قبل 27 سنة، انهار حائط برلين وظهرت عبارة «النظام العالمي الجديد» الذي انتظرنا طويلاً تحديد معالمه، لكن يبدو أنه انتهى قبل أن تكتمل عملية بناء أسسه، فضلاً عن أن يرتفع بناؤه ويصبح واضحاً للعيان.
يبدو أن ما عشناه في السنوات السبع والعشرين الأخيرة لم يكن إلا مرحلة انتقالية من دون هوية، سيطر عليها التخبط، وانتشرت خلالها المشاريع التبشيرية المتصارعة، من نهاية التاريخ عند الليبرالية إلى استعادة نظام الخلافة من جديد.
لقد دقّ انتخاب البليونير دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية المسمار الأخير في نعش النظام الموعود وأعلن بداية ما بعده، ومع أنّ الرئيس الجديد لن ينفّذ الكثير مما وعد به وتوعّد، مثلما لم ينفذ أوباما قبله جزءاً من وعوده، فإن مجرد انتخابه وضع، بالتأكيد، المسار الرئيسي الذي ميز توجهات الأحداث منذ سقوط حائط برلين.
فيم يتمثل هذا المسار؟ إنه ببساطة السعي المحموم لاستعادة اليوتوبيا الليبرالية في شكلها الخام الذي ظهرت فيه في القرن التاسع عشر، ليبرالية من دون عقد، تريد تحجيم الدولة إلى وظائفها الدنيا، بل منافستها في هذه الوظائف أيضاً، مثل خصخصة الأمن والدفاع (حوالى نصف القوات الأميركية التي شاركت في حرب العراق سنة 2003 كانت من المرتزقة)، وتقليص الخدمات الاجتماعية إلى أقصى حدّ ممكن، ورفع كلّ العوائق والحدود أمام تبادل السلع والبضائع وحركة رؤوس الأموال، وتضخيم الأقليات بكلّ أنواعها من العرقية إلى المثلية.
لقد اضطرت الليبرالية الخام إلى تعديل مواقفها يوم وجدت نفسها في منافسة ضارية ضدّ غريمتها الشيوعية. وظهرت أطروحة دولة الرفاه لتكون الوجه المقبول في هذه المعركة. لكن في السبعينات بدأت تنتشر توجهات ليبرالية متحررة من عملية التعديل هذه، تجسدت مع التاتشرية والريغانية، ومثلت مجازفة كبرى آنذاك، إلا أنها حققت نجاحاً باهراً في النهاية لأن الخصم الشيوعي كان قد دخل مرحلة الاحتضار.
لقد مثل سقوط حائط برلين انتصاراً لهذا التوجه وأدى إلى انتشار اقتصاد السوق المعولمة بعد نهاية الحرب الباردة، ونادراً ما انتبه الناس إلى أن جزءاً كبيراً من الشعب الأميركي كان من أكبر المتضررين منه، فقد انهارت كل الصناعات الأميركية وتحولت إلى البلدان الآسيوية ذات اليد العاملة الرخيصة. ونجح كلينتون ثم أوباما في إحداث ملايين من فرص العمل لتعويض العمال عن انهيار تلك الصناعات، لكنها انتقلت بهم من الوظائف الصناعية إلى قطاع الخدمات ذي الأجور المنخفضة والعقود الموقتة.
بيل كلينتون وباراك أوباما وهيلاري كلينتون كانوا يمثلون هذه الليبرالية المعولمة، ويكفي أن نعيد اليوم قراءة كتاب هيلاري «الخيارات الصعبة» (الصادر سنة 2014، في شكل برنامج انتخابي مبكر) كي نتأكد من أنّ برنامجها السياسي كان استمراراً لهذا التوجه في قالب ليّن أطلقت عليه عبارة «القوة الناعمة». وما حصل اليوم يشبه ما كان قد حصل في بداية الثمانينات: عندما يترأس أكبر دولة في العالم رجل مثالي فإن النتيجة تكون عكسية في النهاية، إذ تدفع إلى البحث عن الزعيم القوي الذي يتدارك الوضع ويعيد للأمة شعورها بالثقة. هكذا جاء ريغان بعد جيمي كارتر، وهكذا يجيء اليوم ترامب بعد أوباما. مع أنّ هذه المقارنة لها حدود، فريغان كان قد تولى تسيير إحدى الولايات الفيديرالية قبل الترشح للرئاسة، وفيها تعلم معنى الإدارة والتسيير، أما ترامب فسيصبح رئيس أكبر دولة في العالم من دون أية خبرة سياسية. وريغان كان يمثل توجهاً بدأته بريطانيا قبله بنجاح ويراهن على انهيار الشيوعية، أما ترامب فسيسير من دون هدي ولا يراهن على شيء واضح.
رهان ترامب الحقيقي لن يكون في الشرق الأوسط ولا حتى في مستقبل العلاقة مع روسيا. رهانه الحقيقي سيكون مع آسيا، وتخصيصاً الصين التي دمرت المصانع الأميركية وضخت بلايين الدولارات ودائع في المصارف الأميركية لتدفع أميركا إلى مزيد من الاستهلاك والاستدانة. لكن على عكس الاتحاد السوفياتي سابقاً، لا يبدو على الصين دلائل التراجع أو الإجهاد، أو مؤشرات إلى الضعف والانهيار. ولا تبدو في حالة تنبئ بخسارة المعركة الاقتصادية التي خاضتها ضدّ الغرب وبسلاحه. وفي النهاية، ستكون كلّ قضايا النظام العالمي ما بعد الجديد هامشية مقارنة بهذه القضية، وكل الصراعات ثانوية بالنظر إلى رغبة البليونير، الذي يتزعم موطن الليبرالية، في الحدّ من حرية التجارة كما يصرّ عليها (ويستفيد منها) الحزب الشيوعي الحاكم في الصين.
لقد انقلبت الأدوار، وليس هذا الانقلاب إلا بعضاً من المفارقة. فالناخب الأميركي راهن أيضاً على مستفيد من العولمة ليحاربها، فلم يعرف عن ترامب أنه استثمر يوماً في الصناعات الأميركية، بل كل استثماراته تندرج ضمن نشاطات المضاربة، في العقارات والبورصات والخدمات العالمية، فهو أيضاً الابن البارّ لليبرالية المعولمة وأكبر المستفيدين منها. وربما كان منطق الناخب الأميركي أنّ من يعرف البيت من الداخل هو الأقدر على هدمه. لكن ما هو البديل الذي سيبنيه ترامب؟ هنا موضع التوجس والخوف من المستقبل واستعادة ذكريات أليمة من التاريخ القريب، فعندما تعبّر الشعوب عما لا تريده وهي لا تعلم ما تريد فإنها تفتح الأبواب أمام أكبر الكوارث.
هكذا يبدأ النظام ما بعد الجديد بتناقضات جديدة، وسيستغرق بدوره فترة طويلة قبل أن تتضح معالمه الأساسية… أو لا تتضح.
عن جريدة الحياو