
فارقنا أمس البروفيسور التونسي محمّد الطالبي عن سنّ ناهزت الـ96 عاما تاركا عشرات الكتب ومئات الدراسات حول تاريخ الإسلام وحضارته، يكفي أن نذكر منها “ليطمئنّ قلبي”..”عيال الله”..و”مرافعة من أجل إسلام معاصر”، و”مفكّر حرّ في الإسلام”.و”كونية القرآن”… وتاركا إنجازات جمّة منها مساهمته في تأسيس كلّية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة التونسية وريادته لقسم التاريخ فيها وعمادته لهذه الكلّية في فترتين متباعدتين وانخراطه في الحوار المسيحي/ الإسلامي طيلة عقود، ومناهضته لدكتاتورية بن علي والعمل على فضح الأساليب القمعية ضدّ البحث العلمي وحرّية النشر.
حينما انضمّ إلى المكافحين ضدّ الاستبداد كان محمّد الطالبي على مشارف السبعين من عمره وقد استكمل تقريبا مساره المهنيّ وصار من الأسماء الشهيرة في تونس وخارجها في عالم الدراسات الإسلامية خصوصا والدراسات التاريخية بشكل عامّ. جاء تنديده بما كانت تمارسه وزارة الداخلية في تونس بتوجيهات من رأس النظام زين العابدين بن علي صرخة اعتبر الكثيرون أنها تأخرت كثيرا إذ كان الرجل قريبا من دوائر النفوذ طيلة عهد بورقيبة ورئيسا للجنة الثقافية القومية في السنوات الأولى من حكم الدكتاتور الجديد، وهو منصب من أهمّ المناصب الثقافية في تونس. لكنّ المقال الذي نشره في مجلّة “جون أفريك” الصادرة في باريس وندّد فيه بممارسات الرقابة على الإصدارات الفكرية في تونس وعلى نشر الرسائل الجامعيةّ أثار ردود فعل متناقضة: فمن جهة رأى فيه البعض شبه انتفاضة على موظّف صغير في الداخلية كان يعمل على تضخيم شأنه بإبداء حماسة استثنائية في تأمين “الفكر” في تونس ضدّ “الخونجة” بمختلف أشكالها، وأنّ مستوى هذا الموظّف جعله يحشر ضمن “الخونجة” كلّ منشور وإن كان المشرف عليه أكاديميّ كبير محسوب على النظام اسمه محمد الطالبي، وحتى وإن كان كاتب المنشور أستاذة جامعية معروفة ببعدها عن التيارات الدينية ونقدها لها مثل الأستاذة آمال قرامي، والإشارة الى الموظف الصغير في الداخلية ونعته بأبشع النعوت مع تحاشي التهجم على النظام ورأسه فهم منه هؤلاء أن الطالبي لا يمكن له وهو في “أرذل العمر” أن يصبح “معارضا” جذريا للنظام..لكنّ ما حصل هو أنّ الشيخ المؤرّخ صار رمزا للمعارضة الجذرية خلال سنوات طويلة وتعرّض إلى مضايقات شتّى كان أهونها اتّهام بعض كتبة نظام بن علي له بأنّه انحرف بالإسلام..
محمد الطالبي لم يكن في حاجة إلى العمل السياسي ليفرض نفسه مرجعا لا غنى عنه في عدد من فروع المعرفة وخاصّة الفروع القريبة من المسألة الإسلامية بكلّ تعقيداتها..الأكيد أنّه لم يكن شبيها بأيّ من مدارس الإسلام السياسي ولا مقلّدا لأيّ منها، لا الشيعيّة ولا السنّية ولا الوهّابية ولا حتى المالكيّة..كان قرآنيّا ومحمّديا كما يقول يفزعه حدّ الاضطراب أن يكون الإسلام مرتبطا بالخرافة مهما كان اسمها، وأن تتكدّس فوق قراءة النصّ القرآني ركامات من الجهل المعمّم وأن يغيب التاريخ لتحلّ محلّه القراءة التمجيديّة ويصبح الإسلام رديفا للعنف والبربرية والتصفية على أساس مذهبيّ أو عرقيّ أحيانا.
كانت المحافظة على صورة نقيّة للإسلام من أهمّ قناعاته التي عمل على إبرازها وطالما اشتكى من سوء فهم الإسلام، سوء فهم أهله والداعين إليه، وسوء فهم المتعاطين معه في الدراسات. وبقدر ما لم يكن متسامحا في معارضته لنظام بن علي فإنّه لم يكن متسامحا مع من اعتبرهم تجاوزوا الخطوط الحمراء في تعاملهم النقدي مع النص القرآني، وكانت حملته ضدّ من سمّاهم “الانسلاخإسلاميين” أي المنسلخين عن الإسلام قسية في مستوى حملات التكفير التي شنّها عليهم رؤوس الإسلام السياسي أنفسهم.
ولا شكّ أنّ محاصرة النظام له ومحاصرة العديد من تلاميذه والتضييق عليهم في مسارهم الأكاديميّ جعل الرجل وهو يشاهد سقوط بن علي بهبّة شعبية في جانفي/يناير 2011 وإقبال الإعلام المرئيّ عليه بشكل غير مسبوق حتى صار نجما للبلاتوهات التي تخلط خلطا شنيعا بين ما هو فكريّ وبين ما هو سياسيّ بحثا لا عن الإفادة من فكر الرجل ومعرفته بل لطرح مسائل لا جدوى منها سوى رفع نِسب المشاهدة لأغراض سياسوية وأخرى مالية تتعلّق بالإشهار والاستشهار لا يسعى “المنشطون” من خلالها سوى للتندّر من رجل لا أحد منهم قرأ له كتابا ولا دراسة ممّا نشره طيلة سبعين عاما تقريبا من البحث الجادّ، واتّخاذه إمّا رأس حربة لتحقيق غايات سياسويّة أو إثارة الهزء منه بما لا يخدم إلا الإسلاميين “الجدّيين” الذين يستمسكون بالنصوص ويسخرون ممّن يقول لهم مثل الطالبي إنّ الإسلام لم يحرّم الخمر أو إنّه لا دليل على تحريم البغاء.
محمّد الطالبي الذي سنذكره دوما ليس هذا الذي راقته حكاية إقبال بعض القنوات عليه ليكون معبرها إلى مزيد الانتشار واستجلاب أموال المستشهرين، بل سنذكر دوما الجامعيّ والباحث الرصين الذي قضّى عمره باحثا منقّبا في التراث الإسلاميّ، وكان علما من أعلام الكشف عن نفائس الكتابات الإسلاميّة، وعلما من أعلام تثمين الإسهام المغاربي عموما والتونسي خصوصا في مجالات الفقه..ومحمد الطالبي الذي سيذكره التاريخ في أنصع صفحاته هو ذاك الذي لم يترك فرصة كي يحاور المسيحيين بكلّ ما يحملون من أفكار مسبقة عن الإسلام في إيمان حقيقيّ بأهمّية الحوار الأسلامي/ المسيحي دون أن يتنازل عن حقّه باعتباره مسلما في الردّ الموثّق عمّا اعتبره سوء فهم أو افتراءات على الإسلام..وهو الذي جعل عبارات مثل “اطمئنان القلب” أو أننا نحن البشر “عيال الله” عبارات تدقّ قلوب الناس من غير المختصّين تحضّهم على القراءة والبحث استكشافا للحقيقة واستغناء –مؤقّتا أو دائما- عن الذين يطرحون أنفسهم وسطاء عن الله ووكلاء عنه أو عن نصّه /المقدّس
فارقنا محمّد الطالبي بعد أن جاوز سنّ الـ95 قضاها محبّا للحياة مقبلا عليها بما تهبه من إمكانيات تحقيق الوجود تحقيقا قد نختلف في تجلّياته وأولوياته لكنّ إشاعة ما ينبغي أن يكون عليه الوجود من محبّة للحياة وتحريض عليها مقابل من يعملون على أن تكون الحياة صنو البؤس والتعاسة ورديف الكراهية والعنف، لهو من صميم الأمور.