لا ترقص الخفافيش …

شيء ما في زخات المطر السائلة بعنف على زجاج نافذة القطار، يخترق جدار مكبوت الصمت الداخلي، وآلية الصد النفسي، ويتحول الى ألغام تفجر الاعماق أشلاء كالبركان النائم حين تغالبه قوة عنف هيجان النيران الملتهبة في جوفه العميق، والحارقة الى أقصى درجة ممكنة. هكذا انطلق حديث صديق الرجل، وهو شاب يطل على عقده الرابع:

لم أكن أعتقد بأن ذلك الاعلان البسيط في جريدة ورقية سيغير نمط حياتي بشكل رهيب وغير متوقع اطلاقا في ارقى اشكال الهلاوس والكوابيس. في البداية كان للاعلان افقا ربيعيا أشبه بالثورات العربية، نموذجيا الى ابعد الحدود في تمني الاحلام التي لا تشبع من الاحلام الوردية،  لا تذوي ولا ينال منها هجير فراغ الايام المحمومة وأنا معطل منبوذ ، متروك لهامش المدينة منفاي. ألملم خيالات احلام مسارات شهادتي الجامعية بألم الغدر في اغتصاب فرحة العمر ان أعيش انسانا. كان الاعلان واضحا بشأن مسابقة  في المسرح تنظمها وزارة الثقافة، وهي تفتح باب المشاركة واسعا لكل الفعاليات الفردية والجماعية، مع منح جوائز مالية مهمة  للفرجات المسرحية الثلاث الاولى. وبدافع الفوز بالجائزة المالية وجدت نفسي غارقا في تجربة من نوع المسرح الفردي، مستغلا في ذلك خبرتي وتجربتي التي اكتسبتها من خلال مشاركتي في انشطة الجمعيات الثقافية. سنوات وأنا أعيش فيها محنة الفراغ متناسيا أنني من أصحاب الشهادات العليا، متطفلا على الكثير من الحرف المهمشة في قطاعات مرمية على قارعة الطريق، منتقلا من انتقاد ومخاصمة الواقع الحي بالصراخ الاقرب الى الغثيان والقيء على أرضية الجامعة الى الاكتواء بلهيب سعير سعاره الوحشي وهو لا يكف عن تحويلنا الى بقايا بشر.

وفي تلك الدوخة الملعونة  لغرس التطبيع في النفس والوجدان، بما يفيد غسل الدماغ واستئصال الشجيرات العصبية للغضب والتمرد، جاء الاعلان ليخلق وهم فرحة الامل في الارتقاء الاجتماعي. فحولت غرفتي الى قاعة للتدريب المسرحي بكل ما تتطلبه الفرجة من مستلزمات فنية لا يمكن الاستغناء عنها. فبعد أن أحكم اغلاق باب الغرفة، أنسلخ عن نفسي متقمصا شخصياتي، حريصا على حسن التقمص والتشخيص وأنا أنتقل من حالة نفسية وجدانية الى اخرى مختلفة وغالبا متناقضة في كل شيء.

على خشبة المسرح أشجار صغيرة الحجم، ومجسمات لمصانع ينبعث منها دخان كثيف هو في حقيقته عبارة عن مجمر مستور مملوء بانواع من البخور. وملصقات لمواقع متباينة تحمل أسماء واضحة: الارض، الاقوياء، الجزر، الغابات.

فجأة أقفز بشكل نزق فيه الكثير من الانفعال والغضب، وأنا أتقمص دور الارض، وهي تصرخ في وجه المسؤولين عن انبعاث الغازات السامة:

وبحركات فيها الكثير من العنف والعجرفة مع النظرة الساخرة أتحرك الى الطرف المقابل لموقع الارض على خشبة غرفتي المسرحية

وبحركات سريعة تأخذ الارض موقعها و تصرخ  في وجه الاقوياء:

لم أكن أعرف ان هناك جمهورا خفيا صامتا يسترق النظر من ثقب مفتاح باب غرفتي المغلق. كانت امي مصدومة وخائفة، وهي واقفة وراء الباب، هكذا كانت  تتابع يوميا تمرني على حسن أداء الادوار بالشكل الذي يجعل مسرحيتي فرجة حقيقية. في الايام الاولى كانت حائرة ولا تحدث احدا من افراد الاسرة عن المسرحية التي كانت تشاهدها بعذابات الالم في اوقات معلومة تكون فيها الدار قد تخلصت من جميع افرادها الذي ذهبوا الى اماكن عملهم باستثناء أمي التي كانت توزع وقتها بين البيت وجارتنا المنقبة زوجة صاحب المحل البسيط للنجارة الشيخ سعيد النجار الذي حاول بكل جهده الذهني المترهل اقناعي على تعلم حرفة النجارة، لكن عوض ذلك استحكمت العداوة بيننا خاصة بعد فشله في استقطابي الى جماعته التي كانت تتناوب بين أعضائها اجتماعاتها الولائمية كل ليلة اثنين وخميس من منزل لاخر. في البداية وجدت صعوبة كبيرة في فهم كيف لانسان، شبه أمي وفاشل في مساره الدراسي حسب ما قاله لي، عندما ا كنت بائعا متجولا للفواكه، العم هشام بائع الخضر، الذي يذكر طفولة سعيد النجار، أن يتحول بين عشية وضحاها الى أمير جماعة تضم الفلاح والاستاذ والطبيب والحلاق…

لم تستطع أمي ان تبقى صامتة بعد أن اقتنعت ان ولدها مصاب بسحر أسود أو مس شيطاني، فقد أفقدها هذا صوابها وصارت عصبية إزاء أبسط المواقف. في الاوقات العادية كانت تشملني بنظرات فيها الكثير من الشفقة والتعاطف الزائد عن حده وأنا لا أعلم سر هذه الانفعالات الرهيبة التي كانت تخترقني وهي تنظر الي، او في تعاملها الحذر معي. لم تكن قادرة على مواصلة التستر عما كان يحدث في الغرفة اثناء خروجهم من المنزل. في البداية لم يعر ابي كلامها ادنى اهتمام، خاصة وهو يراني شابا متحمسا حيويا ونشيطا. لكن بعد ان ضغطت عليه لحضور العرض المسرحي الذي كنت فيه متألقا الى أبعد الحدود و قد تقمصت فيه الادوار المختلفة بكفاءة عالية في حسن اثقان الانتقال من حالة نفسية لاخرى متناقضة عنها كليا، حسب ما حكاه لي بعد ذلك بسنوات، الى درجة جعلته لا يقوى على تصديق ما يتفرج عليه، خصوصا ذلك الدخول والخروج من حالة نفسية لأخرى، ولهذا يستغرب كيف لم يخطر بباله هذا الذي يسمى ” المسرح”، كما أن الشيخ سعيد النجار وجدها فرصة مناسبة للانتقام وتأكيد تضلعه العميق “كعالم دين”. بعد ان شاوره أبي في الامر بإشارة من أمي وبنوع من التنسيق السري بينها وبين زوجة الشيخ اتفق الجميع بالاضافة الى أصدقاء الشيخ وهم ثلاثة رجال غلاظ، أشداء، يحسنون الافتراس، على تصيد فرصة العرض المسرحي في أحد المساءات. لان بعد نهاية كل عرض كنت أصاب بحالة من العياء الى درجة  أستسلم فيها للاسترخاء فيما يشبه الغيبوبة. في الوقت الذي كانوا ينتظرون فيه تلك اللحظة المناسبة للاسترخاء، حسب تقديرات الشيخ سعيد للهجوم علي لتقييدي بحبل متين قصد حملي الى ضريح الولي الصالح سيدي عبد السلام “مداوي الحماق”، كنت في حالة من التوحد الناذر مع كل دور أقوم به، وأنا أتحرك من موقع لاخر:

وبخفة حركة نصف دائرية وجدت نفسي في موقع الغابات

عند هذه اللحظة بدأت أشعر بنوع من الارهاق النفسي نتيجة التماهي العقلي والوجداني المطلق الذي كنت أعيشه موزعا بين عدة أدوار، فاستجمعت كل الغضب الداخلي و أنا أتحرك الى مقدمة الخشبة حيث الجمهور، و أنا أشير بيدي في اتجاه الباب وكأني أخاطب الزبانية الواقفين وراءه.

في هذه اللحظة ضغطت على زر التحكم عن بعد ليرتفع صوت مارسيل خليفة:

أجمل الأمهات التي… عينها لا تنامْ

تظل تراقبُ نجماً يحوم على جثة في الظلام…

لن نتراجع عن دمه المتقدّم في الأرض

لن نتراجع عن حُبِّنا للجبال التي شربت روحه

فاكتست شجراً جارياً نحوَ صيف الحقول.

صامدون هنا, (صامدون هنا) قرب هذا الدمار العظيم,

وفي يدِنا يلمعُ الرعب, في يدِنا. في القلبِ غصنُ الوفاء النضير.

صامدون هنا, (صامدون هنا) … باتجاه الجدار الأخير

و أنا مسترخ فوق الخشبة سمعت  نداء أمي مع طرق خفيف للباب، ما كدت أفتحه حتى هجموا علي جميعا، كما لو كانوا مجموعة من الخفافيش الهاربة من كهف مظلم، يسارعون لتقييدي، دون أن أفهم ما الذي يحدث، هكذا وجدت نفسي معتقلا، ساهرا في ضريح الولي الصالح، بدعوى تدين شعبي في اعتقاد  ان المريض الممسوس الذي ينال بركة الولي يستطيع حتما فك قيوده، وهذا دليل على الشفاء…

فجأة علت ضحكة الرجل الساخرة صديق الشاب، وهو يردد” لا ترقص الخفافيش على خشبة المسرح”،  و بالموازاة مع هذا فجر القطار صفيره الصارخ المخيف، فكان للصوتان معا وقع حاد في نفسي ، حتى أني رأيت في عيون الركاب الاخرين نفس الالم و الدهشة المتسائلة باستغراب لا يخلو من قلق السؤال الممتد في الاعماق حول سر هذا الاعتباط الذي جعل صباح ربيع أحلام هذا الشاب في الفوز في مسابقة مسرحية، ينقلب الى ليلة خريف جاف، وقاس في سموم برده اللعين…