نظرة عامّة في تاريخ الأوركسترا السيمفونيّة وتقسيماتها

الأوركسترا و أقسامها

تعود الكلمة إلى اللّفظ اليونانيّ ( أورخسترا ) وهو مصطلح إغريقي كان يُطلق على الجزء الأماميّ من خشبة المسرح المخصّص للرّقص ضمن المسرحيات الدراميّة الإغريقيّة، ثمّ أصبح المصطلح يطلق على المكان المخصّص للفرقة الموسيقيّة المرافقة للمسرحيّة الدراميّة، وبعد ذلك ونتيجة لوجود العازفين بين الممثلين والجمهور تمّ إيجاد مكان خاصّ لهم في مكان منخفض عن المسرح لخلق الجوّ الموسيقيّ دون منع المشاهدين من متعة المشاهدة، مع وجود مكان أكثر ارتفاعاً مخصّص لقائد الأوركسترا (المايسترو) تتيح له رؤية كلّ العازفين. وتعني الأوركسترا مجموعة من الآلات الموسيقيّة التّي تنقسم إلى عائلات متجانسة في طبيعتها الصّوتيّة، لكنّها متطابقة في طبقاتها السّمعيّة.

وقد بدأ أوّل توزيع احترافيّ للأوركسترا ككيان مستقلّ ومنفصل عن العمل المسرحيّ على يد الموسيقيّ الإيطاليّ مونتفيردي (1567 – 1643) في القرن السّابع عشر، مع أوبراه ” أورفيوس “، ومن ثمّ تطوّر الأمر مع باخ (1685 – 1750) وهاندل (1685-1759)، ثمّ موزارت (1756-1791) وهايدن (1732-1809)، وقد كان عدد العازفين في تلك الفترة لا يزيد عن 40 عازف إلى أن جاء بيتهوفن (1770-1827) وأثر على تطوّر قالب الأوركسترا كماً ونوعاً، فأضاف آلات جديدة كالفلوت والتّرومبون والكونترباص، كما وسّع من عائلة الفيولن فازداد بالتّالي عدد العازفين ليصل إلى 60 عازف، كما أضاف الكورال الصّوتي بشكل استثنائي في سيمفونيته التّاسعة، وقد اتّبعه في ذلك العديد من الموسيقيين أمثال: مندلسون (1809-1847) –برامز (1833-1897) – ماهلر (1860-1911) –هولست (1874-1934) – شوينبرغ (1874 -1951.

وفي القرن التّاسع عشر بدأنا نرى فرق الأوركسترا الضّخمة الّتي تحوي أكثر من 120 عازف، وبعض العازفين أضافوا أعداد بشكل مبالغ فيه أحياناً كاستخدام ماهلر لألف عازف في سيمفونيته الثامنة (الألفيّة) وكذلك استخدام فرقة أكثر من 1200 مؤدّي و عازف في قداس بريليوز(1803-1869).

وفي الوقت الحالي يمكننا تصنيف فرق الأوركسترا تبعاً لعددها وفق أربعة أقسام:

ويطلق على النّموذجين الأخيرين اسم ” الأوركسترا السّيمفونيّة “، و كلمة ( سيمفونيّة – Symphony ) يونانيّة مؤلّفة من مقطعين ” Sym ” وتعني (في آن معاً)، و “Phony ” وتعني (صوت)، فيكون معنى الكلمة (مجموعة الأصوات التّي تسمع في آن معاً ) والأصوات هنا يُقصد بها مجموعة كبيرة من عائلات الآلات الموسيقيّة، وقد أطلق الإيطاليون اصطلاح سيمفوني في القرن السّابع عشر على الافتتاحيّة الموسيقيّة للدراما، كما استخدموه للدّلالة على المتتاليات الموسيقيّة، ومن ثمّ أتبع بكلمة الأوركسترا، ليصبح (الأوركسترا السّيمفونيّة – Symphony Orchestra) بمعناها الحالي.

ومن المكوّنات الرئيسيّة للأوركسترا السّيمفونيّة:

  1. المايسترو: قائد الأوركسترا وقد أفردنا له جزء من دراستنا.
  2. العازف الأوّل: غالباً ما يكون أبرع عازف على آلة الفيولن يجلس في مقدمة عازفي الفيولن على يسار المايسترو ويكون بمثابة المنسّق العام وصلة الوصل بين المايسترو وبقيّة العازفين. ومن مهمّاته كتابة الأقواس للوتريات، وتحضير الأوركسترا، وضبط دوزان الأوركسترا قبل دخول المايستو إلى الصّالة وبدء الحفلة.
  3. الآلات الموسيقيّة: وهي تصنف ضمن أربعة عائلات:

1- عائلة الكمان” الفيولن”:

هي العائلة الرئيسيّة في التّشكيل الأوركسترالي تشمل أكثر من نصف الفرقة وذلك لتحقيق التّوازن الصّوتي والهارموني، وقد ازدهرت صناعة الآلات الوترية مع بدايّة القرن السّادس عشر، برع فيها الإيطاليون أكثر من غيرهم لا سيّما صناعة مدينة بريشيا، ومدينة كريمونا. ومن المعروف أنّ الآلة الوتريّة ذات الصّندوق الصّوتي التّي تشملها هذه العائلة، يكون صوتها أكثر حدّة كلّما صغر حجمها، ويصبح أكثر غلظة كلّما كبر حجمها، لذلك كانت الآلة الأصغر التّي هي الفيولن” الكمان ” هي الأولى من حيث النّشأة، لكي توائم الأصوات الحادّة التّي كان المغنيون يؤدونها في أوروبا في القرون الوسطى. ومنذ منتصف القرن الخامس عشر بدأ الموسيقيون من المدرسة الفلمنكيّة يوسّعون المدى الصّوتي إلى أسفل “الجهير” لتظهر آلات كالتّشيلو والفيولا. وتشمل هذه العائلة أربعة آلات رئيسيّة:

في الصّورة نجد مقارنة الفيولا بالفيولن

تعتبر هذه العائلة أهمّ تشكيل في الأوركسترا ولا يمكن الاستغناء عن أيّ من آلاتها في أي عمل سيمفوني أو أوبرالي على عكس العائلات الأخرى.

وهناك آلات وتريّة هامّة دخلت الأوركسترا منفردة دون أن تنتمي لعائلة الكمان نذكر منها:

تطوّرت هذه الآلة عن آلة أقدم تدعى ” الكلّافسان” من عام 1703 عن طريق “غريمالدي”، ولم تكتمل في صورتها الأخيرة إلاّ في عام 1720 على يد شخص يدعة ” بارتوليميو كريستوفري” برعاية أسرة ميدتشي الإيطاليّة.

في الصّور على اليمين الكلّافسان وعلى اليسار البيانو.

                           

2- عائلة آلات النفخ الخشبيّة: وهي آلات تصنع من أنواع خاصّة من الخشب وذات طبيعة صوتيّة خاصّة ترتبط بصوت النّفخ في الأنابيب الخشبيّة وتتنوع من الحدّة إلى الغلاظة وتشمل آلات:

 الأبوا: آلة تصنع من خشب الأبنوس الصّلب، تتمتّع بصوت حزين باكٍ ولصوته له مسحة ريفيّة. وأوّل من استخدمها في الأوركسترا هو المؤلّف الموسيقي روبرت كامبير عام 1671، وتشكّل مع الفلوت من ناحية الطبقة الصّوتيّة مقابل للفيولن في عائلة الكمان. استخدم باخ هذه الآلة في مؤلّفاته لا سيّما الآلة الرديفة لها “كور انجليه”، ونادراً ما يكتب لهذه الآلة مقطوعات منفردة.

  

 يتمّ تشكيل الآلات الخشبيّة عددياً بشكل يتناسب مع توزيع عائلة الكمان لتحقيق التّوازن الصّوتي الدّاعم نظراً للتّباين اللّوني والصّوتي الواضح فيما بينها. وقد يشارك الآلات الخشبيّة الرئيسيّة مجموعة من آلات إضافيّة مساعدة حسب اختيار المؤلّف أو الموزع مثل (الفلوت الصّغير- الفلوت التّو – الباص فلوت- الكلّارينيت الصّغير- الباص كلّارينيت – الهورن الإنكلّيزي … )

3- عائلة آلات النّفخ النّحاسيّة: ترتبط بالطّبيعة العسكريّة نظراً لصوتها الحادّ والجهوريّ ويوجد لها فرق نحاسيّة خاصّة بها، لكنّها تشترك أيضاً في أداء المجموعة الأوركستراليّة ويعتمد عليها الكثير من الملحنين الكبارو تشمل:

   

  

  

وكما هو الحال مع مجموعة الآلات الخشبيّة، يتمّ توزيع الآلات النحاسيّة بشكلّ يتناسب مع مجموعة الكمان لتحقيق التّوازن الصّوتي، وأحيانا ما يزيد دورها في الدّعم العام للعمل السّيمفوني كما نلاحظه بشكل واضح في أعمال سترافنسكي (1882-1971) و شوستاكوفيتش (1906-1975).

4- عائلة الإيقاع: و هي من أكثر آلات الأوركسترا السّيمفونيّة تنوّعاً وتشمل:

 ووظيفة هذه العائلة إجمالاً هو تنظيم الإيقاع الهارموني وتقويته، وقد تمّ استخدام هذا النّوع من الإيقاع بشكل مميّز وواضح في أعمال بريليوز (القداس) وبارتوك (كونشيرتو الأوركسترا).

إنّ تناغم الفرقة الأوركستراليّة يكون بالتّوازن الّذي يحكمه ضبط إيقاعها على التّردد الصّوتي الصّحيح. وغالباً ما يوحّد جميع العازفين أصوات آلاتهم استناداً لنغمة معيّنة من عازف البوا، أو عازف الكمان الأوّل “الرئيسي” ويتمّ ذلك على نغمة ترددها 440 ذبذبة في الثانية، حيث تمّ الاتّفاق على هذه النّغمة وترددها (تسمى نغمة لا) في مؤتمر دولي عام 1939. لكنّ هذا لا يعني بالطّبع أنّ كلّ الفرق الأوركستراليّة تلتزم بهذا التّردد بالضرورة، فمثلاً تستعمل فرقة نيويورك الفلهارمونيّة وفرقة بوسطن السّيمفونيّة تردد 442، وفرقة برلين الفلهارمونيّة تردد 443، وكثير من الفرق السّيمفونيّة تدوزن تقديم الموسيقى الكلّاسيكيّة لا سيّما موسيقى (موزارت – هايدن) على تردد 432، أمّا موسيقى العصر الباروكي فيستخدم بعضها التّردد الّذي كان سائداً في ذلك العصر و يبلغ 415 ذبذبة في الثانية.

والحقيقة أنّ لذلك التّوافق النّغمي الصّوتي أهميّة كبيرة لكي لا يحصل أخطاء في الأداء عندما يحيد الصّوت عن الطبقة المحدّدة، حيث يحدث عنها ما ندهوه ” نشازاً “، فمثلاُ: لو كانت لدينا نغمتان ترددهما 440 ذبذبة بالثانية، ستكونان في نفس الطّبقة، أي سيكونان في تجانس لحني، لكن لو عزفت إحداهما بنشاز ولو كان ضئيل كأن تؤدي بتردد 435، سيعني ذلك أن موجات النغمة الأولى أقصر من موجات النّغمة الثانية فيحصل تداخل في الموجات ما يؤدّي إلى الشّعور بضربات أو نغمات شاذة موعجة، فارقها 5 اهتزازات بالثانيّة هي فارق التّردد بين النغمتين.

المايسترو

يسمّى قائد الأوركسترا بـ(المايسترو) وهي كلمة إيطاليّة تعني الأستاذ وهو اختصاص مهمّ جدّاً في العمل الأوركستراليّ، توكلّ إليه مهمّة توجيه الموسيقيين وتوزيع أدوار العزف ليخرج العمل الموسيقي بشكلّه الجيد وبأمانة كما وضعه المؤلف. فيكون دوره بمثابة المخرج العام للفيلم السّينمائي يقوم بتوزيع الآلات وإعطاء العمل طابعه اللّحني المميّز، كما يقوم بشرح وتفسير مضمون المدونة الأوركستراليّة (البارتيتورا) للعازفين بما يضمن نقل قصد المؤلّف وغاياته. لذلك يحتاج إلى الخبرة والموهبة. ولكلّ حركة من حركاته التّي نلاحظها أثناء رؤيتنا لتأديّة فرقة موسيقيّة لها أهميّتها ومدلولها الخاصّ بالنسبة للعازفين. فالقيادة النّاجحة هي توحيد الفكر والحسّ بيم المايسترو والعازفين من خلال الإشارة ووحدة العمل عن طريق الألحان. القيادة هي الأداء الموحد الّذي يعيد خلق عمل المؤلف ويحييه من جديد وبشكل متجدّد. والواقع أنّه لم يكن في البداية هناك حاجة للمايسترو عندما كانت الفرق الموسيقيّة صغيرة تجتمع لأداء بعض المقطوعات الموسيقيّة، فقد كان أحد العازفين يتكفل بأداء هذا الدور”نسمّيه الآن العازف الأوّل” معتمداً على قوس التّه أو حركة رأسه، إلا أنه مع ظهور الفرق الكبيرة بدأ الموسيقيون يحتاجون إلى قائد متفرغ للقيام بهذه المهام.

وتعود فكرة وجود قائد الأوركسترا إلى القرن الخامس عشر في إيطاليا وألمانيا حيث كان القائد يستخدم حركات الأيدي كوسيلة للتّعبير عن شكل الألحان، أو يحمل لفافة من الورق أو قطعة خشب للتّأشير بها، أمّا في فرنسا فكان القائد يستخدم العصا الغليظة ليعمد لضرب الأرض بها لتعزيز النّبض الإيقاعيّ، ومن الطّرائف المؤلمة أنّ الموسيقي الفرنسي الشهير ” جان باتيست لوللي ( 1632 – 1687 )  كان قد هرس إصبع قدمه بهذه العصا عن طريق الخطأ أثناء قيادته للأوركسترا، الأمر الّذي أدّى لإصابتها بالتّهاب وأصيب بالكزاز وأدّى ذلك لوفاته فيما بعد. ومن المعروف أنّ الموسيقي الألماني ماندلسون كان أوّل قائد أوركسترا استخدم عصا خشبيّة دقيقة للحفاظ على الايقاع وهو التّقليد المتّبع حتّى أيّامنا هذه. وغالباً ما كان المايسترو يشارك الفرقة بالعزف على إحدى الآلات الموسيقيّة، ولكن في بداية القرن التّاسع عشر أصبح عرفاً أن يختص شخص بقيادة الأوركسترا دون أن يقوم بالعزف.

ويمكن تلخيص مهام المايسترو بتحديد الإيقاع، وإعطاء الإشارة إلى العازفين بحلول دورهم، والسّيطرة على الصّوت الصّادر عن المجموعة، إضافة إلى دراسته الدّقيقة لعناصر التّعبير الموسيقي للمقطوعة المطلوب أدائها مثل السّرعة وتغيراتها والتّباين الصّوتي وتقنيات العزف والتّوزيع الموسيقي… وإيصال ذلك إلى العازفين. وجدير بالذّكر أن بعض قادة الأوركسترا قد يقوموا بإجراء بعض التّعديلات بالإضافة أو الحذف أو التّجميل لبعض الأعمال الموسيقيّة، كما كان يفعل مثلاً جوستاف ماهلر عند قيادته لعزف أعمال غيره من الموسيقيين، لذلك نقول أنّ لكلّ مايسترو أسلوبه وطريقته الخاصّة به، تماماً كالفيلم الواحد الّذي يقوم بإخراجه مخرجان، أو ذات القصيدة الّتي يلقيها شاعران.

يقول الموسيقي النّمساوي هندميث: الموسيقى مهما كان الصّوت والبناء اللّذان يفترضانها، تبقى محض ضوضاء لا معنى لها، ما لم تمس العقل”. التّدوين الموسيقي الّذي تؤديه الأوركسترا بقيادة مايسترو هم العقل للموسيقى.

****

المراجع: