مقتطف من كتاب نظرية التَّأويل، الخطاب وفائض المعنى لبول ريكور

الاتّصال عند عالم اللُّغة واقعة صريحة، بل من أكثر الوقائع صراحة ووضوحا. فالنَّاس تتكلَّم حقًّا مع بعضها. لكنَّ الاتّصال في البحث الوجودي هو لغز من الألغاز، بل أعجوبة من الأعاجيب. لماذا؟ لأنَّ الوجود معا، الَّذي هو شرط وجوديٌّ لإمكان أيّ بنية حواريّة للخطاب، يبدو وكأنَّه طريقة في التَّعـدّي على العزلة العميقة المضروبة على أيّ وجود إنسانيّ والتَّغلُّب عليها. ولا أعني بالعزلة كوننا نشعر في الغالب بالاعتزال عن زحام مَّا، أو كوننا نعيش أو نموت فـُرادى، بل أعنى، بمعنى أكثر جذريَّة، أنَّ ما يجرّبه شخص مَّا لا يمكن نقله من حيث هو تجربة كاملة بعينه إلى شخص آخر سواه. تجربتي لا يمكن أبدا أن تصير مباشرة تجربتك.

والواقعة الَّتي تدور في خَـلَدِ إنسان لا يمكن أن تنتقل كما هي إلى خَلَدِ آخر. لكن هناك، مع ذلك، شيئا يعبر منّي إليك. شيء ينتقل من نطاق حياة إلى أخرى. وليس هذا “الشَّيء ما” هو التَّجربة، كما تمّ تجريبها، بل معناها. وهنا تكمن المعجزة. حيث تظلُّ التَّجربة، بما هي تجربة، وكما عيشت، أمرا شخصيًّا خاصًّا، لكن مغزاها ومعناها يصبحان عامّين، وعلى هذا النَّحو يصبح الاتّصال انتصارا على عدم إمكان نقل التَّجربة المعيشة كما عيشت.

يستحقُّ هذا الوجه الجديد لجدل الواقعة والمعنى شيئا من الاهتمام. وليست الواقعة هي التَّجربة كما عُــبِّـر عنها ونـُـقِـلت فقط، بل هي التَّبادل فيما بين الذَّوات نفسه، هي حدث الحوار. فالحوار واقعة تربط بين واقعتين، هما التَّكلُّم، والسَّماع. ومن خلال هذه الواقعة الحواريَّة يصير الفهم بوصفه معنى أمرا متجانسا.

المصدر:

بول ريكور، نظريَّة التَّأويل، الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 2006، ص ص43 ـ 44.