
علينا أن نرضخ لحقيقة أنّ نوعا جديدا من الإرهاب قد وُلــِـدَ أخيرا. إنّه شكلٌ جديد من الفعل الذي يُمارس اللّعبة، ويستحوذ على قواعدها لكي يتمكّن من التشويش عليها. فهؤلاء الإرهابيين لا يكتفون بأنّهم لا يُقاتلون بأسلحة متكافئة (لأنّهم يُـراهنون على موتهم الخاصّ، وهو الأمر الذي لا يجد ردّا مُمكنا)، بل استحوذوا أيضا على كافة أسلحة القوّة المُهيمنة: أي المال، والمضاربة في البورصة، وتكنولوجيا المعلوماتية، وتقنيات الطيران، والبعد المشهدي، والشّبكات الإعلامية. لقد اكتسبوا كلّ ما توفّره الحداثة والعولمة، من دون تغيير في الهدف الذي يقوم على تدميرها. والأدهى أنّهم استخدموا شؤون الحياة اليوميّة الأمريكية كقـِناع وكغِطاء لِلُعبة مزدوجة. إنّهم ناموا في ضواحي أمريكا، وقرؤوا، ودرسوا في أجواء عائلاتها، قبل أن يستيقظوا بين ليلة و ضحاها كقنابل بشرية موقوتة. إنّ دُربتهم على تدبير هذه الحياة السرّية ببراعة، قد تكون إرهابا، يُساوي إرهاب التفجيرات المذهلة يوم 11 سبتمبر. ذلك لأنّها أصبحت تثير الشّبهات في أيّ فرد من النّاس: ألم يصبح أيّ إنسان مُـسَالـِـمٌ، إرهابيَّا بالقوّة ؟
********
المصدر:
بودريار من مقال: “ذهنيّة الإرهاب”، تمت الاستعانة بالترجمة العربية: بسّام حجار، ضمن كتاب: “ذهنية الإرهاب”/ المركز الثقافي العربي، (المغرب / لبنان)، ط 1، 2003، ص:27.