
نروم في هذه المقالة أن نتطرق إلى فلسفة العصور الوسطى في أوروبّا ، و هي فلسفة سميت بالمدرسيّة ، فما المقصود بهذه الفلسفة؟ و ما هي أهم مراحلها؟ و من هم أبرز شخصياتها؟ و هل حقّاً عرفت العصور الوسطى ازدهاراً فلسفياً مثلته المدرسيّة؟ ألم تكن تلك القرون قرون ظلمات و جهل؟ هذه الأسئلة و غيرها سنحاول الإجابة عنها في هذه المقالة .
إن المقصود بالفلسفة المدرسيّة تلك الفلسفة الّتي كانت تُعلّم في العصر الوسيط داخل المدارس و الأديرة . فكان لفظ المدْرسيّ Scholasticus يطلق على كلّ من يُدَرّس في المدارس أو على كلّ من حصّل جميع المعارف الّتي كانت تُدرس في تلك العصور الوسطى [1] .
و يعدُّ القديس أوغسطين ، الّذي كان أفلاطونياً ، من الآباء المؤسسين للفلسفة المسيحيّة ، فهو من أنشأ الأفلاطونيّة المسيحيّة الّتي أثرت على الفكر المسيحيّ لقرون طويلة . والفلسفة المدرسيّة التي نشأت بشكل رسميّ في عهد شارلمان ، معاصر هارون الرشيد ، اعتمدت كثيراً على فلسفة أوغسطين . لكن بجانب أوغسطين اعتمدت أيضاً على بُويس مترجم المنطق الأرسطي و ديونيسيوس الأسقف السوري [2] . كما يرجع الفضل الأكبر في تنظيم هذه المدارس إلى شخصيتين مهمتين هما شخصيّة ألقوينوس الّذي توفي سنة 806 ميلايّة ، ثم شخصيّة رابان ماور [3] .
و قد بدأت المدرسيّة بين القرن التّاسع إلى القرن الثاني عشر ميلاديّة ، فهذه القرون الثلاثة تعد القرون التأسيسيّة للفلسفة المدرسيّة . و الحقّ أن أهم القرون في هذه المرحلة هي القرون الثلاثة التالية : القرن التّاسع و القرن الحادي عشر و القرن الثاني عشر . لأن القرن التّاسع هو قرن تكاثر المدرسيّة ، و القرنين الحادي عشر و الثاني عشر هما قرنا استئناف النّشاط العلمي بعد أن عرف توقفاً و ركوداً طيلة القرن العاشر [4]. و امتازت مدرسيّة تلك القرون بجعل الدّين و الفلسفة شيئاً واحداً لا تعارض بينهما . كذلك امتازت بمناقشة مشكلة الكلّيات من حيث أن لها وجوداً في الخارج أو ليس لها هذا الوجود و إنّما هي فقط مجرّد أسماء . و من فلاسفة هذه المرحلة نجد : جون سكوت أريجين الّذي عاصر فيلسوف العرب الكندي ، و نجد أيضاً القديس أنسلم و أبيلارد [5] .
و يعدُ القرن 13 ميلادي عصر ازدهار الفلسفة المدرسيّة ، فهذا القرن عرف نهضة شاملة على جميع الأصعدة : تجارة ، فنون ، تعليم ..إلخ . فكان أن ازداد عدد المدارس ، و بالتّالي ظهر عدد كبير من اللاّهوتيّين . و في هذه المرحلة اتصل الغرب المسيحيّ بالعالم العربيّ الإسلاميّ ، فتم نقل الكتب العربيّة و العبريّة إلى اللاّتينيّة . و تمت مراجعة التّرجمات بعد أن انتبه المدرسيون إلى مساوئ التّرجمات الّتي بين أيديهم فحاولوا أن يترجموا من اليونانيّة رأساً [6] ، و هكذا شرع البحث عن الأصل الأرسطيّ لإعادة فهمه بعيداً عن أي تأويل أجنبي له ، خاصة التأويل الإسلامي الرشدي . و في هذه المرحلة ظهر توما الأكويني الّذي أنشأ الأرسطوطاليّة المسيحيّة الّتي عارض من خلالها مذهب الأفلاطونيّة المسيحيّة التي جاء بها القديس أوغسطين [7] . و تميز هذا العصر بالخصومات الفلسفيّة بين الأرستطاليّين و الرشديّين ، ثمّ بين التّوماويّين و أتباع اسكوت ثم الأوكاميين . و تميز أيضاً بالنّزاع الّذي قام حول التّفرقة بين العقل و النّقل ، و نصيب كلّ منهما في المعرفة ، و أخيراً ، امتاز بظهور مشكلة اللّفظيّين والاسميّين في أهم صورها. وتجب الإشارة هنا إلى أنّه في هذه المرحلة انفصلت بعض المدارس عن السّلطة الأسقفيّة ، و استقلت بشئونها العلميّة و الإداريّة فكانت منها الجامعات [8]. ومن الشخصيات والتّيارات البارزة في هذه المرحلة نجد : القديس توما الأكويني، ودنس اسكوت وألبير الكبير و التّماويّين و الرشديّين.
أمّا القرنان 14 و 15 الميلاديان ، فامتازا بالنّزاع الشديد بين أصحاب التّوجه اللّفظي وأصحاب التّوجه الواقعيّ ، أي النزاع حول مشكلة الكليات . و امتاز أيضاً بازدياد الاعتماد على المشاهدة والتّجربة، وقد ازدهر التّصوف المسيحيّ بشكل بارز في هذا العصر. ومن الشخصيات المهمة في هذين القرنين نجد : وليم الأوكامي ، نيقولا دورم ، السيد إكهرت [9].
فإذاً هناك ثلاثة أقسام أو مراحل رئيسيّة للفلسفة المدرسيّة، تمتد هذه المراحل من القرن التّاسع إلى القرن الخامس عشر . لكن هناك من يضيف مراحل أخرى حديثة ، هذه المراحل هي: أولاً، مرحلة القرنين السّادس عشر والسّابع عشر الّتي ظهرت فيها المدرسيّة الباروكيّة في إسبانيا ، و كانت هذه المدرسيّة صوفيّة ، بحيث ظهر عدد كبير من المتصوّفين الاسبان مثل : القديسة تريزة الآيليّة، والقديس يوحنا الصليبي، وفرانشكو سوارس. أمّا المرحلة الثانيّة، فتبدأ في العام 1877 حين أصدر ليون الثالث عشر منشوراً بابوياً جعل فيه الفلسفة التّوماويّة هي الفلسفة الرسميّة للمسيحيّين. فقامت حركة تهدف إلى التّوفيق بين التّوماويّة والفلسفة الحديثة. ومن بين أهم شخصيات هذه المرحلة الّتي تسمى بالمدرسيّة المحدثة نجد : ألدو جيملّي، الكردينال مرسييه، جاك ماريتان وغيرهم [10].
في الختام ، دائماً ما كنا نسمع و نقرأ أن العصر الوسيط كان عصر ظلمات و عصر جهل. غير أننا بيّنا في هذا المقال أنه شهد حركة فلسفيّة مهمة و هي حركة الفلسفة المدرسيّة . لذلك فالواقع أن الجهل في هذا العصر لم يكن مقصوداً بذاته ، و إنّما كانت هناك عوامل خارجيّة، سياسيّة بالخصوص ، ساهمت فيه ، و من بين هذه العوامل نذكر هجمات البرابرة و سيطرة العرب المسلمون على جزء من أوروبّا ، فضلاً عن تهديدهم المستمر بفتح أراض جديدة . صحيح أنه ليس من الخطأ أن نصف هذه القرون بأنّها مظلمة ، خصوصاً إذا ما قورنت بعصر الأنوار أو بعصر الفلسفة اليونانية ، أي إذا ما قورنت بما جاء قبلها و ما أتى بعدها [11]، إلا أنّه من الصحيح أيضاً أنه لا يمكن تفسير مذاهب الفلسفة الحديثة و لا فهم مصطلحاتها دون الرّجوع إلى الفلسفة المدرسيّة . و بقي أن نقول أن أهم خاصيّة مميزة للفلسفة المدرسيّة عن غيرها من الفلسفات أنّها فلسفة مسيحيّة ، أي فلسفة دينيّة . لأن الحركة المدرسيّة ، كما يقول برتراند راسل ، كانت نتائجها محددة مقدماً ، فلا بد لها أن تعمل في حدود التّعاليم الأصليّة للدين [12] .
هوامش :
1 ـ عبد الرحمن بدوي ، فلسفة العصور الوسطى ، و كالة المطبوعات ـ دار القلم ، ط : 3 ، ص : 43
2 ـ يوسف كرم ، تاريخ الفلسفة الأوربيّة في العصر الوسيط ، دار الكاتب المصري ، ط : 1 ، ص : 1 .
3 ـ بدوي ، مرجع سابق ، ص : 43
4 ـ يوسف كرم ، مرجع سابق ، ص : 2
5 ـ بدوي ، مرجع سابق ، ص : 44
6 ـ يوسف كرم ، مرجع سابق ، ص : 3
7 ـ نفسه
8 ـ نفسه ، ص : 3
9 ـ بدوي ، مرجع سابق ، ص : 44
10 ـ نفسه ، ص : 45
11 ـ برتراند راسل ، حكمة الغرب ، الجزء الأوّل ، سلسلة عالم المعرفة ، العدد : 364 ، ص : 244
12 ـ راسل ، نفسه ، ص : 263