
سقراط: عندما يجتمعُ عدد كبير من أفراد الجمهور معا في مجلس عامٍّ أو في محكمة أو في مسرح أو في مُعسكر أو في أيّ مجتمع عامٍّ آخر، و هناك يجلسون مُعربِين ـ بالصُّراخ ـ عن استحسانهم أو عن استهجانهم لأي شيء يُقالُ أو يُفعلُ. و هم في كلتا الحالتين، مُبالغُون فيَصيحُون و يُصفّقُون، حتّى تُردّد الصخور، بل و حتّى يُردّد المكان كلّه، صدَى صَيحاتِهم، و يتضاعف وقْع الاستحسان أو الاستهجان في مثل هذه الحالة، كيف تنتظِر أن تكون الحالة الذهنيّة للشباب؟ و أيّ تعليم خاصّ يستطيعُ أن يُضفي على ذلك الشباب القوّةَ التي تُمكّنُهُ من مقاومة ذلك السيْل الجارف، و من عدم الاندفاع مع التيّار؟ ألن يكون حُكْم الشباب، على ما هو صَوابٌ و على ما هو خطأ، مُماثلا لحُكْمِهم؟ ألن يفعل ما يفعلون، و يغدو مُماثلا لهم في كلّ شيء؟
غلوكون: أجل يا سقراط، إنّ مثل هذا التأثير لا يُقاوَمُ.
سقراط: ولكِّننَا لم نتحدّث بعد عن أقوى أنواع القهر.
غلوكون: وما هو؟
سقراط: إنّه القهر بالأفعال، الذي يلجأ إليه هؤلاء السّادة من المُربّين ومن السفسطائيين، عندما تُعوزهم القدرة على الإقناع بالأقوال. ألا تعلمُ أنّهم يحكمون على من لا يستسلم لآرائهم بالحرمان من الحقوق السياسية وبالغرامة وبالموت؟
**********
المصدر:
جمهورية أفلاطون، ترجمة: فؤاد زكريا، المؤسّسة المصرية للتأليف والنشر. ط 1974.ص 405.