كما لو شبه لي ذلك (2)

وجدت نفسي غارقة في حالة من الذهول وسط عشرات من الأسئلة التي يستفزني بها كلام الرجل الذي غادر القاعة قبل قليل، تاركا خلفه توترات لغة كلامه كنسيم هواء خفيف، لكنه حاد ومرعب، أقرب الى جروح بليغة الخطورة، وهي لاتزال تقطر دما، كما لو ان شيئا في احشاء هذا الكلام، الكاسح بقوة الانتشار والضغط لفضاء القاعة، ما يزال يقاتل بشجاعة في سبيل حياة يرى بأنها جديرة بان تعاش، ولو تطلب الامر منه التضحية بحياته. عندما اندفعت الجملة الأخيرة “التضحية بحياته” من تجاويف انفعالاتي العميقة اعتلت محياي ابتسامة ساخرة الى حد الهزء الذي يشبه إهانة الذات على هذا الاستسلام البذيء لتبلد الذهن في ممارسة نشاطه الفكري. تحركت من مقعدي لأخلخل هذا الكلام الذي يحيط بي من كل جانب، وهو يريد ان يستوعبني نهائيا، ويجعلني كأحد اتباعه المحرضين. توجهت نحو النافذة لعلها تمنحني فرصة لإعادة تركيب العلاقات بين ما ينفجر في داخلي، وما يحاول من مخبوء غامض في كلام الرجل ان يحتويني. قلت في نفسي دون ان أجزم في ذلك: ربما شيء مشترك بيننا سهل مكر الخديعة او على الأقل يسر التضامن السري لانفجار المكبوت.

فجأة باغتني دفتر من الحجم المتوسط قد يتجاوز مائتي صفحة على الطاولة التي جلس بقربها ذلك الرجل. قلت بصوت مسموع “ربما نسي دفتره وقد يعود في اية لحظة حالما ينتبه الى فقدانه”. عندما تصفحته وجدته مكتوبا عن اخره.

وهكذا كانت صفحته الأولى تحمل العنوان التالي: الجزء الأول: الذوبان أو محلول الشبهة والبراءة.

الدقائق الأولى لولادة الاثنين 15 تشرين الاول

ما أصعب ان تلتف على الانسان الخيبة كأخطبوط لا يترك منفذا لأمل ولو كاذب بوهم حياة تسمح بمزيد من الحلم بتغير الحال والاحوال بأحسن مما كان. ما أبشعني وانا أعد هذا العمر ليس بالأيام والشهور والسنوات، وانما بغياب أبسط لحظات اجواء الندم التي تجعلني اقرب الى القلق والشك والحيرة وفقدان اليقين. هذا العقاب الذاتي هو ما كان ينقصني لخلخلة افكاري ومعتقداتي ولم لا ثوابتي أيضا؟ هل كان ذلك الفكر التقدمي الإنساني الرائع في تماسكه وجمال منطقه وروعة رؤيته، وما الى ذلك من الكلام الجميل الرنان كافيا ليميزني في العيش بين الناس، بعيدا عن السقوط في التقليد والمحافظة والتخلف بجميع اشكاله؟ بعبارة واضحة ألم أكن غارقا في أجوبة وثوقية ما تجعلني في منأى عن عيش سؤال الحياة في التمتع بحق الخيبة والفشل والخيانة و الشك والنقد…؟

عقود طويلة من الانسداد في عالم ضيق لحديث الكتب عن الكتب، متباهيا بامتلاك الفكر الصحيح، والمنهج الصائب، والتحليل الدقيق، والرؤية الثاقبة، والكلام المثير الجذاب بمسحة العصر ولغة الحداثة والموقف اللفظي المناهض لقهر المرأة، مع التبجح بأخلاق عالية في الوفاء والعفة والبقاء على العهد. هكذا كنت لا أنصت وأصغي الا لنفسي، متسلحا باخر ما استجد من اليات خطاب القمع والقهر والتسلط في حق نفسي، لاجما باكراه طاقات النماء تجاه التعدد في الرأي والاختلاف في الموقف والافكار. فما الذي كان يميزني عن السلفي غير جرأته في عيش حق التعدد في اغتصاب الفرج؟

مراهقة ملتبسة لأربعاء 17 تشرين الاول

ينظر ولا يرى…

الان يصح هذا التعبير المتداول عن حالة التباس الرؤية للتمييز بين الحقيقة والخطأ، بين الواقع والمتخيل، بين الطفولة وخصائصها النفسية المعرفية الاجتماعية و النضج النفسي والمعرفي والعاطفي والجنسي والاجتماعي العلائقي، وأيضا بين العقل والجنون. وطغيان التنميط، الى درجة التوأمة للتماثل الجيني الاجتماعي الظاهري، يزيد من تعقيد فك لغز المشابهة بين الوجه والقناع، بين السلفي والحداثي، بين اليمين واليسار، بين التعصب العنصري والتسامح الاختلافي، وبين سقوط الاستبداد وصعود الارهاب…

فإما أن تكون شبهة أو شبهة مضادة. لا خيار امامك الا ان تختار رفيقك الاستعراضي في شبهة التوأمة لولادة العنف المقدس الدموي، بين حرية الإرهاب و إرهاب الحرية. ولا فرق بين ان يكون الطوطم معبدا أو بنكا ماليا.

أتذكر عندما كنت أعود من غزواتي السياسية أو الفكرية هنا أو هناك، وقد أبليت البلاء الحسن في الدفاع عن قيم العقل والحرية والديمقراطية وحق المواطنة للجميع دون أي تمييز. أدخل بيتي بتواضع كاذب دون أن أكلف نفسي عناء الملاحظة والتأمل العميق في جمال نظامه الساحر الاخاذ، في المأكل والمشرب والملبس… كما لو كنت أمام روعة الوجود الكوني الدال على أن إلهة في البيت. لكن الكفر التوتاليتاري لامتياز التسلط الذكوري كان يحرمني من إدراك نعمة حب البحث عن إلهتي في قلبي كما يفعل الصوفي مع الله. وقد صح في قول الشاعر الكبير “أنا ادم الجنتين فقدتهما مرتين”.

ما تبقى من عمر السبت 30 تشرين…

دعني أقول أنا أيضا كلامي بحرية كاملة، فأنا لا أقبل منك تلك الترهات الأشبه بالاضطرابات التافهة العاجزة عن اتيان الاستيهام. ما أبخسك وما أفقرك وأنت تعتقد في سهولة انتاج الوهم، كما لو كان حالة جاهزة كثيرة معطاة على جانب الطريق كالنبات البري. وفي هذا الموقف العاري كنت متشبها بالناس العاديين، في النظر الى الوهم وحرقة الاستيهام بنظرة العيب وسخرية الخواء الاجوف، في اعتقاد السمو والهيبة في قيمة امتلاك فحولة منطق الواقع والحقيقة. تشنجك الخيالي اليوم يجعلك بعيدا عن تمثل ادراك تجربة الهوامات المؤلمة في عذابات عنفها المفرط، كآلية نفسية لتجنب تدمير الذات امام عجزها عن استيعاب قساوة الواقع، لإبداع حلول التجاوز في سيرورة صراع لا تنتهي بين الاختلال والتوازن. ها أنت ترى ان فيما احتقرته من دلالات و عمق الوهم والهوامات الى درجة التبخيس يكمن سر الابداع للنظر بالعين الثالثة في المعاناة والالام التي عشناها في تاريخنا الاسري والاجتماعي أنا وانت والاخر فينا الذي لا يشبه أحدا منا. لقد اختلطت عليك الامور وصار كلامك شبهة في محيط الشبهات.

لقد كنتﹸ مخلصا لأفكاري ومواقفي واعتقاداتي حين رأيت نفسي بمحض الجهد وتجربة الالم أسلخ جلدي كل يوم، وأقتلع دون شفقة ولا رحمة بسؤال الحيرة والشك والقلق الدؤوب، كل ما يمكن ان يندس، بحكم العادة وطمأنينة الرضا عن الذات، في أحشائي وقرارة نفسي، في ظلالها الجانبية المظلمة عن بصيرة العقل. فحين دخلت تجربة الحب والشوق، والفرح الكبير بلوعة العشق، لم يكن ذلك تقمصا مني لخيال مجاني لحزن وجودي في تراث العشق المتداول بين الناس في استعذاب لذة الالم النفسي المرضي. لقد اشتعل لهيب الحب في أعماقي بصدق، وباركت قوة نوره المضيئة، وانا اضع بصري وبصيرتي بعيدا عن سنائه الوهاج، مثبتا رؤياي على حيرة أسئلة أفق الانسان في داخلي، ممتدا الى الدنيا والاخرين وكل العالم الذي استبطنه جسدي. لم أكن فقيها لأسحر بقوة وميض لهيب فتنة الحب، مركزا في ذلك ادعاء قدرتي على الفهم والتأويل واستنباط قيود الاحكام لغرس قواعد الكبت والكراهية والحقد، متجاهلا موطئ قدمي في وحل الحياة. كما لم أكن صوفيا لألتف على نفس ذاتي وحدها وأرى حبيبتي والدنيا والاخرين يطوفون حولي. كنت واعيا بخطورة العبودية بين الله والعبد في انعكاسها بين البشر، لذلك حلمت بامرأة ندة لي في تجربة العشق لجدل التكامل لا النفي والقهر وعبودية الهدر. أذكر وأنا أفكر فيها أو أنتظرها كيف كان يصفو دم تفكير قلبي بنبض العشق، ويكون جسدي وجميع جوارحي خاشعة متصدعة من خشية جنون الحب. ما أروع لحظة ليلة الفلق العشقي حين تنفجر في الاعماق مزيحة ظلمة عدوانية كراهية الانسان عن القلب. لم أكن أستسيغ أن أختزل ذاتي أو بالأحرى انسانيتي في مجرد عضو تناسلي ينزف بضغط نزوة الدافع الجنسي لهيجان حيوان على أهبة الاغتصاب فيما يشبه الافتراس الوحشي.

ﺁه كم كانت تلك الايام العذراء من سطوة الزمن مفعمة بالحب، وبحرارة قبلة العشق حين تلتقي الشفتان معلنة تلاحم الجسد بالروح في البرزخ الفاصل بين الموت والحياة، كما لوكنا في حضرة تلقي الوحي، أو على حافة جدلية بداية ونهاية الخلق. فهل خطر هذا لأهل التفسير؟ (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون)

انتشلتني بشكل مخيف أصوات الدكتورة نجاة، وهي تكلم خالتي سمية. بسرعة أغلقت الدفتر ووضعته داخل حقيبتي، كما لو كان شيئا يخصني. اختلطت مشاعري المتباينة التوتر الانفعالي بأفكاري المتناثرة هنا وهناك، مستغربة هذا التهور الاخلاقي البشع في التجسس على ما هو خاص أو حميمي في الانسان، كما لو ضبطت نفسي، في وضعية صريحة واضحة، متلبسة بما يشبه السرقة الموصوفة. لأول مرة أجدني في حالة مشبوهة غامضة لم تستوعبها قرارة نفسي، كما اعتبرها جسدي شيئا دخيلا، لذلك سرعان ما لفظ الشبهة، فيما يشبه قذارة القيء على تضاريس جسدي العاري، فوشت بي تعبيراته من حيث لا أحتسب. لهذا سألتني الدكتورة :

سناء مالك تعبانة؟

وبشكل عفوي تلقائي أجهل مصدره حالفني الحظ، إذ سرعان ما تواطأ الوجه الاخر من جسدي لأنا أمقتها ملتبسة ومتلبسة في داخلي في مستنقع التعفن السائد، ربما بحكم عادة المران والدربة، في العيش اليومي المكرر الى حد السأم ضدا على الأنا الحية الناقدة لجسدي المبلل بشبهة التلصص، فأجبتها بكلام يشي بالحيوية والمزاح كما لو كنت في حالة عادية. هكذا استنجدتﹾﹾ من حيث لا أدري الأنا الوقحة في أعماقي بلعبة عفة الكلام الضاحك، كما لو كنتﹸ بريئة حقا من ورطة الشبهة الموصوفة، حجابا لأستر سفوري الذي فضحته المحاسبة الصارمة لأناي الحرة على تقاسيم وجهي. فاندهشت و أنا أتساءل في دواخلي كيف أمكن لأنا أحقد عليها بشراسة أن تقدم لي خدمة عظيمة ازاء هذا الموقف الحرج؟ اذن هكذا يهزم شرنا الداخلي المتقادم في الزمن الاجتماعي ذلك البصيص الرخو من أمل يقظة الضمير الحي لعقل النقد. فنبارك في أنفسنا تلك الفهلوة والشطارة ذات الحس البديهي التي أبعدت عنا عيون الحيرة والشك والسؤال، فنبدو كما لو أننا أبرياء. وننسى بفعلنا ذلك أننا فوتنا على أنفسنا فرصة عيش جمال وروعة الحياة الانسانية الحقيقية. 

لست تعبانة ولا ثعبانة. قلت للدكتورة بمرح مفتعل.

فدار بيننا حديث ودي يسر سبيله فرح الضحك المتبادل. فمرت ساعات العمل دون اتي على ذكر خبر الرجل العابر هذا الصباح. كم كنت نذلة وخسيسة حين عجزت عن قهر نوع من الفرح الملتبس في أعماقي سببه دفتر ذلك الرجل الغريب الذي لم يكلف نفسه مشقة العودة لأخذ دفتر عشقه المنسي.

وفي المساء عندما عدت الى البيت مرهقة منهكة قواي، لم أتمالك نفسي، رغم حمى الاسئلة التي سيجتني بها يقظة الضمير الحي، من أن ألقي نظرة أخرى على دفتر الرجل. ترميني الصفحة لأختها وأنا أطارد لوعة حب هارب كما لوكان في حالة طوارئ قصوى. لم أكن في وضعية مناسبة لأعيش جمالية التلقي لهذا تخليت عن مواصلة القراءة فانشغلت بالتجسس عما يحتويه الدفتر، كما لو كنت أبحث عن مفاتيح فك لغزالكتابة أم لغز الرجل؟ رغم أن كل شيء اختلط في داخلي فإني استسلمت لعاهة التلصص وأنا مدفوعة بشيء غامض يوجهني بحثا عن شيء هارب أو مفقود في داخلي لا أعرفه. وفجأة وجدت في الصفحات الاخيرة بعض “المشاريع البحثية” هكذا عنونها الرجل. كانت مسودة المقالة الاولى “لماذا انتصر جورج طرابيشي لابن خلدون؟” مملوءة بالملاحظات على هوامش المتن، كما كان يتساءل عن السر الذي جعل طرابيشي يكتب عن سبات العقل عوض عقل الجهاد. وفي صفحات أخرى وجدت فيما يشبه رؤوس أقلام تحديد الدلالات الاقتصادية والسياسية والتاريخية لبعض المفاهيم من بينها مفهوم “الجهاد” حيث يرى انه مفهوم مركب يجمع في كلمة واحدة بين اقتصاد الغنيمة والسياسة العقيدة أي ان “الجهاد” يقابل في واقع الفكر السياسي الاسلامي مفهوم “الاقتصاد السياسي الحربي” ولا مجال للدين في ذلك اطلاقا. وهو يلح على ان الجهاد الغنيمة كاقتصاد حربي هو الشكل السياسي لولادة الدولة العربية المحكومة بالموت الخلدوني. وبسخرية يشبهها بدودة القز التي تنتج الحرير فتموت لينجو الحرير في حين ان الدودة العربية بمنطقها الحربي تنتج التسلط والقهر فتموت لتعم الحرب و المجاعة والخراب. وفي نص اخر كما لوكان مجرد رسالة بعثها لاحد الاصدقاء حول مقالة عنونها ب “من الغزو الجاهلي الى الجهاد الاسلامي” يشير فيها الى ان المقالة تحتاج الى الكثير من البحث الجدي خاصة وانه يتحفظ حول ما كتبه الى ان يتمكن من قراءة مجموعة من الكتب من بينها كتاب “من الميسر الجاهلي الى الزكاة الاسلامية”. فهو يؤكد على ان هذ الكتاب يستحق عناء القراءة خاصة و انه قرأ لمؤلفه بعض النصوص العميقة جدا هنا وهناك على الانترنيت من ضمنها مقدمة الكتاب المذكور…

في الحقيقة لا أستطيع أن أجزم بشيء مما قرأته لان دفتر الرجل يحتاج الى نوع من صفاء الذهن.

هكذا أمضيت جزءا طويلا من الليل، كما لو كنت سارقة محترفة تسطو على أحد المنازل، و هي تفتش غرفه بتمرس هادئ. وعندما كانت الساعة تشير الى الثالثة صباحا نزل تعب النوم بكل ثقله على جفوني مما جعلني أغط في نوم عميق…