
المرأة من التَّبعيَّة إلى الفاعل المبدع:
انتهى عصر الجوارين عصر المرأة، عصر القوّة النّاعمة والسيطرة الدقيقة. حوَّاء، بلقيس، زنوبيا، عليسة، عبرنَّ برق التَّاريخ، لا بغرور، ولكن بقدرة على التّدبر والحيلة والذَّكاء. فرسم معالم التاريخ تشاركي تكون فيه المرأة شريكا إيجابيا. يميل الكثير من المفكرين إلى الاحتجاج على سيادة الهويّة الذكوريّة ويؤكدون على أنّ مسألة السّيادة ليست إلاّ مسألة إدراك للذّات، وإدراك الذّات يقتضي الوعي بأنّ للمرأة القدرة بأن تتّخذ موقعا فكريًّا ووجوديًّا يرفع كلّ القيود وتشعرها بأنّ الحريّة ليست تمثلا نظريًّا، بل هي بالفعل اختيار وقدرة على اتّخاذ القرار، هو وليد فكر منتظم. ووجود الاختيار والقدرة على الفعل دائما ما يكون داخل حدود ما ينظر إليه على أنَّه ممكن وقابل للتَّحقق نظرا إلى أنَّ معيار الحقيقة قابعة في فكر قديم يرجّح كفّة الرجل. ولهذا فإنّه من الضروري أن نعيد النظر في أصل التصنيف ودواعيه.
يشّد انتباهي وأنا بصدد التذكر، تذكر هذا الكوجيتو الديكارتي الّذي شدّ سماء الميتافيزيقا الحديثة إلى وتد الفكر، حتّى كاد يصبح نقطة أرخميدس. فبالفكر وحده يكتسب الانسان إنسانيته. فهذا الكوجيتو الذكوري، وهذه الأنانة الموغلة في برجها العاجي حكمت على كلّ ما هو أنثوي بأنّه عائق: الخيال والإحساس والجسد حتّى أقصى كلّ ما هو حسّي من مملكة الإنسان. وما يشدّ في هذا الكوجيتو حقّا هو أنّ الديكارتيّة وأبا الحداثة يستمدّ فكره عن جدارة من مدى توافقه مع تفترضه البنية الفكريّة عصرئذ، بمعنى أنّ هذا الكوجيتو الذكوري لمّا عرض على الملكة إليزيبت، وهي من تلميذات ديكارت وحين سألت أبا الحداثة عن الحداثة بقولها: ” كيف لك أن تنفي حضور الجسد وإدراكه للأشياء وأنت الّذي يجلس أمام المدفئة وأنت الّذي يكتب تأملاته أمام النافذة وينظر”، فكانت إجابة ديكارت: ” نعم، وأنّ الجسد موجود وعلاقته بالنّفس هي كعلاقة الربان بالسفينة”.
المصدر:
الفلسفة النّسويَّة، إشراف وتحرير: علي عبود المحمداوي، الرابطة العربيّة، تأليف مجموعة من الأكادميين، الأكادميّة للفلسفة، ص ص 29-30.