إشكالية التقدم التاريخي: عن الأخلاق والطبيعة الإنسانية / صلاح سالم

ثمة علاقة إشكالية بين التقدم المادي والتقدم الروحي، صارت تعكس نفسها على توازن ما أسميه بـ «الشرط الإنساني»، حيث تختل العلاقة بين نمط الحياة الذي يصير أكثر تطوراً من الناحية التقنية، وبين قيم الحياة وفضائلها الموروثة سواء عن الدين التقليدي أو حتى عن عصر التنوير الفائق والنزعة الإنسانية ومثلها العليا، حيث تذبل هذه القيم والفضائل جميعها أو تتوارى أمام زحف قيم جديدة عملية ومادية، قد تسهل من ممارسة الفرد لنشاطه اليومي، وتساعده على إنجاز دولاب عمله ولكنها تظل عاجزة عن أن تمنحه ذلك الشعور العميق بالسكينة والهناء.

في هذا السياق، يدور جدل لم يحسم بعد وربما لن يحسم أبداً، إذ تحكمه أذواق الناس وزوايا نظرهم، بين ثلاثة تيارات مختلفة. فثمة تيار يرى أن الأخلاق لا تتأثر بالتقدم الحضاري وتغير البيئة الخارجية حولها، أي أنها لا تتقدم ولا تتأخر، استناداً الى فهم يقول إن الطبيعة الإنسانية ثابتة جوهرياً. تلك الرؤية المحافظة الى حد كبير، تشتبك أحياناً بتصورات عنصرية تربط بين الأعراق والأجناس وبين الفضائل، فتمنح عرقاً أو جنساً ما فضائل معينة كالشجاعة والريادة، وتحرم أعراقاً أو أجناساً أخرى منها بل قد تسمهم بالكسل والضعف والدونية. كما تؤكد بالتبعية أن هذه الفضائل لصيقة بهذا العرق أو ذاك، فلا قيمة للتاريخ هنا ولا أثر للتطور في اكتسابها أو فقدها. وبالطبع تلك رؤية رجعية جداً، فالإنسان يتأثر في طبيعته وميوله بما حوله، وتتراكم تلك التأثيرات عبر الأجيال. ليس مهماً هنا أن تحدث طفرات جينية تقنن تلك الميول الجديدة بيولوجياً، كما تشي الداروينية، بل يكفي أن تتمركز تلك الميول في نظام كامل من التربية والتعليم والتثقيف، يتمتع بدرجة انتشار واسعة، يمكن معها الترويج لهذه الميول على نطاق عالمي، وتكريسها في أجيال متتالية، لخلق نمط حياة/ طابع إنساني جديد.

وثمة تيار آخر يرى أن الأخلاق الإنسانية تتخلف بفعل التقدم العلمي والتكنولوجي المتنامي، بدليل تلك الحروب الكبرى التي فتكت ولا تزال بأرواح الملايين من البشر نتيجة التطور الهائل في صناعة السلاح، خصوصاً في القرن العشرين الذي شهد وحده من ضحايا الحروب ما يقارب عدد ضحاياها طيلة كل عصور التاريخ (نحو 10 ملايين في الحرب العالمية الأولى، و60 مليوناً راحوا ضحايا للحرب العالمية الثانية، ناهيك بالحروب الأقل اتساعاً مباشرة أو بالوكالة من فيتنام الى سورية التي تكاد تتحول الى محرقة تجري وقائعها اليومية أمام أعين عالم يقف دونها إما عاجزاً أو متواطئاً إن لم يكن مشاركاً وفاعلاً. هذا بينما كانت خسائر الحروب في العصور التقليدية لا تتجاوز المئات، أو الآلاف في أسوأ الأحوال حتى في الحروب بين الإمبراطوريات الكبرى).

وفضلاً عن ذلك، هناك المظالم الاقتصادية التي تنمو بفعل تفاوت التقدم التكنولوجي بين الطبقات والمجتمعات، وترهق أعصاب الناس وتفتك بأحلامهم.

وبينما يرى معترضون على وجهة النظر هذه أنها رؤية رجعية، ففي مقابل من أُزهقت أرواحهم بفعل تكنولوجيا السلاح، ثمة من أنقذت حياتهم بفعل تكنولوجيا العلاج، حيث جرى مراراً اكتشاف مستحضرات طبية لأمراض مستعصية، ولعله صار معروفاً كم أنقذ اختراع واحد كالبنيسلين حياة الملايين من البشر، فما بالك بما سواه، وهو الأمر الذي زاد من مستوى الصحة العامة، وأيضاً من متوسط الأعمار في أغلب بلدان العالم وإن بأقدار متفاوتة.

وثمة تيار ثالث يرى أن الأخلاق الإنسانية تتقدم نحو الأفضل، مستدلاً على ذلك بنمو المثل الإنسانية الجديدة (العقلانية والتحررية، والفردية)، واستقرار المنظومات الحقوقية التي أعلت من وضع الإنسان بصفته إنساناً فقط. غير أن ذلك الفهم يقوم على خلط واضح بين نمط الحياة، ومفهوم الأخلاق، حيث إن تغير الأول لا يعني تغير الثانية: فأنماط الحياة البشرية تتغير دوماً باتجاه أكثر تعقيداً وتركيباً، حيث يصير الإنسان، في العموم، أكثر معرفة وتدريباً في كل حقبة، وربما حاز مستويات عيش تفوق مستويات آبائه وأجداده، واندمج في أشكال حياة أكثر عصرية قياساً إليهم. غير أن ثمة فارقاً كبيراً بين تقدم نمط الحياة، وبين الأخلاق الإنسانية المضمنة في سلوكيات كالتعاطف مع الضعفاء والمعوزين، والبر بالصغار جداً أو الكبار جداً، والتفاعلات الاجتماعية الحميمة، والتواصل الإنساني الدافئ وغيرها من سلوكيات طالما كشف الإنسان عن حاجته اليها، وأكدت الأديان محوريتها للاجتماع البشري.

وهكذا، فإن تطور البنية الحضارية كـ «أنماط عيش» لا يضمن تطور الأخلاق الإنسانية كـ «قيم عيش»، ولا بلوغ السعادة كـ «غايات للعيش»، إذ يدفع التنظيم العقلاني الصارم، والنزعة الفردية المطلقة، والاستخدام البراغماتي للوقت، وجميعها مضمنة في منطق التقدم، الى نوع من الأنانية والتمركز حول الذات، وربما الاغتراب، ولذا كانت أعلى نسب الانتحار موجودة في أكثر الدول تقدماً، والشيء نفسه ينطبق على الإباحية والمخدرات. وربما لوحظ أن معدلات إفراز العنف داخل المجتمعات تنخفض مع تزايد معدلات التقدم، غير أن مبررات ذلك تبقى عقلانية على سبيل الرشادة، وليست أخلاقية على سبيل الفضيلة.

تلك الفجوة بين أنماط الحياة وقيم الحياة هي منبع معاناة الإنسان الحديث في عالم صلد يفتقد للتلاحم والتعاطف، غادره الإيمان الروحي البسيط، وتحطمت أبنيته التقليدية البسيطة والمألوفة، التي يسهل إدراكها والتحكم فيها، خصوصاً وقد تم تحطيم صورة المكان القديم «الكهف» لمصلحة المكان الجديد «الفضاء». كما تم تفكيك سطوة الزمن فلم تعد له تلك الصورة المطلقة، الهادئة الحركة، المنتظمة الإيقاع التي رعت باستمرار الفضائل والمعاني الموروثة والجالبة للأمان النفسي، بل انفتح على مسيرة تطور لا تتوقف أصابت الجميع باللهاث والغالبية بالدوار والكثيرين بالضياع. فعندما يشاهد الناس تغير عالمهم بسرعة، تختلط عليهم الاتجاهات، وتزوغ الأبصار، خصوصاً أولئك الذين ضعفت قدرتهم على التكيف مع المنطق البراغماتي للحياة، والذين يصبحون، أكثر من غيرهم، عرضة لأزمة معنى تكاد تجعل حياتهم بلا مغزى، وتدفعهم الى البحث عن خلاص مأسوي منها.

عن جريدة الحياة