
خلال الأجيال الأخيرة، تمكّنت البشرية من تحقيق تقدّم خارق للمألوف، في مجال العلوم الفيزيائية والطبيعيـة و تطبيقاتها التقنية. و نتيجة لذلك، فقد بسطتْ البشرية سيطرتها على الطبيعة على نحو لم يـَـكـُـنْ مِنَ الممكن تصوّره قبل اليوم. وإنَ سمات هذا التقدّم معروفة للجميع، إلى حدّ يُـغــْـنِـي حتّى عن تعدادها. وإنَ بـَـنـِي الإنسان فخورون بتلك الفتوحات. وهُمْ في فخرهم هذا مُــحِــقـُّـونَ. بـَـيْــدَ أنّه يُـخـيّـل إليهم أنّ هذه السيطرة الحديثة العهد على المكان و الزمان، وهذا الإخضاع لقوى الطبيعة، وهذا التحقيق لصبوّات وأماني لها من العمر آلاف السنين، لم تزدْ البتّة من مقدار المتعة التي ينتظرونها من الحياة. ومن ثمَّ، لا يُعمّر أفئدتهم الإحساس بأنّهم صاروا ـ بنتيجة ذلك ـ أكثر سعادة. وقد كان من المفروض أن يكتفوا بالاستنتاج بأنّ السيطرة على الطبيعة ليست الشرط الوحيد للسّعادة.
***********
المصدر:
فرويد: “قلق في الحضارة”، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت،ط: 4، سنة 1996، ص: 38