمرارة أقصى درجاته عند العاقر: ذلك أنَّها تهدف من وراء الإنجاب إلى تثبيت ذاتها في المجتمع وتوكيد قيمتها إزاء تدخُّل النَّاس بشؤونها تعريضًا، أو شفقة عليها، أو تمنيات على الله لصالحها” (التَّحليل النَّفسي للذَّات العربيَّة، ص 42-43 )

بعيدًا عن التَّفسيرات ذات الطَّابع الدّينيّ الَّتي تنتشر بكثرة في التَّنظير للحجاب وتحويله أحد الفرائض الدّينيَّة، يحاول زيعور إدخال تفسيرات ذات طابع نفسيّ على هذه المسألة، من خلال نظرة المرأة نفسها في علاقتها مع غطاء الرأس. ترفع الفتاة منديلها عن رأسها ثمَّ تعيد ترتيبه بشكل متواصل، وهي حركة قد تشكّل في اللاَّوعي عندها تعبيرًا عن الصّراع الدَّاخليّ بين الرَّغبة في الخلاص منه وبين ضرورات المحافظة عليه. “فالفتاة في قرارة نفسها ترفضه وتودُّ التَّخلص منه، لكنَّها عاجزة، ممَّا يدفعها للقيام بتلك الَّتي هي، في عبارة أخرى، تعبير مقنّع عن رغبة لا واعية في إظهار شعرها أو في عرض جمال لها فرض عليها أن تخبئه” (التَّحليل النَّفسي للذَّات العربيَّة ص53-54). وفي ما يشبه الرَّدَّ على التَّنظيرات الحديثة للحجاب وإعطائه بعدًا قدسيًّا، يعود بنا زيعور إلى التَّاريخ الَّذي سبق الإسلام والرُّموز الَّتي ارتبطت بالمرأة، فيقول: “السُّؤال الآن، لماذا يكون من العيب على المرأة أن تترك غطاء وجهها، أو أن تنزع غطاء شعرها على الأقلّ؟ القضية موجودة قبل الإسلام، وقوامها تلك النَّظرة إلى المرأة كرامزة لقوى مجهولة: ففي الجاهليَّة، كان الغطاء يعطى للشَّريفة في الكعبة عند البلوغ. إذن، الحيض هو المؤشّر، أي هو المرحلة الفاصلة بين الحياة الحياديَّة للأنثى وبين حياتها ذات الأبعاد الخفيَّة والسَّحريَّة. يعني هذا أنَّ الحجاب يأتي كإبعاد ورفض لما يمثّله الدَّم من مخاطر (الموت، القتل،..). ويكون سجنًا للجسد الَّذي أخذ بالتَّهيؤ للخلق والإيلاد، فيكون بذلك كلّه رمزًا للأنوثة المعطاء والمخيفة معًا، وتعبيرًا عن ردّ فعل المجتمع ضدَّ تكافؤ القيمة الَّتي للمرأة: خوف منها ورغبة فيها. نشير هنا إلى أنَّ الحجاب يبدو أحيانًا، وخاصَّة في الرّيف كما لو أنَّه الدَّلالة على الطبقة المتميّزة، والطبقة الدّينيَّة بشكل خاصّ. فضرورات العمل تفرض على الرّيفيَّة أن تترك غطاء الوجه، بينما غطاء الرَّأس لا يعيقها عن القيام بالعمل في الحقل أو خلافه” (المصدر نفسه، ص53-54).

تلتصق كلمة الحرام بالمرأة وتتعدَّد التَّفاسير حولها منذ القدم، تشهد عليها الكتابات في جميع الحضارات وفي جميع الكتب الدّينيَّة. والحرام والمقدَّس مرتبطان ومتكاملان في موضوع المرأة، فالمرأة حرمة، ونقول أنَّها حرم فلان. والمرأة تتَّسم بالقداسة وفق الأساطير لأنَّها تخيف وتنتج في الآن نفسه، وهي الأقوى سحريًّا، “وبالتَّالي فهي حرام أو يحرَّم لمسها إلاَّ بعد طقوس. تصبح الأنثى حرمة كاملة أو حرامًا بعد أوَّل حيض… ومن بين ألوان الحرام كون العمل الجنسيّ يولّد النَّجاسة للزميلين، من ثمَّة فحرام عليهما الأكل، أو لمس الخبز، والإتيان بالأعمال العاديَّة عمومًا، قبل إزالة تلك النَّجاسة بالماء الَّذي يرفع الحرام، أي يطهّر. كما أنَّه إبّان الحيض يكون الحرام ضاربًا المرأة، فتمنع من لمس الخبز وما يتَّصل أو يرمز للحياة، كما يضربها الحرام في فترة النّفاس” (المصدر نفسه ص 55 ).

تساهم الثَّقافة العربيَّة السَّائدة في خلق جملة من العقد النَّفسيَّة الَّتي تصيب المرأة أكثر من الرَّجل، خصوصًا لدى اصطدامها بانتشار مفاهيم حديثة تدعو إلى تحرر المرأة من قيم بالية تكبّلها وتمنع مساواتها مع الرَّجل. أوَّل هذه المفاهيم ما يتَّصل برفض الأنوثة حيث يرى زيعور أنَّ المرأة وقد صارت أمًّا تفرض “تربية معينة على ذكورها وإناثها، وتتميَّز بسلوك خاصّ إزاء زوجها وجنسها إذ قد تسقط رغبتها في الاسترجال أو عكسه، أو في التَّسلط. تتجسَّد إسقاطاتها تلك في معاملتها لزوجها ولأبنائها: فهي بعد أن تشعر برسوخ قدمها تظهر تسلطًا من أشدّ ما يمكن أن يكون، وترفض المشاركة، وتجعل من الزَّوج موضعًا لتحكمها، وكثرة انتقاداتها” (المصدر نفسه، ص 76-77).

ومن المظاهر النَّفسيَّة الَّتي يرى زيعور أنَّها متفشية لدى المرأة في مجتمعاتنا أنَّها ترغب في الرَّجل القويّ والسَّاديّ الَّذي يقسو عليها. يعلّل هذه الظَّاهرة بكون المرأة قد اعتادت منذ طفولتها على القساوة في التَّعامل معها، لذا صارت تطلبها لا شعوريًّا في مراحل عمرها اللاَّحق، يتجلى ذلك في رفضها الرَّجل الَّذي يطيعها رغم تسلُّطه عليها. “تطلب لنفسها أن تقاد وتخضع فكأنَّها تتلذَّذ إذ تعاقب، وفي فرض المحظور عليها، ممَّا يجعلها تطلب ذلك وتقسو للتَّعويض عند فقده. ومن المعروف أنَّ الرَّجل يظهر ذلك في علاقاته الجنسيَّة معها: فالسَّادية بادية في سلوكه. ثمَّ أن تكون هي مازوخية فأمر مقبول وشائع” (المصدر نفسه ص 78).

ولأنَّ زيعور يستقي آراءه وتحليلاته من المجتمعات الَّتي يغلب عليها الطَّابع الإسلاميّ بمفاهيمه وقيمه تجاه المرأة، فكان لا بدَّ له من التَّوقف عند إحدى العقد النَّفسيَّة لدى المرأة والمتعلّقة بالخوف المرضي من الزَّوجة الجديدة أو من الخليلة. “تعود تلك العقدة إلى عوامل مكبوتة تستكشف من خلال تقصي مدفونات اللاَّوعي الجماعي، بل والفردي، وبوسائل كثيرة، بتقرّي الأمثال، والقصص الشَّعبيَّة، وأحلام المرأة، ومزاج الرَّجل وتهديداته لامرأته،.. ونجد أن خواف الضرّة موتّر للصّحة النَّفسيَّة للعائلة بأسرها” (المصدر نفسه، ص79 ). وبالنَّظر إلى القيود المتعدّدة الَّتي تكبّل المرأة في مجتمعاتنا، فإنّها تردّ على ذلك بسلوكات سلبيَّة لاواعية تصون بها ذاتها. يتجلَّى ذلك على سبيل المثال بالانشغال الوسواسيّ بترتيب البيت، فكأنَّها بهذه العملية إنَّما تعتني بنفسها. كما أنَّها تعمد إلى العناية المفرطة بأولادها، وهي مغالاة قد تكون تعويضًا وهربًا من الواقع الَّذي تعيش فيه.

يصيب المرأة الكثير من عناصر انجراحات الشَّخصيَّة الأنثويَّة، فهي تلاحظ جيّدًا في مجتمعاتنا حجم الخضوع لسيرورات التَّدجين، كما يتجلَّى ذلك في التَّمييز بينها وبين الذَّكر في العائلة لصالح هذا الأخير. لكنَّ زيعور يشير إلى أنَّ “هناك في الموقف إزاء المرأة اتّجاهًا يجعلها عطفًا وحياة، وآخر يقيّد هذا العطف والحنان بوشائج محدّدة. وإنَّ استعملنا كلمات أخرى قلنا أنَّ المرأة زهرة عمل وحنان، لكن داخل قفص من من العلاقات المسبقة والرَّامية لحفظ النَّسب (أو لعدم اختلال المواريث)، وإلاّ اعتبرت خارج النّظم العائليَّة والمجتمعيَّة ووجب بالتَّالي تطبيق”غسل العار“ ذي الألوان المتعدّدة” (الدّراسة النّفسيَّة الاجتماعيَّة بالعينة للذَّات العربيَّة، من مونوغرافيا قرية إلى التَّنمية الوطنيّة، ص 173)ش

أولى زيعور اهتماما كبيرًا لموقع المرأة ودورها في التراث الشَّعبي القديم ولاختراقها مجمل الأساطير والحكايات الشَّعبيَّة والتراثيَّة، وهو اهتمام يردُّ في معظم نتاجه بأشكال متفاوتة. فالمرأة في الكرامات، والقصص الشَّعبيّ ترمز إلى الغواية والجسد بحيث يبدو أنَّ الشيطان قد تجسَّد بها، وهي دومًا آيلة إلى السُّقوط، من دون أن يسقط من الحساب الوجه الآخر لها حيث تتمتّع بالنَّفس العاقلة وبكونها رمز العطاء والخصوبة، بل أحيانا يصل الأمر إلى اعتبارها رمز القداسة والرُّوح. “هذه الثنائيَّة في القيمة نجدها في”ألف ليلة وليلة“حيث تؤخذ المرأة كرمز للخصاء الذّهنيّ تارة أو كبطلة ذات خوارق و”كرامات“. فقد يعشقها جنيٌّ، أو تكون جنيَّة يعشقها أنسي، وتتغلّب على الأعداء فتتزوج من يغلبها.. ولعلَّ البطلات فاطمة بنت بري في التَّصوف، والزّناريَّة في ألف ليلة وليلة، والأميرة ذات الهمّة في السّيرة الشَّعبيَّة، عبارة عن وجوه ثلاثة للبطلة الأنثى في الذَّات العربيَّة، الَّتي تغلّب النَّاحية الإيجابيَّة في المرأة وتنتقم للصُّورة القائمة في الَّلاوعي” (الكرامة الصُّوفيَّة والأسطورة والحلم، ص 53).

يركز زيعور على الفعل الدّينيّ في الرَّفع من موقع المرأة وتكريس دورها البطولي، ويستعير من التراث الشّعبي والأساطير الَّذي يحويها أمثلة على نساء ارتفعنَّ إلى مستويات من البطولة تجاوزت الرّجال أحيانًا كثيرة. “عرف الفكر الصُّوفيُّ صوفيات من نوع سما فوق الرّجال: فرابعة مثلا ترفض يد متصوفين أو سياسيين من المقام الأوَّل في بيئتها. وامرأة الجنيد تحضر اجتماعًا فيه الشّبلي، ولا يغضُّ من قيمة وجودها ما تتمّمه القصَّة من أنَّ زوجها طلب منها ترك المكان بعد أن استفاق الصوفيُّ من وجده. وإحداهنَّ دخلت”مدينة الأولياء“، المدينة الفاضلة الصّوفيَّة اللاَّزمانيّة، وهي في العشرين من عمرها. لقد سارت الكرامة بين البطلة والبطل: لم تجعلها في منزلة أدنى، ولم تغفلها أو تمنع عنها الطَّاقات المعطاة للبطل الصُّوفيّ. إنَّها تقفز، كالرّجل، فوق المألوف: تعرف الغيب، تحيي الميّت، تطوي المكان والزّمان، تخرج من التَّاريخ وتوجّهه، تردُّ السّباع واللُّصوص بكراماتها بل حتَّى بمجرّد رفع يدها أو حجابها..” (المصدر نفسه، ص155)

يرصد زيعور بعض المفاهيم المتعلّقة بجسد المرأة ودلالات بعض الأعضاء فيها انطلاقًا ممَّا هو موروث من التراث، فيتحدث عن المرأة السَّمينة، الَّتي يرى أنَّها وفق التراث العربيّ الإسلاميّ من الأحبّ إلى الإنسان، لكون الجسد الممتلئ يرمز إلى الجمال والاستمرار. “فكمال الجسد، في المنظور التراثيّ، لم يكن تناسقًا أو كمالاً في الأعضاء فحسب، كان المتخيّل والظّلي والرَّمزيُّ في أساس توجيه النَّظرة التراثيَّة إلى الجمال البشريّ وصورة المرأة المحبوبة الكاملة. فاللاَّوعي قاد نظرة تظهر فيها المرأة الرَّائعة سمينة وناهدة الأثداء أي قادرة على إشباع الطفل، ورمزًا إلى الحنان والغنى والاخضرار، ومهيأة إلى توفير حياة جديدة وخصبة ومعافاة منيعة” (الأحلام والرُّموز، أداة كشف وعلاج نفسيّ في مجالات الشَّخصية والاضطرابات النَّفسيَّة والفكر، ص 141).

يحمل التراث العربيُّ نظرات متناقضة تجاه المرأة، يستوي فيها الجانبان السَّلبيُّ والإيجابيُّ. وإذا كانت التَّقاليد والثَّقافات السَّائدة تغلّب الجوانب السَّلبيَّة، بحيث يلجأ الرَّجل إلى الحطّ من مكانتها الاجتماعيَّة ورميها بالصّفات السَّيئة، إلاَّ أنَّ جانبًا آخر برز في أكثر من ميدان وسعى إلى التَّعويض عن النَّظرة السَّلبيَّة الَّتي حفلت بها مجتمعات عربيَّة ذكوريَّة بامتياز. تعطى المرأة حقَّها في كونها الأمَّ المضحية والمتفانية أمام أولادها وعائلتها، هذا جانب فرضت المرأة على المجتمع الاعتراف به. لكن المرأة في التَّاريخ والتراث العربيّ تميّزت أيضا بسمة بطوليَّة، سواء عن طريق أدوار لعبتها في التَّاريخ وفي السّياسة، أم من خلال ما أضفي عليها من التراث الشَّعبيّ أو الصُّوفيّ. فمن حيث هي أم للبطل، فهي نموذج للحكمة والهداية. ومن حيث هي أخت، فهي تعبيرعن مشاعر الأمن والرّقة. وتظهر المرأة الصُّوفيَّة بطلة تماثل الرّجال بقدراتهم وأحيانا تتجاوزهم. يشير زيعور إلى أنَّ المتصوّف ابن عربي كان يرمز إلى الله بكونه امرأة، وهناك قصَّة شهرزاد في كتاب ألف ليلة وليلة والدور الَّذي لعبته في حماية النّساء عبر قصصها وحيلها مع الملك شهريار، وهناك فاطمة بنت مظلوم بطلة ملحمة شعبيَّة روت محاربتها للروم وتغلّبها على أعداء الدَّولة في الدَّاخل، وكذلك على أعداء الدّين. أمَّا صورة المرأة البطلة كما رسمها الفلاسفة والفقهاء فقد “دعوا المرأة إلى أن تكون ودودًا، ولودًا، تعطي كلّ شيء، قليلة الكلام كثيرة النَّفع، فاضلة، لينة تضحي، لا تعيش حياتها بل فناء لأسرتها..” (قطاع البطولة والنَّرجسيَّة في الذَّات العربيَّة، ص 63).

ويحتلُّ الجمال الأنثويُّ موقعًا لدى المرأة البطلة، وهو يترافق مع صفات حسنة تتَّصل بالخصوبة وبالحياة وبالملاذ الآمن والحماية. يشير زيعور إلى أنَّ “الأجملية البطليَّة، في الجمال، تعود إلى الارتباط العضويّ الحياوي بخوف من عودة القلق البدئي عند الطفل، من تفجّر الخوف من الفناء، من فقدان هوامي للحماية والأمان داخل عالم قاهر يهدّدنا بالأخطار والاضطهاد. وعلى ذلك فالأجملية تعكس خوفًا لا واعيًا ونكوصًا إلى مرحلة التَّبعيَّة والاتّكاليَّة الَّتي تتحكّم في علائق الطفل بوالديه. فالبعد الهواميُّ للأجملية العربيَّة شديد البروز، ويقوم في صلبها، وينظّمها ويعزز ضراميتها” (المصدر نفسه، ص 64).

المرأة في التراث الدّينيّ

تشكّل الوضعيَّة الاجتماعيَّة والمدنيَّة للمرأة ومساواتها بالرَّجل ومنع التَّمييز بينهما واحدًا من القضايا الأساسيَّة الَّتي لا يستقيم وجود الدَّولة المدنية من دون تحقُّقها. عرفت كلّ المجتمعات البشريَّة تمييزًا فاضحا بين الرّجل والمرأة، وهو أمر يعود لثقافات وتقاليد وفكر دينيّ، وهيمنة مجتمع الذُّكور، ممَّا أوجد وضعيَّة تتَّسم بالدُّونيَّة للمرأة. جميع المجتمعات خاضت ولا تزال معركة إلغاء التَّمييز، فالمجتمعات العربيَّة تعاني من التَّمييز، وتشهد نضالات متفاوتة بين بلد وآخر للخروج من الحالة المهينة للمرأة في وصفها إنسان، في أكثر من بلد عربيّ. والمجتمعات الأوروبيَّة، ترافق فيها النّضال السّياسيُّ لتكريس حقوق المواطنة والمساواة بين الرَّجل والمرأة، في معارك أنجزت فيها المرأة الأساس في نيل حقوقها، على رغم أنَّ بعضًا من التَّمييز ما يزال يطلُّ برأسه، ويتَّصل بدرجة تطوُّر المجتمع هنا وهناك. في كلّ الأحوال، فإنَّ تحقيق المساواة بين المرأة والرَّجل وإلغاء التَّمييز بينهما يقع في صميم مكوّنات الدَّولة المدنيَّة. في هذا المجال يمكن التَّوقف أمام بعض العوامل الَّتي ساهمت ولا تزال تساهم في منع المرأة من الحصول على حقوقها.

لعبت الأديان، بنصوصها وبالثَّقافة الَّتي أنتجتها، دورًا رئيسيًّا في التَّمييز بين الرَّجل والمرأة. أوَّل التَّمييز كون الأنبياء الَّتي عرفتهم الأديان التَّوحيديَّة وغير التَّوحيديَّة كانوا من الرّجال، ولا يذكر لنا التَّاريخ قيادة امرأة لدعوة دينيَّة في أيّ مجتمع بشريّ. بل إنّ الأديان التَّوحيديَّة تحمّل المرأة مسؤوليَّة الخطيئة الأصليَّة الَّتي ارتكبها آدم وحواء وأودت بهما خارج الجنَّة، وهو إثم ما تزال المرأة تحمل أوزاره حتَّى اليوم. والكتب المقدَّسة تنتسب جميعها إلى الرّجال، ولا نعرف كتابًا منسوبًا إلى امرأة، على رغم وجود نساء ساهموا في نشر الدَّعوات الدّينيَّة. ولا يمكن تبرئة الأديان جميعًا من إعطاء الرَّجل قوَّة دفع جعلت سلطته مطلقة، بما فيها إخضاع المرأة إلى هذه السُّلطة بكلّ ما يرافقها من دونيَّة وهضم لحقّها كإنسان في علاقتها بالرَّجل وبالمجتمع.

لا يقتصر الأمر على الموقع الفوقيّ العام المعطى من الأديان للرّجل، بل حملت النُّصوص المقدَّسة للأديان التَّوحيديَّة الثَّلاث ما يحسم في موقع المرأة الدُّونيُّ ويؤكّد تفوُّق الرَّجل وسلطته عليها. بل إنّ بعض الفقرات الواردة مليئة بالإذلال والمهانة تجاه المرأة. نورد بعضا منها على لسان التوراة والإنجيل والقرآن:

بالنّسبة إلى اليهوديَّة، فقد أتى في سفر التَّكوين:“وقال للمرأة لأكثرنّ مشقات حملك بالألم تلدين البنين وإلى بعلك تنقاد أشواقك وهو يسود عليك”. وفي سفر اللاويّين،الإصحاح 12 :“إذا وضعت المرأة أنثى فإنَّها تتنجس ضعف المدَّة الَّتي تضع فيها ذكرًا”.. يبدأ اليهوديُّ من غلاة المتزمّتين نهاره بتلاوة دعاء يقول فيها: “الحمد لله الَّذي لم يخلقني امرأة”. أمَّا بالنّسبة إلى المسيحيَّة، فيقول القدّيس بولس في أحد رسائله إلى مؤمني أفسس: “أيّتها الزَّوجات اخضعنَّ لأزواجكنّ كما للرَّب. فإنّ الزَّوج هو رأس الزَّوجة كما أنّ المسيح هو رأس الكنيسة (جسده). وهو نفسه مخلّص الجسد، فكما أنّ الكنيسة قد أخضعت للمسيح، فكذلك الزَّوجات أيضًا لأزواجهنّ في كلّ شيء”. كما يرد أيضًا في رسالة بولس إلى تيموثاوس: “على المرأة أن تتلقَّى التَّعليم بسكوت وبكلّ خضوع. ولست أسمح للمرأة أن تعلّم ولا تتسلَّط على الرَّجل. بل عليها أن تلزم السُّكوت. ذلك لأنَّ آدم كوّن أولاً، ثمَّ حواء. ولم يكن آدم هو الَّذي انخدع (بمكر الشيطان )، بل المرأة انخدعت، فوقعت في المعصية”. وتشكّل بعض النُّصوص الَّتي تتلى على الزَّوجين في مراسيم الزَّواج أحد الأدلَّة على التَّمييز بين الرَّجل والمرأة في الدّين المسيحيّ. وفي الإسلام، يحمل النَّص الدّينيّ ما يمكن اعتباره تمييزًا بين حقوق الرَّجل وحقوق المرأة في عدد من القضايا، تبدأ من مقولة “الرّجال قوَّامون على النّساء”، وتتَّصل بتشريع تعدّد الزَّوجات، والتَّمييز في نظام الإرث، وصولاً إلى فرض طاعة المرأة للرَّجل بما فيها الحقّ في ضرب المرأة استنادًا لما ورد في القرآن: “الرّجال قوَّامون على النّساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم، فالصَّالحات فاتنات حافظات للغيب بما حفظ الله، واللاَّتي تخافون نشوزهنَّ فعظوهنّ واهجروهنَّ في المضاجع واضربوهنَّ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً” (النّساء:34).

لا تعني هذه النُّصوص وصم الأديان بالمطلق في كونها ضدَّ المرأة، فالكتب المقدَّسة تحمل في مواضع أخرى ما يدعو إلى احترام المرأة ومعاملتها بالحسنى. إذا قرئت هذه النُّصوص وغيرها المشابهة لها في وصفها تعبيرًا عن درجة تطوُّر المجتمع في المرحلة الَّتي نزلت فيها النُّصوص، فيمكن القول أنَّها كانت تعكس نمط العلاقات الإجتماعيَّة السَّائدة والثَّقافة المهيمنة الَّتي كانت تعطي الموقع المركزيَّ للرَّجل، وهي بهذا المعنى ترتبط بمرحلة زمنيَّة محدَّدة تجاوزتها تطوّرات المجتمعات ودرجة التَّقدم الَّتي حصلتها، بما فيها إزالة، أو الحدّ من هذا التَّمييز. أمَّا إذا ظلَّت المؤسَّسات الدّينيَّة تنظر إلى هذه النُّصوص بإطلاقيتها وكونها صالحة لكلّ زمان ومكان، تصبح هذه الأديان مسؤولة بقوّة عن التَّمييز بين الرَّجل والمرأة. في كلّ حال، يؤشّر مسار تطوّر المجتمعات إلى تجاوز هذه النُّصوص واعتبارها تقادمت مع الزَّمن، فوضعت قوانين وتشريعات تتَّسم بالمساواة بين الجنسين في بعض البلدان، وفي الاقتراب من هذه المساواة في بلدان أخرى. في كلّ الأحوال إنّ معركة المساواة هذه ما تزال مندلعة بأشكال مختلفة حسب واقع كلّ بلد، وهي معركة عنوانها وضع قوانين مدنيَّة تحكم وضعيَّة المرأة على حساب ما هو موروث من قوانين لها الصّفة الدّينيَّة. في هذا المجال تشكّل معركة تعديل قوانين الأحوال الشَّخصيَّة في البلاد العربيَّة والإسلاميَّة أهمّ المعارك الَّتي تخوضها المرأة خاصّة، والمجتمع عامَّة، لإزالة الغبن اللاَّحق بالمرأة والمستند في هذه القوانين إلى نصوص دينيَّة، (من قبيل تعدُّد الزَّوجات والتَّمييز في الإرث وحضانة الأولاد، ومسائل الطَّلاق..) حيث تصرُّ بعض المؤسَّسات الدّينيَّة على التَّمسك بها لاعتبارها تستند إلى النَّص المقدَّس.

تقترن الثَّقافة الدّينيَّة في المجتمعات عامَّة، وفي المجتمعات العربيَّة خصوصًا، بثقافة محليَّة عمادها العادات والتَّقاليد الَّتي تكرّس التَّمييز بين الرّجل والمرأة، وتقف حاجزًا في وجه تجاوز الفروقات بينهما. ترتبط هذه الثَّقافات بطبيعة البنى المجتمعيَّة الَّتي تحكم العلاقات بين أبناء المجتمع، وهي بنى أساسها سيطرة النّظام البطريركيّ بكلّ مفاعيله الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة والسّياسيَّة والمدنيَّة.. وهي عناصر لا تقلُّ هيمنة عن التراث الدّينيّ، ممَّا يجعلها تحتلُّ مركزًا مهمًا في الإعاقة المجتمعيَّة نحو الوصول إلى قوانين مدنيَّة تحقّق المساواة وعدم التَّمييز بين المرأة والرَّجل.

إنَّ الوصول إلى الدَّولة المدنيَّة مشروط بنزع الإعاقات عن موقع المرأة نحو تكريس مساواتها بالرَّجل. يكتسب الأمر أهميَّة مضاعفة عندما ندرك أنّ المرأة تشكّل نصف المجتمع، وأنَّها في معظم البلدان قد باتت في مواقع موازية للرَّجل على صعيد التَّعليم والوظائف والقدرات في مجال الأعمال، كما باتت مشاركة له وبقوَّة في النّضالات السّياسيَّة والإجتماعيَّة المتصاعدة، وهو أمر كان واضحًا في الانتفاضات العربيَّة الجارية.