الآن هنا …في راهنية مهدي عامل1/2

لم يكن من السهل علي ان اكتب عن مهدي عامل، لانه لايقبل بهذا الشكل السائد من التفكير البديهي الشائع  حول الكتابة كتمرين انشائي خال من اي حس، او وعي بجسامة المسؤولية، كممارسة  اجتماعية تاريخية لها خلفيات ايديولوجية سياسية ، أي انها تجد نفسها بشكل او بآخر منخرطة في سيرورة احد مظاهر الصراع الاجتماعي السياسي السائد في المجتمع. ان تكتب عن مهدي عامل، يعني ان تفكر معه او ضده، وفي كلتا الحالتين فأنت لا تنتج التماثل والتكرار، لان منطق فكر مهدي يلزمك بإنتاج كتابة الاختلاف. وفي هذا تكمن راهنية فكره، لأنه ليس فكرا متكونا او ناجزا، كما ليس حقيقة مطلقة و نهائية. بهذا الفهم و الاستيعاب لفكره المتضمن لسيرورة النقد والتجاوز يواصل مهدي عامل حضوره الحي  كممارسة فكرية وسياسية فاعلة في صيرورة الحركة التاريخية الخاصة بمجتمعاتنا العربية والإسلامية، وفي ما يحدث ايضا في السياقات المهيمنة عالميا، أي في اطار ما سماه العلاقة الكولونيالية.

راهنية مهدي عامل وقوة حضور فكره الحي ليست في ما هو معلب وميت في فكره، ولا فقط في المخاطرة النظرية التي مارسها بفرح لا يخلو من وجع و ألم الكتابة، بل في انتصاره كمعرفة وفكر وممارسة سياسية على مفهوم الموت الكامن في الوعي المتخلف، و الممارسة السياسية البشعة للصراع الفكري السياسي، كاغتيال انساني و فكري و سياسي، من قبل ممارسة طائفية سياسية لا تدرك اطلاقا العمق الفكري والسياسي لما انجزه مهدي عامل نظريا وسياسيا وانسانيا.

ان ما يحدث اليوم في المنطقة العربية والإسلامية وعلى المستوى العالمي من تحولات وازمات اقتصادية و مالية وسياسية واجتماعية وايكولوجيىة  وثقافية، الى جانب حروب بشعة في حق الانسانية بمظاهر عنصرية وفاشية ارهابية طائفية، سواء كحروب طائفية اهلية او كحروب استعمارية ضد الارهاب في لعبة مكشوفة لاعادة إنتاج السيطرة والهيمنة في التأبيد للاستبداد والعلاقة الكولونيالية ضد حركة تاريخ الشعوب في عيش التغيير، نعم ان ما يحدث اليوم يؤكد بالملموس راهنية مهدي عامل بحيث لا يمكننا فهم الكثير من التناقضات والالتباسات ومختلف اشكال الصراع الاقتصادي والايديولوجي والسياسي دون الاستعانة بشكل او باخر بمنطلقات فكره والية تفكيره في إنتاج المعرفة القادرة على ممارسة التملك المعرفي السياسي للواقع الحي .

1 القدرة على التفكير النقدي

يمكن ان اجازف منذ البداية في القول، وبنوع من التحدي البعيد عن منطق المعجزة، ان فهم ومقاربة ما يحدث اليوم لا يمكن ان يتم بدون الحضور القوي والفاعل لفكر مهدي عامل كسؤال نقدي قادر على حد تعبير محمد دكروب على تحريك العقل وتفتيح العيون، ليس فقط في الصراع الفكري والسياسي مع الخصم، بل ايضا في الحذر المنهجي والمعرفي والسياسي من الانزلاق الى الخلفية الايديولوجية نفسها التي يخاض الصراع ضدها. ” ان على الفكر الماركسي ان ينتج اختلافه في إنتاجه المعرفة التي ينتج، وان عليه ان يعيد إنتاج اختلافه كلما كان عليه ان ينتج معرفة. انه اذن سيرورة إنتاج مستمر. كالثورة تقضي في سيرورتها المستمرة، بإنتاج معرفة سيرورتها إنتاجا مستمرا. لذا وجب النقد أيضا مستمرا.” في هذا العمق الفكري لعلم النقد يتجلى بوضوح ما اقصده براهنية مهدي عامل التي لا يمكن تجاوزها، لانها ببساطة سيرورة إنتاج مستمر.  وليس في هذا من تناقض في شكل القول بقدر ما تعلن صراحة رفضها ونقدها للمتكون الجاهز او لطمأنينة الفكر في الانغلاق داخل بديهيات ومسلمات وحقائق ثابتة، وطموحها الدائم الى تجاوز نفسها باستمرار لإنتاج معرفة بالواقع الذي لا يكف عن التغير والتغيير. اذن مهدي عامل ليس مجرد مقدمات نظرية جاهزة او فكرا معلبا بقداسة الخلفية الفلسفية والايديولوجية او ما شاكل ذلك من ادعاء الحقيقة العلمية. صحيح أننا نجد الكثير من هذا القبيل في كتب مهدي عامل، لكن لا ينبغي ان تقرأ بمعزل عن ألم ومعاناة السؤال النقدي الذي كان يؤرقه بشراسة لا ترحم قلقه الفكري الذي لا يعرف الراحة و الاستقرار. لهذا يمكن القول بان مهدي عامل لم ينتج كتبا جاهزة للتلقين والحفظ ولا اجابات  مانعة جامعة شاملة بقدر ما فتح ورشة التأسيس لسيرورة السؤال النقدي في الفكر والثقافة العربية وفي الممارسة السياسية المستقلة للشعوب في صراع سياسي يتمفصل فيه الوطني بالطبقي. ومن هذه الزاوية يمكن التعامل مع المشروع النقدي الذي انتجه، الشيء الذي يجعلنا في غنى عن طرح الاسئلة الساذجة حول نهاية وموت فكر مهدي عامل، او الاستحضار النمطي لذكرى اغتياله بشكل لا يخلو من وقاحة مبطنة في قول : ” ماذا تبقى من مهدي عامل؟” او ” ماذا كان سيقول مهدي عامل بعد كل ما حدث من هزائم و انتكاسات…؟ ”

بهذا الفهم للسؤال النقدي الذي حاول مهدي عامل تأسيسه، و الذي نعتبره جديرا بالنقاش والحوار ومواصلة سيرورة إنتاجه، نفهم حاجتنا الماسة الى تفعيل هذا الوعي بالحضور الحي الان هنا  لمهدي عامل، خاصة وان المنطقة العربية والإسلامية والعالمية تلتهب بالكثير من المشكلات والاشكالات التي كانت وراء الإنتاج الفكري الذي خلفه مهدي عامل، بما في ذلك نقده الصارم للفكر اليومي الذي تناسل بصورة مخيفة، ليس فقط من طرف أعداء الشعوب وثوراتها، بل ايضا من قبل الكثير من الاقلام التي لم تأخذ الدرس النقدي لمهدي عامل بكامل الجدية المعرفية والمسؤولية الفكرية والسياسية وهي تكرس من حيث لا تدري طروحات الايديولوجية البورجوازية في الصراع السياسي الذي يخاض بعنف الجرائم ضد الانسانية من طرف الانظمة الطائفية الاستبدادية بالتحالف مع القوى الاقليمية والامبريالية الدولية وبمباركة من مؤسسات المنتظم الدولي.

2 النقد وتحرير مكبوت النص والواقع

كتابات مهدي عامل لا تقبل بمتعة القراءة والترف الفكري لان استراتيجية الكتابة النقدية فيها تؤسس لجدلية القراءة في الممارسة،  أي  كما لو انها تتعمد ان تكون ناقصة غير مكتملة الا من خلال جهد وفعل القراءة كممارسة ايديولوجية في تعقيد المشكلات وبلورة المزيد من الاسئلة للقضاء على الكسل الفكري في إنتاج معرفة الواقع وتخطي ما يسيطر على سطح الكثير من الكتابات التكريسية للامر الواقع كما لو انه معطى طبيعي موضوعي لا دخل للأساس المادي لتناقضات الواقع الاجتماعي التاريخي في تحديد سيرورة اشكال صراعه الاقتصادي والايديولوجي والسياسي التي تعتمل في الية حركة تطوره الداخلي. بمعنى ان النقد عند مهدي عامل يأخذ موقعه في السيرورة الثورية لكشف مكبوت الواقع الحي الذي تحاول ممارسة ايديولوجية سياسية نقيضة اخفاءه من خلال تغييب  المستو ى الاقتصادي والسياسي للكل الاجتماعي باعطاء الهيمنة للمستوى الايديولوجي كاطار لحركة التاريخ ” ان تحرر الايديولوجي من السياسي هو الذي يقود الى تحرره من الاقتصادي ويجعل منه بالتالي المستوى المهيمن. وبتحرره المزدوج هذا يستحيل الايديولوجي اطارا اجتماعيا عاما فيه تجري حركة التاريخ وبه تنتظم. بل انه الاطار الثابت المترسخ المتكرر المتماثل الواحد الاوحد الذي فيه يجري التاريخ الى مستقر له.” وللاسف لانزال الى حدود اليوم نرى الكثير من الكتابات على صفحات مواقع الانترنيت التي تنتصر للفكر الطائفي وهي تتناول حروب الانظمة السياسية الطائفية في سوريا والعراق… بلغة الثقافة الايديولوجية الماضوية وهي تشوه حقيقة الثورات العربية بالتحليلات الثقافوية المسيجة بقدسية ثوابت الجذور التاريخية لتشكل المجتمعات العربية و الإسلامية في صورة فسيفساء عرقية واثنية ودينية ومذهبية طائفية… بعيدا عن الشروط المادية للواقع الراهن. ويمكن للقارئ أن يقرأ عددا لا يحصى من الكتابات نفسها التي قام مهدي عامل بنقدها ونقضها في اغلب كتبه مثلا في ” مدخل الى نقض الفكر الطائفي” او “في الدولة الطائفية” كما تناولها بالكثير من التحليل النقدي في كتابه “نقد الفكر اليومي” مثل عند ادونيس ، موسى وهبة، وعباس بيضون… وهذا الاخير نشرا مؤخرا مقالة ” مستقبل الإسلام “، في جريدة السفير وقد اعاد موقع الاوان نشرها على بوابته،  وهي مقالة لا تختلف في شيء عن كتاباته الثقافوية نفسها التي ناقشها مهدي عامل في “نقد الفكر اليومي” بعمق نقدي فكري وسياسي مبينا انتصارها للطائفية السياسية كنظام سياسي بورجوازي. وبعد الانتهاء من قراءة نص عباس بيضون ” مستقبل الإسلام” يبتسم مهدي عامل  براهنية  فيها الكثيرمن السخرية النقدية وهو يردد ” بمثل هذا الفكر يتجوهر التاريخ ويتجوهر الاجتماع ايضا، فلا يبقى سوى غرب يسيطر بالعنف وحده، وإسلام يقاوم، لان الإسلام وحده هو الرد على الغرب”.  وفي هذا السياق يمكن ان نشير الى مقالة منير الخطيب “السفح السلطوي للإشكالية الطائفية في سورية” او في الخلط بين الايديولوجي و السياسي لما كتبه غازي الصوراني ” البعد التاريخي للصراع الطائفي بين السُنَّة والشيعة “.  بالاضافة الى كتابات اخرى تقارب الثورات العربية والحروب الأهلية الطائفية بالمنظار الماضوي الايديولوجي الديني الطائفي، باحثة في ما تسميه جوهر الشرق التاريخي، الاثني المذهبي  الديني والحربي الطائفي… عن اجوبة تبرئ الانظمة السياسية في سوريا والعراق واليمن… ” تتم تبرئة البورجوازية  ونظامها من كل مسؤولية تاريخية سياسية عن تفتيت المجتمع وتمزيقه وفيه تغييب مسألة عجزها الطبقي عن توحيد المجتمع والدولة. المجتمع، في هذا الفهم للمسألة الطائفية، هو المسؤول عن تفككه بسببب من تعدد طوائفه  والمسؤول عن انهيار الكيان هو الكيان نفسه بسبب ايضا من تعدد طوائفه”. انها حقا كتابات تبرئ هذه الانظمة الاستبدادية الطائفية  من مسؤوليتها السياسية في الخراب والدمار والمجازر والتدمير شبه الكامل لشعوبها  ولأوطانها. ومن جملة هذه الكتابات ما قرأته لعبد الاله بلقزيز :” الربيع العربي :جردة حساب أولية” وهو نص منشور بمجلة المستقبل العربي عدد شهر ايار، ورغم كل ما في هذا النص من افكار قد تبدو تحليلية نقدية الا انها لا تتجاوز افق المعلومات السطحية التي يوفرها الاعلام اليومي الحدثي بامتياز كبير مما يبين عجز المثقف العربي عن تكوين تصور واضح حول حقيقة الصراع المعقد ليس بمنظور محلي يخص سوريا وحدها بل يشمل مستقبل كل الشعوب التي تفجر فيها الربيع العربي. والخطير في هذا النص  انه عاجز عن رؤية مسؤولية النظام في كل ما حدث ملمحا بطريقة  واضحة الى مسؤولية ما يسميه الفكر الطائفي ارثنا التاريخي الاجتماعي والديني  والثقافي المضاد للتغيير بشكل او باخر.

” ان تلك الظاهرة- الطائفية- لا تجد في ذاتها مبدأ تفسيرها وتفسير  بقائها واستمرار حضورها في البنية الحاضرة. انها بالعكس تماما تجد مبدأ هذا التفسير في حاضر هذه البنية وفي اليتها الداخلية الخاصة. انهم يفسرون الحاضر بالماضي ويسمون هذا تاريخا…افسر الماضي بالحاضر، وبالحاضر لا بالماضي افسر ايضا استمرار حضور الماضي فيه. اما التاريخ ، فشيء اخر غير التكرار في التماثل انه اختلاف. وفي اختلاف الحاضر يكتب تاريخ الماضي، وفيه ايضا، يصنع التاريخ مختلفا.”

وها نحن نرى اليوم ما قام به مهدي عامل من تفكيك للفكر والواقع العربي بوضوح اكبر سواء في انفتاح افق السؤال النقدي على اشكالية علاقة الفكر بالواقع وهو مدعو دائما الى تجاوز كل الفكر الجاهز المتكون نحو إنتاج الادوات النقدية والمفاهيم النظرية القادرة على التملك المعرفي لسيرورة الواقع او في نقده للممارسة الايديولوجية للبرجوازيات الكولونيالية بما في ذلك للكثير من طروحاتها الفكرية. فاليوم يتأكد بالملموس اهمية  الضرورة السياسية للوجود السياسي المستقل للشعوب حتى تستطيع بالفعل خوض غمار التغيير، كما يتأكد التحليل النقدي لمسألة العلاقة الكولونيالية، في اللجم السياسي او العسكري من قبل الامبريالية لحركة التطور الداخلي، كثورة مضادة في وجه اي تحول نوعي قد تعرفه مجتمعاتنا، دون ان ننسى الابداع المعرفي الكبير لمهدي عامل في تناوله للفكر الطائفي انطلاقا من تحديد مهدي مفاهيمه كإنتاج معرفي نظري في مقاربة الصراع السياسي بكل اشكاله المختلفة بدءا من تحديد مفهوم الطائفة كعلاقة سياسية مع تحديد الطائفية كنظام سياسي للبورجوازية الكولونيالية محررا بذلك مكبوت الواقع كصراع سياسي حقيقي لا علاقة له اطلاقا بالانقسامات السوسيولوجية  العمودية التي تعرفها اغلب المجتمعات في العالم على مستوى اللغة والعرق والدين والمذهب…  ومحررا ايضا مكبوت النص الطائفي الذي يخفي حقيقة الصراع السياسي اما بوعي منه او منزلقا من حيث لا يدري الى تربة الفكر الطائفي المولع بالتكرار والتماثل” من موقعه في تلك السيرورة الثورية ينطلق النقد ، ويلعب لعبة الصراع الفكري مكشوفة، السياسي هو الحقيقي، في هذا الصراع، كما في غيره. والسياسي هذا، بوضوح كلي، هو الكامن في هذا السؤال: أتغيير النظام السياسي الطائفي القائم، أم تأبيد له؟”  وهنا تكمن راهنية مهدي عامل في قراءة واقع سيرورة الحركة التاريخية لمجتمعاتنا اذ ان الامر لا يتعلق بالنظام السياسي الطائفي اللبناني فقط بل السؤال في صيرورته يشمل جميع الانظمة لانها طائفية بشكل او باخر في نظامها السياسي وايضا في مممارستها السياسية للصراع السياسي. والنقد في بعده النظري كممارسة ايديولوجية للصراع السياسي لا يقف عند هذا الحد من نقد ونقض الممارسة النظرية السياسية للفكر البورجوازي الطائفي وانما يتخطاه الى نقد فكر الموقع الثوري الذي يتورط  دون وعي منه في تكريس سيطرة الفكر الطائفي بتبني خلفيته النظرية ولغته وادواته النقدية، مما يجعله ضحية لاعادة إنتاج الوعي الطائفي

3 التناقض المأزقي بين الموقع النقدي، الثوري، والوعي الطائفي

لقد كتب الكثير حول الدور الخطير الذي قامت به الانظمة الاستبدادية في تجفيف ينابيع الفكر والثقافة والسياسية الى درجة جعلتنا نتكلم عن التصحر المعرفي والسياسي. وهذا ما يعقد سيرورة التحولات التي يعرفها تطور الحركة التاريخية الاجتماعية لمجتمعاتنا، ويزداد الامر تعقيدا في المنعطفات النوعية التاريخية لاي مرحلة انتقالية تنفتح على افق التغيير.  وفي هذه الاعاقة للسيرورة التاريخية يكمن مدى تجذر القوة المادية لفكر الثورة المضادة، كممارسة ايديولوجية تغيب السياسة والسياسي بالمعنى الاقرب الى الاغتيال، وهذا ما يعيد الوعي الشعبي إنتاجه في صراعه السياسي، لانه يعاني بصورة مزمنة من فقر الدم المعرفي والسياسي. الا انه ناذرا ماكتب شيء عن دور فكر الكثير من النخب المثقفة ليس فقط تلك التي تأخذ حصتها من غنيمة الاستبداد، بل ايضا تلك التي تعتبر نفسها ثورية، نقدية ومستقلة. وفي نقد مثل هذا الفكر الذي يكن عداء صريحا للسياسة ليس فقط بالعمل على تغييبها، بل ايضا في ترسيخ وعي شعبي سلبي بنوع من الرفض المطلق لكل ما هو سياسي، كتب مهدي عامل كتابا رائعا بين فيه خطورة ما يعيد إنتاجه هذا الفكر اليومي من وعي ايديولوجي يخدم الممارسة السياسية للبورجوازية الكولونيالية، أي انه يشوه الوعي الشعبي لحقيقة الصراع السياسي الدائر في داخل المجتمع. اذن فالمسؤولية الفكرية والسياسية لموت السياسة في مجتمعاتنا تعود في الاساس الى هذا التحالف السري بين مثل هذه النخب والاستبداد. والمسؤولية لاتنحصر فقط في نشر التصحر السياسي، بل تطال ايضا كل اشكال التفتيت والتمزق والحروب التي تعيشها المنطقة اليوم. لانه غالبا ما تخاض اليوم التحولات من موقع سيرورتها الثورية بوعي طائفي سياسي، كيف ما كان شكله الاثني او الديني او مذهبي…ولنا في الحروب التي تخاض اليوم في اليمن، العراق، سوريا…خير مثال على ممارسة التغيير بوعي طائفي سياسي، الشيء الذي يجعل من الصعب أو بالاحرى من المستحيل تحقيق التغيير في غياب السياسة، وبتعبير أدق الممارسة السياسية المعبرة عن الوجود السياسي المستقل للقوى الشعبية، أي تلك الممارسة النقيضة للوعي السياسي الطائفي الذي هو في حقيقته السياسية عبارة عن الممارسة الايديولوجية للبورجوازية  للصراع السياسي. بناء على هذا النقد للفكر الطائفي و اليومي الذي انجزه مهدي عامل نفهم حقيقة التفتيت والتمزق والحروب الاهلية، والارهاب. بمعنى ان المجهود النظري والنقدي والسياسي الذي قام به مهدي عامل يمثل استراتيجية ارشادية لتجاوز غموض و ضبابية الالتباسات الحاصلة في صيرورة التحولات التي تعيش هذه المجتمعات، أي فهم الارهاب و الوعي الطائفي السياسي القبلي والاثني والديني المذهبي المسيطر كشكل سياسي للصراع الدائرة على الارض وفي ساحة الفكر والثقافة والاعلام…مما يدل على نجاح الاطراف المحلية والاقليمية والدولية كقوى مضادة للتغيير في لجم حركة التغيير وتحريف مساراته، وذلك بعمل تلك الاطراف على تأبيد الحل الطائفي السياسي، وتكريس المأزق التناقضي لقوى التغيير بين موقعها الثوري ووعيها الطائفي.

لايمكن للتفكير مع أو ضد مهدي عامل ان يكون حاسما ونهائيا، لذلك تبقى الكتابة مفتوحة النهاية، بل تنفتح الكتابة نفسها بعد اعادة قراءتها على اسئلة نقدية ذاتية، في نوع من ضرورة موضوعية لاستئناف سيرورة الإنتاج باستمرار، وفي هذا يتمثل قلق الفكر البعيد عن الوثوقية و الحقائق اليقينية. هذا هو سر حضور ،الان هنا،  راهنية مهدي عامل التي تتجاوز موته واغتياله السياسي.