مفهوم الغير

إنَّ التَّباعد باعتباره خاصية مميزة للوجود – مع- الغير ، يلزم عنه أن “الموجود – هنا” يجد نفسه داخل وجود مشترك يومي تحت قبضة الغير . إن الموجود – هنا ، باعتباره وجودا فرديا خاصا، لا يكون مطابقا لذاته ،عندما يوجد على نمط الوجود مع الغير، لأن الآخرين أفرغوه من كينونته الخاصة . فإمكانيات الوجود اليومية للموجود هنا ، توجد تحت رحمة الغير. فالغير في هذه الحالة ليس أحدا متعينا ، بل على العكس من ذلك ، بإمكان أي كان أن يمثله ، فما يهم هو هذه الهيمنة الخفية التي يمارسها الغير على الوجود – هنا عندما يوجد مع الغير . فالذات نفسها عندما تنتمي إلى الغير تقوي بذلك من سلطته. إن ” الآخرين” ، الذين نسميهم بهذا الاسم لإخفاء أننا ننتمي إليهم بشكل أساسي، هم الذين يوجدون منذ الوهلة الأولى ، و في الغالب، في الحياة المشتركة على نمط ” الموجود – هنا“. في استعمالنا لوسائل النقل العمومية ، أو في استفادتنا من الخدمات الإعلامية ( قراءة الصحف مثلا)، نجد أن كل واحد منا يشبه الآخر. فهذا الوجود – المشترك يذيب كليا الموجود – هنا ، الذي هو وجودي الخاص، في نمط وجود الغير، بحيث يجعل الآخرين يختفون أكثر فأكثر و يفقدون ما يميزهم و ما ينفردون به . إن وضعية اللامبالاة و اللاتمييز التي يفرضها الوجود مع الغير، تسمح للضمير المبني للمجهول ” on” أن يطور خاصيته الديكتاتورية التي تميزه. إننا نتسلى ونلهو كما يتسلى ” الناس ” و يلهون ، ونقرأ الكتب و نشاهد الأفلام ، ونحكم على الأعمال الأدبية و الفنية كما يقرأ الناس ويشاهدون الأفلام و يحكمون على الأعمال الأدبية ، و ننعزل عن الحشود كما ينعزل الناس عنها ونعتبر فضيحة ما يعتبره الناس كذلك(…) يمكن أن نقول : لقد أريد هذا ، كما يمكن أن نقول لا أحد أراد هذا فيصبح كل واحد هو آخر، ولا أحد هو هو، إن المجهول الذي يجيب على سؤال من هو هذا الموجود – هنا ليس شخصا متعينا ، إنه لا أحد .”

********

مارتن هايدغر Martin Heidegger : “الوجود والزمن” Etre et Temps ، الترجمة الفرنسية لبويم دي ويلهانس، غاليمار، 1964، ص 158- 160.