دور (الحلو لمّا انعطف)، بيـن المسلوب وكارم محمود

يُعَدُّ الشيخ محمّد عبدالرحيم المسلوب (1793-1928) مؤسِّس فنّ الدّور في عصر النّهضة، وقد أتاح له عمره الطّويلُ أنْ يُؤصِّل هذا الفنَّ على مستويي الكلمة واللّحن، ويترك فيه مجموعة من الأدوار المهمّة، في مقدّمتها دوره المشهور (يا حليوة يامسليني) الّذي غنّاه عشرات المطربين من بينهم المطرب السوريّ صباح فخري، وقد عاصر (المسلوبُ) محاولات التّجديد الّتي طرأت على هذا الفنّ على أيدي من خلفوه، كعبده الحامولي، ومحمّد عثمان، وداوود حسني، وإبراهيم القباني، وسيّد درويش.

أمّا الشّاعر إسماعيل صبري فقد شارك في التّأصيل لفنّ الدّور على المستوى الشّعريّ، إذ كتب مجموعة من الأدوار المتميّزة الّتي لحّن معظمها محمّد عثمان، ومن أشهر أدواره : أصل الغرام نظرة، وعشنا وشفنا سنين، وحبّيت جميل طبعه الدّلال، وقدّك أمير الأغصان، ولسان الدّمع.

ويُعَدُّ دور ( الحلو لمّا انعطف) من خيرة الأدوار الّتي ألّفها صبري، وإنْ كان من لحَّنه شيخُ مطربي القرن التّاسع عشر، وأفنديّهم الأكبر  عبده الحامولي، كما كان يدعوه زميله محمّد عثمان( 1855-1900)، وقد غنّى هذا الدّورَ مجموعةٌ من أشهر المطربين في عصر النّهضة يأتي في مقدمتهم أحمد حسنين الّذي سجّله على أسطوانات شركة أوديون بين عامي 1903 و1904 وعبد الحيّ حلمي الّذي سجّله على أسطوانات شركة غراموفون في عام ١٩٠٨، ثمّ الشّيخ يوسف المنيلاويّ الّذي سجّله على أسطوانات شركة بيكا الألمانية في عام ١٩٠٩، ثمّ جاء المطرب كارم محمود، وسجّله في الإذاعة المصريّة بعد أربعة عقود ونيّف من تسجيل المنيلاوي له.

وقد التزم من غنّى هذا الدّورَ بلحنه الأساسيّ، وإنْ غيّر بقالبه، فوضع اللّيالي في البداية، وختم بها، كما فعل المنيلاوي، أو اختار أن تكون اللّيالي في الوسط، وإنْ لم يتفرّد بها، كما فعل كارم محمود، وحاول أن يؤديّه بطريقة معبرّة فيها إحساسٌ مرهفٌ، وشجَنٌ، وقدرةٌ على التّماهي مع الكلمة كما فعل المنيلاوي، وحلمي، وكارم.

وفي رأيي المتواضع أنّ الفارق بين أداء (المنيلاوي) له وأداء (كارم) هو فارقٌ بين درجتي مهارة في العزف بين مجموعتين مختلفتين؛ تتكوّن الأولى من أساطين العزف في القرن التّاسع عشر، وهم: سامي الشّوّا على الكمان، ومحمّد العقاد الكبير على القانون، وعلي صالح على النّاي، ومحمّد أبوكامل الرّقاق على الإيقاع، ولم يكن أيّ منهم يُضاهَى في العزف على الآلة الّتي اختصّ بها، في حين تتكوّن الثّانية من عازفين لم يصلوا إلى درجة المهارة والاحتراف الّتي وصل إليها منْ شاركوا المنيلاوي في تخته.

ومع ذلك يمكن القول: إنّ جميع من أدّى هذا الدّورَ حرص على الالتزام بكلمات المذهب والأغصان كما تركهما إسماعيل صبري ما أمكن، وأظهر مقدرةً صوتيةً كبيرةً عند غنائه لهما، وإنْ كان قد حدث نوعٌ من الاجتهاد بين مطرب وآخر في غناء المذهب والأغصان وإشراك المذهبجيّة ( أو السّنِّيدة) في ذلك، أو وضع اللّياليّ في البداية، أو الوسط.

ويمكن ملاحظة أنّ المنيلاوي بدأ الدور باللّيالي ليستعرض قدرته الصوتيّة، ومهارته في الأداء، ثمّ انتقل إلى غناء المذهب، والأغصان واحداً تلو الآخر ، وحرص على التّفريد والتّرجيع، وختمَ الدورَ باللّيالي، دون أن يعود إلى المذهب كما يحدث في العادة، مستعرضاً براعته في التّطريب والتّرجيع، ولَم يعتمد في أدائه على المذهبجيّة أو السّنيدة (الكورس) كما فعل كارم محمود، بل كان هو الّذي يقوم بالغناء والتّرجيع بنفسه من دون الاعتماد على ” أحد” سوى أفراد التّخت الشرقيّ، أمّا كارم فقد أدّى المذهبَ والأغصانَ بمشاركة المذهجية أوالسّنِّيدة ( الكورس) في معظم الأحيان، ولَم يحرص على التّفريد أو التّرجيع بنفسه، كما أنّه أسند أداء اللّيالي في وسط الدور إلى السّنِّيدة” الكورس”، ثمّ أكملها معهم، ولَم ينفرد بها هو ، مع أنّ الليالي أو الآهات جزءٌ من قالب الدور كما جدّده محمّد عثمان، وفِي الغالب ينهض ًبها المطربً بنفسه، ولا يُسنِدُ غناءها إلى غيره؛ لأنّها هي الدّليلُ على قدرته الباهرة على الأداء، وإيصال مستمعيه إلى درجة ” السّلطنة ” و” التّطريب” اللّذين يهفو إليهما.

ولا يعني هذا الاختلافُ بين أداء كارم والمنيلاوي أنّ ( كارم) لم يُجِدْ في أدائه للدور، بل لقد أداه بطر يقةٍ مرهفةٍ ومعبرةٍ جداً، وأطربنا كعادته في كلّ ما غنّاه، لكنّ هذا الاختلاف بينه وبين المنيلاوي هو اختلافٌ طرأ على أداء الدور بين مدرستين مختلفتين وجيلين، نهجَ كلٌّ منهما نهجاً مختلفاً في الأداء يتوافق مع درجة التّحول الّتي طرأت على السّياق الّذي كان يحتضن هذا النّوعَ من الغناء، وعلى الحاملِ الاجتماعيّ الّذي كان يتلقّفه، ثمّ تغيّر مع درجة التّحوّل الّتي أصابت المجتمعَ المصريَّ في مفاصله كلّها في خمسينيات القرن الماضي وما بعده.

والمعلوم أنّ معظمَ الملحنين والمطربين انصرفوا عن تلحين الأدوار وغنائها منذ خمسينيّات القرن المنصرم، وإنْ كان صالح عبد الحيّ قد استمرّ في ذلك، وبقي الحارسَ الأبرعَ لهذا الفنّ مع فنانين آخرين كصباح  فخري، وعبّاس البليديّ، وبكري الكرديّ، وصبري مدلّل، ومحمّد خيري، وقد كفّ صالح عبد الحيّ عن الغناء نهائياً في أواخر حياته، بعد أن شدا وتألّق بكل ما سمعه من أدوار تلقفها من خاله عبدالحيّ حلمي، ومن عمالقة الغناء في القرن التاسع عشر كسيد الصفتي، ويوسف المنيلاوي، وداوود حسني، وإبراهيم القباني، وسلامة حجازي، وإبراهيم الفران، وأبي العلا محمد .

بقي أن أشير إلى أنّ دورَيْ (المنيلاوي) و( كارم ) اكتسَبَا ألقاً جديداً، وقدرةً أكبر على الإشعاع والتأّثير في جمهور المستمعين من خلال التّنقية الصّوتيّة الّتي قام بها الصّديق الدكتور مؤنس يونس، فله التحيّة على ما بذله من جهد في منحهما النضارة الّتي كانا يحتاجانها ليصبحا متألّقين وقادرين على التّأثير في جيل التّلقّي الشّاب للقرن الحادي والعشرين.