
يملك العلم اصطلاحاً، كل ما من شأنه أن يجعل الفهم أشمل، وأوسع، وبالتالي فهو ليس إلا القدرة على الثقة في الذات، وقدرتها على فهم الموضوع، أو التعامل معه على الأقل دون شعور بالخوف، لذلك كان العلم وما يزال يرتبط بالانجاز الفردي، كنتاج فرد مميز، قدر ارتباطه بالانجاز الإنساني، باعتباره يمثل السلاح الحقيقي في مواجهة التحدي الذي فرضته الطبيعة، بكل ما فيها من تعقيدات، خارجية، ممثلة بالكون الكبير، وداخلية ممثلة بالذات ولغزها.
وفهم هذا العالم الكبير بامتداده الكوني، والعالم الصغير بنموذجه البشري، هو مهمة العلم بشقيه الطبيعي والإنساني. فكيف يمكننا أن نستقصي العلاقة بين الشقين؟ من الأسبق؟ متى انفصلا؟ هل هما أمر واحد من حيث المنهجية والإشكالات؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في بحثنا.
التَّداخل بين العلم الطَّبيعيّ والإنسانيّ:
من الناحية التاريخية، لا نستطيع أن نميز هذا الفصل الحاد، بين النظر للإنسان، والنظر إلى الطبيعة، فلم يكن باستطاعة الإنسان قديماً أن يفهم نفسه، إلا من خلال الطبيعة، وهذا ما نراه عند جل الفلاسفة اليونان الكبار ، بدءً من هيرقليطس، الذي طبق الصيرورة الكونية على المجتمعات، إلى أفلاطون، الذي تحدث عن التطور التاريخي، مؤكداً أن كل تغير اجتماعي، إمَّا أن يكون فساداً أو انحلالاً، أو تفسخاً، إذ يشكل هذا القانون الأساسي عنده، جزءاً من قانون كوني يتحكم في كل الأشياء المخلوقة، والمتولدة، على اعتبار أن القوى الفاعلة في التاريخ هي قوى كونية [1]، وإذا ما تغاضينا الطرف عن الجانب الميتافيزيقي من تصوره للكون، فإن قد نرى ترابط منهجي محكماً بين السماء والأرض – الإنسان، والمادة – الطبيعة – المجتمع، وما وراءهما من فعاليات للإنسان. بعبارة أخرى: إن كل علم، هو علاقة جدلية بين ذات وموضوع، فالذات لا تعرف الموضوعات، إلا من خلال فاعليتها الخاصة، ولكنها لا تتعلم معرفة ذاتها إلا بتأثيرها في الموضوعات، فالفيزياء علم الموضوع، ولكنها لا تصل إلى الموضوع إلا بواسطة البنيات المنطقية الرياضية الناتجة عن فاعليات الذات، وعلم الحياة هو علم الموضوع، ولكن الكائن الحي الذي يدرسه العالم بفضل الأدوات المستعارة جزئياً من الفيزياء الكيميائية، هو في الوقت نفسه، نقطة انطلاق لذات فاعلية ستفضي إلى الذات الإنسانية، كما يدرس علم النفس وعلوم الإنسان هذه الذات الإنسانية باستخدام تقنيات العلوم السابقة .[2]
ومن أهم ما يميز تطور العلم الحديث، هو عملية التمايز المتواصل التي تتم فيه، والتي ينجم عنها تكون فروع علمية جديدة، ولكن هذا لا يعني أنَّ عملية توزيع و تبعثر العلوم عملية فوضوية، فثمة علاقات متبادلة وترابط داخلي يشد كل العلوم بعضها إلى بعض، ويدخل في عملية التمايز صفة الترتيب والانتظام، وما دامت العلوم المختلفة تبحث جوانب معينة من العالم الموضوعي والمجتمع والوعي، فإن تطور العلم يفضي أيضاً إلى التقارب والتكامل بين فروعه المختلفة، ويحول المعرفة العلمية بمجملها، إلى كل مترابط منظم، إن عملية تمايز العلوم، تقابلها عملية تكاملها، ورؤية ترابطاتها الشاملة وتداخلها، ووحدتها .[3]
كانت الفلسفة تشمل كل العلوم، باعتبارها الوعاء الذي تصب فيه كل التساؤلات عن الكون، والإنسان، قبل تمايز العلوم وانفصالها عنها، لذلك فإن كل تقسيم سابق للعلوم، كان تقسيم ينبع من قلب الفلسفة، أي هو بشكل أو بآخر، تقسيم للفلسفة باتجاهاتها الطبيعية، والإنسانية لذلك فإنّ العلم بشقيه الطبيعي، والإنساني، ينتمي من الناحية الإبستمولوجية والمنهجية، لجذر مشترك، هو الفلسفة كأمّ للعلوم.
و في الفلسفة الحديثة بعد ديكارت، حاول نيوتن ولوك، فأكملا تنظيم العالم على أساس العلم التجريبي، فصاغ نيوتن صياغة رياضية، مجمل النظرة الآلية إلى الطبيعة، رافعاً لواء علم الطبيعة، كما بدأ لوك محاولة كشف حقيقة الإنسان والعلاقات الاجتماعية، ونقد التقاليد الاجتماعية والدينية باسم الحريات الدستورية، والحقوق، والتسامح، وسيادة العقل، فكان جهده أول لبنة في تأسيس علم الطبيعة الإنسانية، والمجتمع البشري .[4] وقبله، كان هوبز، أوَّل من نبه أن الإنسان جزء لا يتجزأ من النظام الطبيعي، عقلياً وجسدياً، لذلك كان يأمل في إقامة علم للطبيعة البشرية، بنفس المعنى الذي يفهم من الفيزياء البشرية، على أن يكون المجتمع الذي يستقي هذا العلم منه، هو ملاحظة الإنسان لعمليات الفكر التي تجري داخل عقله، وتحليلها .[5]
وأوَّل من بدأ بتصنيف العلوم في الفلسفة القديمة هو أرسطو، الَّذي قسَّم الفلسفة إلى عمليّة: وتشمل السياسة والاقتصاد وتدبير المنزل (يمكن إرجاعها إلى العلوم الإنسانية) – ونظرية: تشمل الطبيعيات والرياضيات والميتافيزيقا، بالإضافة إلى الفنّ الّذي يشمل الخطابة والشعر.
وفي العصر الحديث، أقام بيكون تصنيفه على أساس التفرقة بين ثلاث ملكات للإنسان هي: الذاكرة والتخيل والعقل، الأولى يناظرها علم التاريخ، والثانية يناظرها الأدب، والثالثة تناظرها الفلسفة، وهي العلم الذي يدرس الله والطبيعة والإنسان .[6]
كما قدم كونت أوّل تقسيم مفصل وشامل للعلوم: فقسمها إلى علوم نظرية، وعلوم تطبيقية أو عملية.
العلوم العمليّة: موضوعها تأثير الإنسان في الطبيعة، والعلمان الرئيسيان فيها هما: الصناعة (أي الهندسة بفروعها) والطب .
أمّا العلوم النَّظريَّة: فتقسم إلى مجردة وعينية، المجردة تهدف إلى كشف القوانين التي تتحكم في مختلف أنواع الظواهر، أمّا العينية، أو الوصفية، فمهمتها تنحصر في تطبيق هذه القوانين على التاريخ الفعلي لمختلف الكائنات الموجودة.
وبذلك إذا اعتبرنا علم الفلك مجرداً، فإن علم الكونيات (الكوسموجرافيا) الذي يدرس النجوم كلاً على حدة، هو عيني، وإذا اعتبرنا الفيزياء علماً مجرداً، فإن علم الأرصاد الجوية الذي يعتمد عليها، هو عيني، وإذا كان الفيزيولوجيا علماً مجرداً، فإن علم الحيوان أو النبات، الذي يدرس وجود الأجسام الحية، هو عيني. على اعتبار أن العلوم المجردة تبحث في القوانين العامة، والعينية تبحث في التصنيفات الجزئية.
ومن ذلك التقسيم، ميز كونت بين ستة علوم مجردة أساسية تبدأ بالرياضيات، ثم الفلك، ثم علم الطبيعة الذي يضم الفيزياء والميكانيك، ثم الكيمياء، ثم الأحياء، لينتهي بعلم الاجتماع، الذي اعتبره شاملاً على كل قوانين العلوم السابقة، على اعتبار أن الإنسان موضوعه – وهو كائن أرضي (فلك) – وجسم جامد موصل جيد أو رديء للحرارة والكهرباء (فيزياء) – ويتفحم أو يحترق، ويمكن أن تؤذيه الأحماض (كيمياء) – وكائن حي يهضم ويفرز (الأحياء) – وفضلاً عن ذلك هو إنسان، له مصيره الروحي.[7]
وقد جرى العرف منذ ذلك الحين على توصيف العلوم إلى العلوم الإنسانية التي تدرس الإنسان، والعلوم الطبيعية التي تدرس الطبيعة. ومنذ أن قال سقراط كلمته المشهورة (اعرف نفسك) أصبح التفكير بالإنسان، من المهام التي يوجه إليها الفيلسوف عنايته على الدوام، ومع ازدياد استقلالية العلم، وجدت فكرة وضع علوم إنسانية موازية للعلوم الطبيعية، وكثيراً ما كان تسمى هذه العلوم، بالعلوم الأخلاقية، حيث يقصد بالأخلاقي، العقلي مقابل المادي، وهذه العلوم على كثرتها تنقسم عادة من الناحية المنهجية إلى ثلاثة أقسام كبرى رئيسية:
علم النَّفس: الذي يدرس الإنسان من حيث هو كائن مفرد، و يبحث في أفعاله وأفكاره وعواطفه.
وعلم التاريخ: الذي يدرس ماضي البشر، والحوادث التي تتحكم فيه، والمنطق الذي يتكشف عنه خلال تطوره، ويهدف إلى دراسة الفرد بالنسبة إلى موقف تاريخي معين، وفهم هذا الموقف من خلال الإنسان ذاته.
وعلم الاجتماع: الذي يلتزم بمعالجة الأمور من خلال الجماعة، وهو غالباً ما يدع العنصر الفردي جانباً، لكي يدرس العنصر الاجتماعي، أي أوجه النشاط والأفعال البشرية من حيث أن لها بطبيعتها طابعاً غير فردي، وبالطبع، فإن كل علم من هذه العلوم، له فروع متعددة.[8]
ومن الناحية الإبستمولوجية، يمكن إرجاع العلوم الإنسانية إلى ثلاث مجموعات كبيرة هي:
- العلوم القانوني: وهي تطلق على العلوم التي تسعى لاستخراج قوانين، سواء أكانت بمعنى العلاقات التي يمكن التعبير عنها بتوابع رياضية، أو بمعنى العلاقات الترتيبية والوقائع العامة، وإن علم النفس العلمي، وعلم الاجتماع، والاثنولوجيا، وعلم اللغة، والاقتصاد، والسكان، تؤلف أمثلة للعلوم التي تتابع البحث عن القوانين، أي عن العلاقات العامة الضرورية الثابتة، والقابلة للتكرار في سياق تغير الزمن، حتى و إن كانت هذه القوانين، لا تنصب إلا على مسائل التكرار، أو توزيع الذبذبات وانتشارها احتمالياً، ولا غرابة أن يحتمل كل علم من هذه العلوم، بحوثاً تدور على ظواهر تنبسط بحسب البعد التطوري التاريخي، وهكذا يدرس علم اللغات، وعلم النفس، نمو السلوك، وهذا البعد يقرب هذه الفئة من فئة العلوم التاريخية.
- العلوم التاريخيّة للإنسان: وهي تتوخى إعادة تأليف انبساط كافة مظاهر الحياة الاجتماعية في مجرى الزمن، وفهم هذا الانبساط، سواء دار الأمر على حياة الأفراد، أو آثارهم، أو أفكارهم، وما يميز هذه الفئة عن التي سبقتها، هي التحديدات الناجمة عن التطور والنمو بوجوهه المتعددة، إذ أن الفئة الأولى ينصرف جهدها على استخراج قوانين معزولة عن العوامل التي تسمح بالحصول على هذه النتيجة قدر الإمكان، كما أنها تهمل الحالات الفريدة غير القابلة للتحديد.
- العلوم الحقوقية: وهي التي تبحث بمقولة الحق، وتحقيق ما ينبغي أن يكون، أي فرض عدد من الإلزامات والمزايا، التي تبقى قائمة وملزمة التقيد بها، حتى إذا لم تستخدم واقعياً، على عكس القانون الطبيعي، الذي يستند غالباً إلى حتمية سببية، أو توزيع اتفاقي احتمالي، بحيث أن قيمته من حيث الصدق، ترجع إلى اتفاقه مع الوقائع.[9]
والواقع أن ما يجمع هذه المجموعات من العلوم، هو أنها تنطلق غالباً من الأحكام المعيارية، ولتوضيح ذلك (بالمقارنة مع علوم الطبيعة)، يجب علينا التمييز بداية بين القوانين الطبيعية، كالجاذبية، وحركات الشمس، و تعاقب الفصول ….. من جهة. والقوانين المعيارية، أي قواعد الأوامر والنواهي، أو القواعد القانونية، أو الدستورية من جهة أخرى، فالقانون بالمعنى الأول يصف انتظاماً صارماً وثابتاً، وهو يحدث في الواقع، فإن حدث في الطبيعة يكون صادقاً، وإن لم يحدث، يكون كاذباً، وإذا لم نعرف أكان صادق أم كاذب، فإننا نطلق عليه اسم الفرض، ولأن قوانين الطبيعة غير قابلة للتغيير، فلا يمكن أن تنتهك، كونها خارج نطاق التحكم الإنساني، على الرغم من أنه قد يكون في إمكاننا أن نستخدمها لأغراض تقنية.
أما القوانين المعيارية، فتختلف تماماً، فهي تشريعاً كان أم قانوناً خلقياً، يمكن تفنيدها من قبل الإنسان، وهي أيضاً قابل للتغيير، فربما يوصف القانون بأنه صالح أو طالح، مقبول أو مرفوض، ويمكن أن يطلق عليه صادق أو كاذب، ولكن بمعنى مجازي وحسب، لأنه لا يصف واقعة، وإنما يضع توجهاً لسلوكنا، وإذا ما لاحظنا أي قانون معياري ذا أهمية، لوجدناه دائماً نتيجة تحكم إنساني، لأفعال وقرارات إنسانية، إنه عادة نتيجة قرار بإدخال جزاءات – لمعاقبة أو ردع من يخرق القانون.[10] كما أنّ القوانين المعيارية هي من صنع الإنسان، بمعنى أننا لا ينبغي أن نلوم أحداً عليها سوى أنفسنا، لا الطبيعة ولا الله، ومن مهمتنا أن نحسنها بقدر ما نستطيع، إذا تبين لنا أنها عرضة للاعتراض. دون أن يعني ذلك أنها صممت بوعي، بل أن المسؤولية حيالها تخصنا تماماً. وهذا بالضبط ما ندرسه عندما نتكلم عن السلوك، أو الاجتماع، أو التاريخ الإنساني، فالقيمة تبقى موجودة تجاه من ندرسه، حتى في أقصى درجات التجرد والحياد التي تحاولها، بشكل أو بآخر، تلك العلوم – لا سيما علم النفس، وبدرجة أقل علم الاجتماع -.
أمَّا بالنسبة للتاريخ، فيقترح (إدوارد كار) تضييقاً لهوة الخلاف بينه وبين العلوم الأخرى، أن نعمق فهمنا لاتفاق الهدف بين العلماء والمؤرخين، وفي محاولة تفسير الظواهر، سواء أكانت طبيعية، أم إنسانية، ورغم اختلاف منهج العلماء الطبيعيين عن الإنسانيين من حيث التفاصيل، فإنهم يتفقون جميعاً، على أن المنهج العلمي، يهدف أولاً وأخيراً على ربط الظواهر بقوانين، أو بعلاقات سببية، حتى يمكن فهمها، والانتفاع منها في التطبيق العلمي.[11]
وبالإطار العام، فإن ما يجمع العلوم الطبيعية بالإنسانية هو التصورات الكلية، التي تبقى مطلوبة في ميدان العلوم الطبيعية كما العلوم الإنسانية، فليس يكفي أن نجزئ الشيء ونحلله لنفهمه. وبهذا الصدد يقول بوانكاريه: “يخبرنا الفيزيولوجيون أن أعضاء الجسم مكونة من خلايا، ويضيف الكيميائيون أن الخلايا مكونة من ذرات، ولكن هل يعني ذلك أن هذه الذرات أو الخلايا تشكل الواقع؟ أو على الأقل الواقع الوحيد؟ أليست الكيفية التي تترابط بها هذه الخلايا في نسق واحد، والتي من خلالها تتحقق وحدة الفرد، هي أيضاً واقع أكثر أهمية من هذه العناصر المعروفة؟ وهل يعتقد العالم الطبيعي الذي يدرس الفيل بالميكروسكوب، أنه يعرف هذا الحيوان معرفة دقيقة وكافية؟ ” [12]. وهذا ما نعنيه عندما نتحدث عن الطبيعة الكلية للنفس والسلوك الإنساني، كفرد، أو كعضو في جماعة. وبعد الثورات التي عصفت بالعلوم الطبيعية، منذ القرن الثامن عشر، بدأت تظهر تصورات جديدة لعلوم الإنسان، فأخذ الناس جرياً على مثال الطريقة التي انبثقت في علم الفيزياء، يحاولون أولاً تحليل طبيعة الفرد البشري، ثم تطبيق المبادئ المستكشفة، على مشاكل الحياة الاقتصادية والسياسية والأخلاقية، ولذلك اشتمل علم الإنسان الجديد على فرعين:
فهناك أولاً البحث الأساسي في الطبيعة البشرية، الذي كان يتمثل في سلسلة طويلة من المؤلفات التي تتناول معارف الفرد البشري ودوافعه، وكانت الطريقة المستعملة في المؤلفات كلّها -باستثناء مؤلفات مونتسيكيو- هندسية و ميكانيكية الطابع. كذلك حاول رواد علم الاجتماع، تأسيس علم مجتمع استقرائي، هو علم الاجتماع، فسان سيمون، وفورييه، بحثا عن قانون نيوتوني للجاذبية، يمكن منه أن نستنتج جميع الظواهر الاجتماعية، وهو ما ظن فورييه أنه توصل إليه في كتابه “الفيزياء الاجتماعية”. كذلك سعى سبنسر، إلى الربط بين التصورات الاجتماعية، ونظرية التطور البيولوجية.[13] محاولاً في فلسفته الاجتماعية، أن يستنتج قوانين كل علم، من الفلك، إلى الاجتماع، والأخلاق، بالاعتماد على المبدأ الأساسي في التطور الميكانيكي، وبعبارة أخرى، حاول أن يقحم جميع الحقائق ضمن مجرى تطوري كوني واحد منسجم، ينمو فيه كل شيء من حالة بسيطة غير متميزة، إلى حالة عضوية بالغة الفردية.[14]
وبنفس السياق، وضع أوغست كونت، خطة واسعة لاجتماع الثابت والمتحرك، بما في ذلك قوانين الفعل ورد الفعل الاجتماعيين، وذهب في فلسفته الوضعية إلى أن علم الاجتماع يجب أن يقيم أسسه بوضوح على علم الحياة، فقال أنه لا بدّ لكل علم أن يتطور بشكل محدد، حتى يدرك القمة في المرحلة الوضعية، وفي علم موحد للمجتمع، له قوانين ثابتة في النمو، وعلى علم الاجتماع، الذي هو أرفع العلوم، أن يبحث عن اسمه في العلم الذي سبقه مباشرة، وهو علم الحياة، فقوانين علم الاجتماع هي الجزء المقابل لقوانين علم الحياة.[15] لذلك نجد أن عالم الاجتماع يقتبس من علم الحياة كثيراً من العناصر، منها تأثير الأرض، والإقليم، والعرق، في الأنواع الحية وتوزيعها على وجه الأرض، وتأثير الطبيعة على اختلاف البشر وعاداتهم وطبائعهم وسجاياهم، ومنها أحوال الجماعات الحيوانية، وعاداتها وتأثير أحوالها في تخصص وظائف أفرادها، ومقارنة ذلك كلّه، بأحوال الجماعات البشرية البدائية، ومنها فكرة التطور ، وإنّك لتجد اليوم على ألسنة علماء الاجتماع كثيراً من الاصطلاحات التي يستعملها علماء الحياة، كالتطور، والبنية، والنَّوع، والخليّة، والنمو، والوظيفة …. [16]
وفي علم النفس، نظم وليم جيمس، أصول التجريبية السيكولوجية في كتابه (مبادئ علم النفس). وبالرغم من أنه ظل يعتبر الوعي، شيئاً مغايراً عن الجسم، ومنفصلاً عنه، فإنه لم يره تركيباً ثابتاً ، بل تكيفاً وظيفياً متفقاً مع البيئة ، و كان يبحث بحثاً متصلاً عن أساس فيزيولوجي لجميع فعالياته، تلك الأبحاث، مهدت لعلم النفس التجريبي والسلوكي، ممَّا جعل واطسن فيما بعد، يخطو الخطو التي لا مناص منها، وهي نبذ الوعي نبذاً كلياً، والاعتماد على دراسة مخبرية موضوعية تامَّة للسلوك البشري.[17] وبالمقابل تناول التحليل النفسي سيكولوجيا اللاشعور، ولكن بالاعتماد على العلوم العصبية بشكل خاص عند فرويد، ومن ثم الإدماج بين الحتمية الميكانيكية، والتصورات الميثولوجية والاجتماعية للإنسان.
وبنظرة عامَّة، نجد أن تلك النظريات غالباً ما انطلقت من فكرة التماهي بين التصورات العقلية للفيزياء، من جهة، وتصورات علم النفس والاجتماع التحليلية عقلية الطابع من جهة أخرى، إذ ترى أنه لا يختلف حديثنا عن الذرة مثلاً، عن حديثنا عن أية ظاهرة نفسية، أو اجتماعية؟ فالذرة ليست موضوع إدراك حسي مباشر، لا بالحواس، ولا بالمكبرات، وحين نقول أن الذرة مؤلفة من إلكترون، أو عدة إلكترونات تتحرك حركة مستمرة حول النواة، فإننا لا نراها، وحين لا تشع الذرة طاقة ضوئية، أو لا تمتص هي طاقة من الخارج، لا نعرف عنها شيئاً على الإطلاق.[18]
***********
[1] كارل بوبر: المجتمع المفتوح وأعداؤه – ترجمة: د السيد نفادى، دار التنوير، لبنان، ط1، 1998، ص 30.
[2] د نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، منشورات جامعة دمشق، ص 207.
[3] د نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مرجع سابق، ص9.
[4] د نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مرجع سابق، ص 35.
[5] د نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مرجع سابق، ص 44.
[6] بول موي: المنطق وفلسفة العلوم، ترجمة: د.فؤاد زكريا، دار العروبة، الكويت،1981، ص 82.
[7] بول موي: المنطق وفلسفة العلوم، مرجع سابق، ص 87.
[8] بول موي: المنطق وفلسفة العلوم، مرجع سابق، ص 228.
[9] د نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مرجع سابق، ص 128، و ما بعدها.
[10] كارل بوبر: المجتمع المفتوح وأعداؤه، مرجع سابق، ص 65.
[11] د. محمود قاسم: المنطق الحديث ومناهج البحث، بلا تاريخ، ص 461.
[12] د. محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط3، 1994، ص 191.
[13] د. نايف بلوز : مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مرجع سابق، ص 99.
[14] د نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مرجع سابق، ص 99.
[15] د نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية – مرجع سابق , ص 106.
[16] د جميل صليبا : المنطق، مكتبة الفكر الجامعي ومنشورات عويدات، بيروت، لبنان، ط2، 1967، ص 468.
[17] د نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مرجع سابق، ص 114.
[18] محمود فهمي زيدان: الاستقراء والمنهج العلمي، دار الجامعات المصرية، الإسكندرية، 1، ص 182.