جمال علي الحلاق: أنا مسكون بالأسئلة منذ طفولتي

 

س1 : ما الشروط التي يجب أن تتوافّر للمثقف العربي لكي يبدع بحريّة وأمانة ومسؤوليّة؟

بالنسبة لي هذه هي الشروط التي تتشكّل منها هويّة الباحث الحقيقية، وبغيرها لن يكون إلا موظّفاً حزبيّاً، أو موظّفاً مؤسّساتيّاً.

س2 : كان كتابكم (آلهة في مطبخ التاريخ) مدوّياً وعاصفا وناسفاً لكثير من المفاهيم المستقرّة! هل دفعتم ضريبة لهذا الكتاب …ما هي؟

علينا أن ننتبه هنا أيضا الى أنّ الإقصاء قد يكون قراراً ذاتيّاً  صِرفاً، ووفق تجربتي المتواضعة أستطيع القول أنّني أنا من قرّر الابتعاد، ليس مكانيّاً فقط، بل مزاجيّاً أيضا، إبتعدت عن الريف الى المدينة، وأراني الآن أتّجه الى الطبيعة، لكن ليس بحسّها الريفي، الطبيعة التي تشبه الحبل السرّي الذي يربطني بالكون، بل يمكنني القول إنّ الاقتراب من الطبيعة هو بداية انتماء فعلي للكون، وهي نافذة هائلة تمنحني التحليق أعلى وأبعد، متحرّراً من الانتماءات والتحجيمات.

الإبتعاد منحني القدرة على التعمّق أكثر في دهاليز البحث. يقلقني اليقين، أيّ  يقين، لذا فأنا أعيش منفتحاً على الآخر، لكن ضمن حدود أجدها مهمّة لي وله.

ثمّة حادثة رواها لي أبي قال : “عندما كنتَ طفلاً لم يكن أحدٌ يقترب منك، كنتَ مكروهاً من قبل الجميع”، فسألته : لماذا؟  قال : “لأنّكَ كنتَ تسأل كثيراً ، تسأل حتى عن الأشياء التي  تعرفها”. من هنا يمكن أن أجيب على سؤالك : “هل دفعت ضريبة ؟”، نعم، شكل الحياة التي عشتها وأعيشها الآن هي ضريبتي، أن أختار الهجرة والإبتعاد عن كلّ صخب، كيفما كان شكله، وأن أستمتع بفرصة وجودي في الحياة عن طريق طرح أكثر كمٍّ من الأسئلة المهمّة بحسب ما أعتقد. أشعر أنّني ممسوس بمحاكمة وجودي في العالم. من هنا تحديداً يمكنني القول : لا يقلقني الآخر النقيض بقدر ما يقلقني أن لا أتمكّن من طرح أسئلة مهمّة حقّاً. أنا محض وقت محدود على الأرض، والضريبة التي أدفعها الآن تتجلّى نتيجةً لسرعة مرور الوقت في تنامي قلق الوصول الى فهم واضح قبل أن أبلغ نهاية وقتي الخاص على الأرض.

س3 : يشعر من قرأ كتابيك (آلهة في مطبخ التاريخ، مسلمة  الحنفي) أنّ هناك خيطاً خفيّاً بين الكتابين، فهل من الممكن أن تدلّنا على إمتدادات بعضهما على بعض؟ وما الذي دفع الحلاق الى دراسة سورة الفاتحة بالذات؟

وبالعودة الى الكتابين فيمكنني القول أيضاً أنّهما يتّصلان خيطيّاً بإسم (الرحمن) تحديداً، وهو تجربة معرفية نمت وتأثّثت تأريخيّاً في نجد واليمن، بينما نمت وتأثّثت تجربة إسم (الله) في الحجاز حصراً. وقد توصّلت عبر البحث الى نتيجة يمكن اختزالها بتأخّر دخول إسم (الرحمن) في سورة (الفاتحة) الى السنة التاسعة للهجرة، علماً أنّ المؤسّسة الدينيّة تؤكّد أنّ إسم (الرحمن) هو أقرب الأسماء الى الله! وأستطيع القول هنا أنّ دخول الإسم كان نافذة لقراءة تحالف بين دعاة النبوّة في الحجاز واليمن تحديدا، تحالف تمّ السكوت عنه تأريخيّاً.

لقد كانت سورة الفاتحة مدخلاً مهمّاً يمتلك القدرة على البوح بأسرارٍ تمّ إيصالها لنا عبر مستويات متعدّدة ومختلفة، عملية جمعها يقود الى نتائج يمكن أن تعيد تركيب ليس تاريخ بناء السورة وحدها، بل تاريخ بناء سور أخرى، وهذا ما أعمل عليه الآن. تجربتي في قراءة سورة الفاتحة فتحت لي الباب المقفل لتاريخ القرآن فاتّسع زمنيّاً، لم يعد ممكناً القول بزمن النبوّة المثبت مؤسّساتيّاً، إنّ قراءة تاريخ سورة الفاتحة وحدها جعلت الزمن لعمليّة إنتاج النصوص القرآنيّة يمتد لأكثر من خمسين عاماً، وليس ثلاثاً وعشرين عاماً كما هو متّفق عليه. أعتقد أنّنا متّجهون الآن بحثيّاً الى فتح ملفّات زمنيّة مسكوت عنها، ورغم هذا السكوت العميق فإنّ بإمكاننا أن نصل إليها عن طريق استنفار مجسّاتنا القرائيّة في الإنتباه لآليّات تهريب الحقيقة التاريخيّة ضمن المدوّنات الرئيسية للمؤسّسة الإسلاميّة ذاتها.

س4 : ما القرآن؟ وما الآليّة المثلى في التعامل المنهجي مع نصوصه المختلفة والمثيرة للحساسيّة الدينيّة برأيك؟

س5 : ما المنهج الذي يتبعه الحلاق في رصد الظاهرة القرآنيّة وتحليل أبعاده؟ وإلى أيّ مدى يتخوّف من النتائج التي قد تقتضيها المناهج الجديدة؟

الشيء الأكثر خطورة تكمن في أنّ القرآن – كنصوص – جمع الأضداد الإجتماعيّة كلّها، أي أنّ بإمكاننا، واتّكاءً على القرآن، أن نصل الى مراحل نمو الحسّ الديني العربي من بداية القرن السادس الميلادي وإلى لحظة جمع نصوص القرآن في كتاب واحد. وبالتأكيد فإنّ هذا الأمر ليس سهلاً، لكنّه ليس مستحيلاً أيضا، لقد تمّ جمع القرآن بطريقة تُرضي الأطراف المتعارضة كلّها، فالعربي مهما كان اعتقاده سيجد في القرآن جملة من السور، أو سورة واحدة تُرضيه، أو آية، أو عنوان سورة، من هنا جاء رفض الخليفة الرابع (علي بن أبي طالب) لعمليّة اعتماد القرآن في المحاججة، فالقرآن من وجهة نظره “حمّال أوجه”، وهذا رأي حقيقي تماماً، ومن هنا نرى أنّ القرآن  شيء، وأنّ السنّة النبويّة شيء آخر، لأنّ السنّة أكثر التصاقا بنبي الحجاز منها بأنبياء نجد واليمن، أمّا القرآن فيجمع نتاج الأقاليم الثلاثة، وهذا الأمر قاد الى صرامة التدقيق في سند الحديث في ما بعد.

أمّا في ما يخصّ التخوّف من النتائج التي يقود إليها البحث فهذا أمر لا يقلقني، ولا يقلق كلّ باحث عن الحقيقة. ما يقلقني حقّاً  ألا أتمكّن من طرح السؤال بطريقة صحيحة، لأنّه يجعلني أستغرق وقتاً أطول في الوصول الى الحقيقة المسكوت عنها.

س6 : ما أهم المرجعيّات والمفاهيم التي غذّت فكر الحلاق، وهل هو مشدود الى مرجعيّة دون سواها؟

إنّنا لا نفهم القوانين التي تحرّك الكون من خلال قراءتنا للكتب  المقدّسة، سواء أكان قرآنا، أو إنجيلاً، أو توراتاً، وأنّ ما يتم فعله حقّاً هو لي وكسر أعناق الكلمات بحثاً عن تأويل جديد يخفض من شدّة التضاد بين النصوص الدينيّة القديمة والاكتشافات العلميّة الحديثة.

س7 : كيف يفسّر جمال الحلاق سطوة التديّن الزائفة في عموم البلاد العربيّة؟ وإلى أيّ مدى يثق بالعقلانيّة والنقد في ظلّ الحجاب الكثيف من ظلمات البلاد العربيّة في السنوات الأخيرة؟

أمّا في ما يخصّ العقلانيّة والنقد فإنّني أرى الشارع الحيّ ينمو داخل المدن أيضا، وأرى الشباب الواعي يتّجه نحو تفعيل الحسّ المدني، ثمّ أنّ رجال الدين بأنفسهم يجهزون على ما تبقّى من الدين الآن، فالحتميّة التاريخية ترفع شعارها بوضوح (إذا أردت أن تقضي على دين ما فإجعل شريعته دستورا للبلاد)، إنّها الطريقة المثلى للقضاء على الدين، لكن يجب الإنتباه هنا، أنّني أتحدّث عن نهاية الأديان، ولكنّني لا أتحدّث عن نهاية حسّ التديّن.

أقول : رغم أنف الدمى ومن يحرّكها فإنّ حركة العقل العلمي تمسك بياقة العقل الديني لتقوده الى أقصى تضادّ له مع الحياة اليوميّة، يجب أن نعترف أن لا بقاء للدين الآن إلا ببقاء الجهل وإدامته، أمّا المعرفة، وهنا أعود الى إجابة السؤال الأوّل، المعرفة التي لا تعرف التوقّف عند حدّ، وتبحث عن النقاط الضعيفة داخل كلّ نظريّة، أقول : أنّ هذه المعرفة تكنس الموروث الخرافي، وتمهّد لحسّ ديني ذاتي لا يتّكئ على نصّ مقدّس، أو حتّى على تأويل له، سيعي الجميع في لحظة قادمة حتماً أنّ حسّ التديّن لا يحتاج الى وسيط، ولا يحتاج الى كتب  مقدّسة، إنّه شعور ذاتي وعلاقة فرديّة، علاقة شفّافة جدّاً تخصّ الفرد وما يشعر به، لقد أدرك المتصوّفة ذلك وابتعدوا عن كلّ الترّهات التي تحجّم علاقة الفرد سواء بالكون، أو بالإله.

س7 : كيف يفهم الحلاق التفكيك؟ وإلى أيّ مدى تمّ استثماره علميّاً في دراساته؟

 

ومن خلال القراءة المكثّفة لما عبر إلينا عن طريق صرامة المؤسّسة الدينية أصبحتُ أتحسّس الفوضى داخل النظام، بل أراها عياناً، سواء داخل نصوص المؤسّسة، أو داخل القرآن ذاته ككتاب. من هنا بدأت رغبتي في إعادة تفكيك الفوضى الظاهرة عياناً، وإعادة تركيبها داخل بنية نظام جديد.