
إلاّ أنّه لا بدّ من القول ـ وهذا أمر أساسي ـ إنّ هذه الهوّيات الثقافية المتنوّعة لا تتلاءم مع بعضها، ولا تشكّل أرضيّات مُحدّدة بوضوح تتراكم عليها هذه المقوّمات المُتعدّدة دون أن تترك أثرا. فكلّ فرد هو شخص مُتعدّد الثقافات، بدورها الثقافات ليست جزرا تُشكّل كلّ وحدة منها كتلة مُتراصّة. و إنمّا هي رواسب مُتداخلة. إنّ الهوّية الفردية تنجم عن التقاء هُويّات جماعيّة مُتعدّدة داخل الشخص الواحد بالذات. و كلّ واحد من انتماءاتنا العديدة يُساهم في تكوين الشخص الفريد الذي نكونه. إنّ الناس ليسوا جميعا متشابهين، و لا هم مُختلفون كلّيا، و بما أنّ كلّ واحد بذاته مُتعدّد، فهو يتشارك في سماته المكوّنة مع مجموعات شديدة التنوّع، لكنّه يُنسّق هذه المُكوّنات على طريقته. إنّ تآلف الانتماءات الثقافيّة المُختلفة في كلّ واحد منّا لا يطرح بشكل عام أيّة مشكلة و هذا ما يجب أن يُثير الإعجاب بدوره: إنّنا نتحكّم بهذا التعدّد بمرونة فائقة أشبه بلاعب خفّة !
*******
المصدر:
تزفتان تودوروف: الخوف من البرابرة ـ ما وراء صدام الحضارات، ترجمة د. جان ماجد جبّور ـ هيئة أبوظبي للثقافة والتراث (كلمة) ط: 1، سنة 2009، صفحة: 59.