المؤرّخ الهادي التيمومي يكتب عن اليسار العالميّ الجديد وتحدّيات الواقع الرّاهن

 

إذا كان علم التّاريخ هو بعث شامل للماضي كما يؤكّد على ذلك المؤرّخ الفرنسي “جيل ميشليه” فهو كذلك حسب ما يعتقد “مارك بلوك” دراسة للماضي وتمثّل للحاضر واستشراف للمستقبل لذلك فإنّ المؤرّخ اليوم لم يعد من سدنة معبد الماضي فقط وإنّما انخرط في السّجالات الفكريّة و الثّقافيّة السّائدة الّتي ما انفكّت تؤرّق الفكر الانساني في ظلّ تغيّرات سريعة ومعقّدة يشهدها عالمنا اليوم والّتي أسهمت وبلا شكّ في إعادة النّظر ومراجعة عديد الأفكار والتّيارات السّياسيّة والفكريّة هذا فضلا عن   السّرديات الكبرى  و الأيديولوجيات وذلك كلّه  من أجل إعادة فهمها والأهمّ من ذلك جعلها مواكبة لروح العصر و”سنن الزّمان ” حتّى لا تبدو لنا مبتورة عن الواقع وعن السّياق المجتمعي السّائد أو مجرّد ديكور عتيق ينتمي إلى الأزمان الغابرة والسّحيقة.

ومن أهمّ السّجالات الفكريّة الّتي أسالت حبرا كثيرا وحظيت باهتمام كبير من لدن المؤرّخين والفلاسفة هي تلك المتعلّقة بالماركسيّة والحركات اليساريّة وعلاقتها بالرأسماليّة اليوم والعولمة والتّحولات الاقتصاديّة والاجتماعيّة السّريعة الّتي لم تنفكّ عن نحت وجه جديد لعالمنا المعاصر.

وفي هذا الإطار يتنزّل كتاب المؤرّخ  والمفكّر التّونسي  “الهادي التّيمومي” المعنون “باليسار العالمي الجديد أمام تحدّيات الرّاهن”، و قد صدر عن دار محمد علي للنّشر تونس ودار الفارابي بيروت في سبتمبر 2018 .

ويأتي هذا الكتاب بعد الذّكرى المائويّة الأولى للثّورة البلشفيّة (2017) والذّكرى المائويّة الثّانية لميلاد ماركس (2018) وهو كتيب صغير من حيث الحجم لكنّه دسم من حيث المادة فهو كما وصفه الكاتب عبارة عن “مغازة أفكار” يحتوي أهمّ النّقاشات الّتي تدور اليوم حول الرأسماليّة وحول كيفيّة وصول اليسار للسّلطة وتحقيق أهداف الحريّة والعدالة الاجتماعيّة .

ويعدّ المؤرّخ الهادي التّيمومي من الوجوه الثّقافيّة البارزة في تونس وفي العالم العربيّ فقد انخرط هذا الأخير في الجدل الثّقافي والفكريّ بطرقه منذ عقود لأهمّ القضايا الّتي تهمّ الواقع العربي الرّاهن عموما والتّونسي خاصّة فقد كتب هذا الأخير عن ” التّشكيلات الاجتماعيّة والاستعمار الرّأسمالي ” مبتدعا في ذلك نظريّة في التّاريخ الاقتصاديّ تؤمن بوجود نمط إنتاج خاصّ بالواقع  النّوعي التّونسي  وهو نمط الانتاج المخامسي كما طرق هذا الأخير مسألة الهويّة من خلال كتابه “كيف صار التّونسيون تونسيين” الّذي درس فيه الشّخصيّة التّونسيّة و سيرورة تشكّلها عبر التّاريخ كما كتب عن التّاريخ التّونسي والفترة البورقيبيّة في كتابه تونس 1956-1987، وألّف  كذلك كتبا في المناهج التّاريخيّة وفي المدارس التّاريخيّة مثل  كتاب “مفهوم التّاريخ وتاريخ المفهوم” والمدارس التّاريخيّة الحديثة” هذا فضلا عن عديد الدّراسات الأخرى المتعلّقة بالقوميّة العربيّة وبالنّشاط الصّهيوني بتونس.

لذلك يمكننا اعتبار التّيمومي  من طينة ذلك المثقّف العضويّ الّذي يسعى دائما ليس فقط إلى  تحليل الواقع ومقاربته مقاربة تاريخيّة موضوعيّة  تستأنس بالماديّة التّاريخيّة وبالمنجزات الحديثة للمدارس الغربيّة وبالمناهج العلميّة الرّائدة وإنّما كذلك يسعى إلى تغييره وابتداع مناهج مستحدثة في الفكر التّاريخيّ العربيّ وهو ما سنبيّنه من خلال تقديمنا لهذا الكتاب الّذي وضعه ليكون كتابا بيداغوجيا تعلميا كما يؤكّد على ذلك في التّوطئة لأنّه يضمّ أهمّ السّجالات النظريّة الّتي تدور حاليا في أوساط اليسار الراديكاليّ العالميّ اليوم وذلك في إطار عزمه على الخروج من واقع تسييس الثّقافة إلى واقع تثقيف السّياسيين والسّياسة.

ويفتتح التّيمومي هذا الكتاب الّذي يحتوي ثلاثة فصول  بمقدمة عامّة أكّد فيها على ضرورة فهم المؤرّخ اليوم للعالم المعاصر الّذي يحمل الكثير من التّعقيد  والأسرار وخاصّة ضرورة فهم الماركسيّة اليوم وأفكار اليساريين والوقوف على الأسباب العميقة للظّواهر كالعولمة والنيوليبراليّة المتوحّشة وثورة المعلومات والروبوتات.

أمّا الفصل الأوّل فقد ورد تحت عنوان ثورة أكتوبر البلشفيّة واليسار الراديكالي العالمي والاعتزاز النّقدي بالمرجعيّة الأمّ وقد أكّد فيه التّيمومي على الاشعاع العالمي الّذي ميّز الثّورة البلشفيّة الّتي مثّلت ولا تزال أهمّ مرجعيّة بالنّسبة للمفكّرين والمناضلين اليساريين الرّاديكاليين وقد تساءل كذلك عن أسباب فشل هذا المشروع الّذي أسهم بحظ وافر في نشر قيم العدالة الاجتماعيّة وطور العلم والثّقافة والصّحة وحرّر المرأة وبالنّسبة إليه فإنّ  الأسباب  متمثّلة أساسا  في الانحرافات الّتي قامت بها السّلط آنذاك وهي متعدّدة و كذلك نجد جملة من الاكراهات الخارجيّة الّتي أسهمت بدورها في إجهاض هذا المشروع.

ويستعرض الدّكتور التّيمومي هنا أهمّ التّيارات الفكريّة و اليساريّة الّتي أسهمت بلا شكّ في التّأثير في الفكر اليساري وتطويره ومن أهمّ هؤلاء “أنطون باناكو” ,”جورج لوكاتش”, “أنطونيو غرامشي”, “كارل مانيهام” “مدرسة فرانكفورت” “حركة ماي 1968” كما يرى الأستاذ الهادي التّيمومي  أنّ اليساريين الراديكاليين قد تأثّروا بشخصيات أخرى غير ماركسيّة مثل “سبينوزا” “هيغل” “ماكس فيبر” “كارل شميث” “جان بول سارتر” “بيار بورديو” “ميشيل فوكو” “جاك داريدا” “جيل دولوز” و أخيرا “جاك لاكان ”

ينتقل الآن الأستاذ الهادي التّيمومي إلى الفصل الثّاني وهو الفصل الرئيسي في هذا الكتاب حيث تناول فيه  أهمّ الأفكار الّتي يطرحها   اليسار الراديكالي العالمي اليوم في العديد من القضايا و المسائل الرّاهنة الّتي تكتسي من الأهميّة بمكان وقد تناول في البدايّة مسألة تناقضات الرأسماليّة المعولمة مبرزا عددا من تحاليل كبار اليساريين الرّاديكاليين وأفكارهم  وسنستعرض هنا ملخّصا (سنقتصر على ذكر أهمّ أفكار كلّ فيلسوف باختصار شديد) لأهمّ أفكار كلّ فيلسوف.

ينتقل الأستاذ التّيمومي بعد ذلك إلى مسألة أخرى حظيت باهتمام كبير من لدن اليساريين الرّاديكاليين وهي الدّراسات ما بعد الكولنياليّة الّتي برزت في ثمانينات القرن الماضي وتهدف إلى الوقوف ضدّ الفكر والعلم الغربيين اللّذين دنّسا تواريخ البلدان المستعمرة سابقا وثقافتها.

ويعتبر الكاتب أنّ الهنديّة الأمريكيّة قايرتريه سبيفاك أهمّ رائدة في هذا المجال حيث انتقدت بشدّة الكثير من دراسات التّابع( الدّراسات الهنديّة الّتي تقوم على إعادة الاعتبار لكلّ الّذين هم من أسفل وغيّبهم التّاريخ البريطاني الاستعماري) لأنّ هؤلاء ورطوا أنفسهم في متاهات البحث عن الأصول وهو أمر غير ممكن في نظر سبيفاك.

يتناول الكاتب فيما بعد مسألة الواقع الاجتماعي حيث أراد معرفة كيفيّة معالجة اليساريين الرّاديكاليين للمشاكل المجتمعيّة المترتّبة عن التّحولات الاجتماعيّة والثّقافيّة الكبرى في العالم ومن أهمّ المفكّرين الّذين أدلوا بدلوهم في هذه المسألة يذكر الكاتب:

ينتقل التّيمومي بعد ذلك إلى محور هامّ يكتسي من الأهميّة بمكان اليوم وهو السّلطة ونقض السّلطة مستعرضا أفكار أهمّ اليساريين الّذين   اهتمّوا بهذه القضيّة و يذكر من بينهم:

يتطرّق الكاتب فيما بعد إلى موضوع الدّيمقراطيّة الّتي أصبحت من أهمّ القضايا المهمّة اليوم في خضم التّحولات السّياسيّة الرّاهنة ومن أهمّ المفكّرين الّذين طرّقوا هذا الموضوع يذكر التّيمومي:

ينتقل التّيمومي فيما بعد إلى محور الإعلام والدّعاية و يعود اهتمامه بهذا الموضوع  إلى عودة الرّقابة والاستعمار الثّقافي والدّعاية اليوم  وانتقال البشريّة من ثقافة الفكرة إلى ثقافة الصّورة. ومن أهمّ المفكّرين الّذين طرقوا هذا الموضوع يذكر الكاتب:

يتناول الكاتب فيما بعد موضوع له علاقة بالبيئة وهو الأيكولوجيا السّياسيّة ويرى منظروها أنّ البيئة أهمّ فكرة ظهرت في العالم منذ ظهور الليبراليّة والاشتراكيّة في القرون الماضية ومن أهمّ اليساريين الّذين تناولوا هذه الفكرة يذكر الكاتب:

يتطرّق الكاتب فيما بعد إلى موضوع الحركات ما بعد النسويّة الّتي ظهرت في ثمانينات القرن الماضي في العالم الغربيّ وخاصّة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة فإنّها طالبت بتجاوز مقولتي الذّكر والأنثى ومن أهمّ من طرق هذا الموضوع نذكر:

يمرّ الكاتب فيما بعد إلى مسألة جدّ مهمّة اليوم وهي المسألة الدّينيّة فإذا كان قد غاب على ماركس أنّ الدّين يمثّل بعدا أنتربولوجيا صميميا لدى الإنسان فإنّ اليساريين الرّاديكاليين قد تساءلوا حول الدّين وأسباب عودة الأصوليات اليوم وبقوّة ومن أهمّ هؤلاء يذكر الكاتب:

يتعرّض الكاتب فيما بعد إلى مسالة القوميّة الّتي تعتبرها الماركسيّة  أهمّ مقولة  ظهرت خلال عصر الرأسماليّة  ومن أهمّ هؤلاء:

ينتقل الكاتب فيما بعد إلى موضوع هامّ وهو فكرة ما بعد الحداثة ويرى أنّ الإشكال يكمن في أنّ هل ما بعد الحداثة يعبّر عن مجتمع جديد في العالم الغربي أم عن خطاب جديد و ثقافة جديدة ومن أهمّ اليساريين في هذا المجال يذكر الكاتب:

وبهذا ينتهي هذا الفصل الثّاني الّذي حاول فيه الكاتب التّطرق إلى أهمّ المسائل الّتي بحث وفكّر فيها اليسار الرّاديكالي اليوم لينتقل بذلك إلى الفصل الأخير المعنون باليسار العربي والتّونسي أليس الصّبح بقريب؟

إذ يرى الكاتب أنّ المطروح على اليساريين العرب اليوم إحياء الاشتراكيّة على أسس جديدة تغيّر الواقع كما يتوجّب كذلك  خلق رأسماليات عربيّة متمحورة حول الذّات أي موجّهة لخدمة أغراض الدّاخل الوطنيّ لا الخارج الامبرياليّ.

يختتم التّيمومي هذا الكتاب بخاتمة عامّة يؤكّد فيها على ضرورة الاستئناس بنظريات كبار اليساريين الراّديكاليين لكن مع تجنّب إسقاطها على الواقع التّونسيّ وضرورة الوقوف على واقعنا النّوعي الخاصّ الّذي  يتأتّى من التحامنا اليوميّ  بواقع المضطهدين.