قراءة جورج طرابيشي= التَّثقيف والتَّغيير

أن يعيش الإنسان سيرورة تخلقه كمشروع وجودي في تمفصل رائع بين اللذة والألم، ويشهد عنف مخاضه مفتحة عيناه على حافة الموت، قاهرا رعب الخوف الذي يتصدع بقوة النور الوهاج لفرحة اختيار الولادة من جديد. ان يخرج الإنسان من القبو او الكهف المظلم الذي كان يعتقده الحياة بأفراحها وأتراحها، بصخبها وعنفوانها، او بتعبير أدق ان تمارس ردتك في الحياة وانت لا تسعى الى طي الصفحة لبداية صفحة جديد، بل ان تمزق دفتر العبودية وتقلب الطاولة على كل الاكراهات الوجودية التي تعلن هشاشتك وقدرك المزعوم. وتعلن بفخر واعتزاز اختيار ولادتك، وانت تتخلص من سيف ابتزاز الموت، لان العمر عمرك وعليك ان تختار ايضا موتك، وأن لا تكون جثتك عبء عليك، في ان يحنطوك بآيات من الذكر الحكيم، او يحرقوك بفرح الكفر والزندقة، فأنت لن تترك لصناع الموت لا هذه الفرصة ولا تلك، لأنك الان  تحترق بجنون الحياة في العطاء المفتوح، وانت تعانق احلام شجرة الامل في ان ترى شعبك والإنسان مقياس الاشياء، وانت تفتح قلبك و ذراعيك لاحتضان عشق شموس أخوية قادمة من بعيد. ان ترى نفسك وانت تزيح من على قبرك تراب  إرثك الثقيل، وتهشم التابوت العفن لشفرتك النفسية الاجتماعية الثقافية، وتترجل بجرأة صرخة الحياة المنبعثة من أعماقك واثقا من خطواتك على انك تغادر المقبرة الى المدينة، وانت تمارس عريك بنزع  اخر مزق الكفن، باثا رعب النشأة المستأنفة في عيون اشباح الموت الجاهلة بما تخبئه الحياة من طاقات وجودية كامنة في الاعماق في قهر الموت. ان تعيش كل هذا وأنت تتعلم كيف تكون وتصير، من خلال صداقة القراءة فذلك أمر يصعب  تصديقه على الذي لا يزال أسير تابوت قبره اللعين، غارقا في معجزات سبات العقل.

الصداقة الادبية او الفكرية او الفلسفية…التي تحررك من أسر المقبرة وانت حي على الارض في صورة بئيسة اقرب الى القول – كل دابة على الارض…- هذه الصداقة تستحق الوفاء والاعتراف بالجميل.

أستاذي المحترم جورج طرابيشي واحد من أصدقائي الذين انا مدين لهم بالكثير. لقد رافقته منذ صدور الجزء الاول من مشروعه النقدي. كنت اعرف الرجل من خلال مقالات هنا او هناك، خاصة في النقد الروائي، وهي تتميز بالكثير من الجرأة والوضوح والقدرة على التحليل النقدي، لذلك عندما التقيته صدفة في شخص جزئه الاول نظرية العقل في احدى المكتبات بمراكش قبالة ساحة جامع الفنا، سلمت عليه بحرارة وأنا احاوره من صفحة لأخرى، لان توقيعه نقد نقد العقل العربي أيقظ في دواخلي الملتبسة بظلال الاسئلة الحارقة التي خلفتها صداقتي الممتعة و القلقة بإيديولوجية السؤال النقدي مع محمد عابد الجابري، الكثير من المواجع المعرفية. هكذا بإصرار عنيد رغم البلاء والشدة التي كانت تزمجر في جيوب سروالي لم أغادر المكتبة إلا ونحن صديقين يدا في يد. قرأت الكتاب مرتين ووجدت نفسي مضطرا لإعادة قراءة الجابري، بل كنت احاول ما استطعت البحث عن المصادر والمراجع التي اعتمدها الصديقين، وهكذا ورطني طرابيشي في دوامة اسئلة لا تنتهي. وسرني ان أقرأ لهذا الناقد الموسوعي وانا اتعلم منه الصبر في بناء الذات والمثابرة والجهد الدؤوب. وغالبا ما كنت أسأل نفسي كيف أمكن لطرابيشي أن يقرأ هذا الكم الهائل من المصادر والمراجع…؟ ولم أكن أشك اطلاقا في عمل الرجل كما زعم بعضهم، لان التماسك المنهجي للفكر النقدي الذي يؤطر مضامين استراتيجية الكتابة عنده في التفكيك و التحليل والتركيب كان مؤسسا بطريقة علمية معرفية ونقدية. وما يعجبني في طرابيشي أنه بعيد عن الوثوقية في خلفيته المعرفية  وفي نظرته النقدية، حيث لا يتعالى عن النقد، بل يطلبه بإلحاح فهو غالبا ما يعول على الحس النقدي لدى القارئ. وكثيرا ما كان يفاجئ قارئه بممارسة النقد الذاتي والتواضع العلمي وهذا ما فعله في كتاباته الى اخر نص كتبه ست مراحل في حياتي.

ومع السنوات استمرت صداقتنا مجلدا بعد اخر الى ان اكتمل مشروعه النقدي بـ “من إسلام القران الى إسلام الحديث”.

واذا كان هو قد تغير كما قال عندما قرأ تكوين العقل العربي، وخاصة عندما تحمل مسؤولية نقد نقد العقل العربي، فإن مشروعه النقدي جعلني اقول بصدق بان صداقتي مع طرابيشي ثقفتني وغيرتني، لسبب بسيط هو انه لم تغلق ابواب الاسئلة في وجهي. اما عندما قرأت المعجزة او سبات العقل في الإسلام ثم المجلد الاخير من إسلام القران الى إسلام الحديث فقد شعرت بالكثير من الفرح وأنا أتخلص من جلدي القديم المثقل بخرافات الثوابت والقيم الاصيلة لهوية الجهل المقدس. لقد وضعني وجها لوجه مع بيوغرافيتي الثقافية ألاجتماعية الموغلة في القدم في الزمن التاريخي، و المثقلة بأعباء سبات العقل. بعد أن عرى طرابيشي شفرتي الوراثية النفسية الاجتماعية الثقافية، رأيت هويتي جثة علمانية بعقل قروسطي تترنح كأعجاز نخل خاوية. وهنا عرفت بأن الامية والتخلف وخاصة الجهل المقدس يلعب لعبته القذرة، وهو يزرع الرعب والخوف من تعلم وممارسة المقاربات والمنهجيات الحديثة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، في فهم وقراءة وتأويل أو مساءلة النص الديني، وأيضا في نقد الجهل المقدس، المتمثل في الكثير مما يسمي نفسه بالفكر الديني الذي يسيج نفسه إلهيا خوفا من انكشاف حقيقته كاجتهاد بشري لا أقل ولا اكثر حارما الاخرين من حق الاجتهاد الذي يتطلبه ويحث ويلح عليه مقدس النص الديني.

أن تصاحب طرابيشي والجابري وأركون ونصر حامد أبوزيد وادوارد سعيد وعبد الرحمن منيف وغسان كنفاني وحسين مروة ومهدي عامل ومحمود درويش وهشام شرابي …فذلك يعني ليس فقط ان توسع و تعمق معرفتك وثقافتك وتنفتح افاق الاسئلة في عيونك بسعة الحلم، وانت تتغير كل يوم باستمرار، بل ايضا ان تدرك سر القصيدة في انتصارها للحياة ضد الموت. “هزمتك يا موت الفنون”.