التّباين التّفاضلي بين الجنسين تكوين العقل الإنساني البدائي[1]

ترجمة وتقديم: نجاة النرسي

تقديم:

ولدت فرانسواز إيريتييه يوم 15 نوفمبر 1933، وتوفيت في اليوم نفسه من الشهر نفسه عام 2017 بباريس. وهي عالمةٌ إثنولوجية وأنثروبولوجية، تتلمذت على يد الأنتروبولوجي الكبير كلود ليفي ستروس، الذي رشحها للكرسي الذي شغلته في ما بعد وهو كرسي “دراسة مقارنة للمجتمعات الأفريقية” بكوليج دو فرانس من سنة 1982 إلى غاية سنة 1998. وقد حازت  مجموعة من الجوائز، وتقلدت عدة مسؤوليات في مجالس وطنية مختلفة ببلادها.

اشتغلت إيريتييه على الأنثروبولوجيا الاجتماعية، على نظام القرابة واشتغال أنساق التحالف شبه المعقدة، وعلى مفهوم نكاح المحارم، وعلى علاقات ومقولات الجنسين، وعلى العنف، وعلى الأنثروبولوجيا الرمزية للجسد. ولعل أهم مفهوم نحتته إيريتييه هو مفهوم “التباين التفاضلي بين الجنسين” LA VALENCE DIFFÉRENTIELLE DES SEXES الذي اعتبرته مؤسسا للتراتبية بين الجنسين منذ العصر الحجري القديم، وترى أن هذا التباين التفاضلي قد انبنى على ثلاثة أسس هي: منع النساء من الوصول إلى المعرفة، ومنعهن من الوصول إلى السلطة، والحيلولة دون الحرية في تصرفهن في أجسادهن. لقد تفوقت الطالبة على أستاذها كلود ليفي ستروس حين اكتشفت هذا البعد الغائب في تأسيسه لنظام القرابة والتفاوتات الاجتماعية بين الجنسين، التي اعتبرها طيلة أبحاثه تفاوتات طبيعية وفطرية.

يستمد هذا الحوار أهميته من استعادة فرانسواز إيريتييه لمسارها العلمي الطويل في البحث الانتربولوجي، حيث تسلط من خلاله الضوء على ظروف وملابسات توصلها إلى بناء مفاهيم مؤسسة لدراسات التاريخ الأنتربولوجي بخصوص نشأة الهيمنة الذكورية. ولطالما أشارت إيريتييه إلى أنها أتت إلى التنظير لهذه الهيمنة، بفعل اشتغالها أساسا على أنساق القرابة، حيث لاحظت طيلة الخمسين سنة التي استغرقتها أبحاثها، بأن الذكورة تظل هي السند الذي يحدد أشكال القرابة، في تجاهل تام للصيغ الأنثوية المقابلة لها. لم تتخصص الباحثة إذن في انتربولوجيا الجندر منذ بداية اشتغالها على القرابة، بل قدِمت إلى هذه الأنتربولوجيا من بحثها عن مسببات التفاوتات في الموقع الاجتماعي لكلا الجنسين. إذ رغم عدم امتلاك المجموعات البشرية البدائية للمعرفة المتوفرة اليوم، إلا أنها هي من وضع الأسس المشكلة لمعارفنا الحالية. انطلاقا من تأويل هذه المجموعات لمحيطها الطبيعي والإنساني انطلاقا من حقائق تسميها إيريتييه “مصدات كبرى للفكر” De grands butoirs de la pensée ، وهي حقائق ووقائع لا يمكن اختزالها، أشبه بالبديهيات والمعلومات بالضرورة، فهي عصية على التجاوز والتجزيء والانتقاء والالتفاف، أولها:  طول المدة الفاصلة بين الولادة واكتمال النمو لدى الجنس البشري، مما يعرضه للتبعية والوصاية والهيمنة من قبل من هم أكبر منه سنا، ثانيها: وجود اختلافات بيولوجية بين جنسين اثنين بالرغم من تسجيل حالات استثنائية وملاحظتها، ثالثها: استحالة حدوث الحمل لدى الذكور، مقابل قدرة النساء على إنجاب الجنسين معا، ثم رابعها:  ضرورة حدوث اتصال جنسي لإنجاب الأطفال، مما نتج عنه بناء أنموذج للفكر يستند إلى فرضية أن الرجال يُودِعون الأطفال في أجساد النساء، وبالتالي عليهم الاستحواذ على أجسادهن وحيازتها، إلى غيرها من مصدات أخرى أسهمت بدورها في بناء فكري متكامل للغاية يؤسس للتفاوتات بين الجنسين.

ولعل أهم الخلاصات التي توصلت إليها إيريتييه نتيجة لمرافقتها الطويلة لهذه الإشكاليات، إضافة إلى نحتها لمفهومي “التباين التفاضلي بين الجنسين” و”التباين التفاضلي بين الأجيال”، والتي لم تلفت نظر قرائها بما فيه الكفاية، هي أن الأسس الثلاثة للتباين التفاضلي بين الجنسين: منع النساء من الوصول إلى المعرفة، ومنعهن من الوصول إلى السلطة، والحيلولة دون تمتيعهن بالحق في حرية التصرف في أجسادهن، وهي الأسس التي تشكل خلفية تنظيم العلاقة بين المؤنث والمذكر، بل عماد جميع علاقات الهيمنة مثل نظام العبودية الذي يحول دون ممارسة المستعبَد حق التصرف بحرية في جسده، ومنعه من الوصول إلى المعرفة، وصده عن بلوغ السلطة. وعلى هذه القاعدة تنسج العلاقات الاستعمارية هيمنتها، مرتكزة على تلك الطرائق الثلاث، وهي الطرائق المرتبطة بـ “لغة الهيمنة” بكل ما تعنيه من احتقار واستخفاف ونظرة دونية وتنقيصية. وتعتبر هذه المقاربة من الأهمية بمكان، من حيث إنها تؤسس لأصول العنف داخل المجتمعات البشرية من وجهة نظر أنتربولوجية.

مِن بين مؤلفات فرانسواز إيريتييه : تمرين القرابة (1981)، في العنف (جزءان، 1996 و 1999)، مذكر/ مؤنث (جزءان، 1996 و 2002)، اختلاف الجنسين (2010)،  عودة إلى الأصول (2010)، ملح الحياة (2012)، طعم الكلمات (2013).

نص الحوار:

باسكال مولينيي: كيف نصير فرنسواز إيريتييه؟ وكيف نصبح من أعلام الدراسات الإفريقية؟ وعالمة أنثروبولوجية معترف بها عالميا؟ هل كان ذلك بِداعٍ من الفضول أو بسبب لقاءات معينة؟

فرانسواز إيريتييه:

ـ أصبحت عالمة أنثروبولوجيا بالصدفة، كما حدث معي في أمور كثيرة في حياتي. لقد قلت دوما لطلبتي: إننا نبني الحياة باغتنام الفرص السانحة التي تأتي في الوقت المناسب، من غير تردد يستند إلى وساوس أو إلى رغد العيش اليومي.

التوجيه الأول، والأكثر أهمية، هو لقائي بمجموعة من طلبة الفلسفة، فقد كنت طالبة بجامعة السوربون في شعبة التاريخ والجغرافيا، وكان هؤلاء الطلبة لا يكفون عن الحديث بتمجيد عن كلود ليفي ستروس، الذي يقوم بالتدريس في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا بباريس، بعد عودته من إقامته في الولايات المتحدة. لقد دفعني الفضول لاستطلاع أمره، فكان أن تابعت لمدة عامين دروسه، خلال فترة إعدادي لشهادة التبريز في التاريخ، حيث وقَعْتُ، وبدون مبالغة، في فتنتها. سيصعب علينا في الوقت الراهن أن ندرك أهمية هذا الاكتشاف، لأننا نعيش اكتساحا للأفلام الوثائقية، فنحن نعرف بالضبط كيف يتصرف شعب البابو أو أي شعب آخر. لكن في  سنتي 1954-1955، لم يكن الحال على ما هو عليه الآن. لقد كنت أظن بسذاجة أن أنماط تفكيرنا كونية،  كطرقنا في تسمية آبائنا على سبيل المثال، لأكتشف فجأة أن ذلك ليس صحيحًا. لقد شيد كل مجتمع بشكل تدريجي نموذجا خاصا به انطلاقا من بعض النماذج الأساسية، وتكفلت الأنثروبولوجيا بدراسة القوانين التي تحكمها والثوابت التي توحدها. لقد كنت تحت تأثير الانبهار التام.

اخترت أن أصبح عالِمة في الأنثروبولوجيا عندما استجبت لعرض قدمه زميل لليفي ستروس كان قد أنشأ معهدًا للعلوم الإنسانية التطبيقية ويبحث عن شابين، رجلين شابين، أحدهما  إثنولوجي وثانيهما جغرافي، وذلك للقيام برحلة في مهمة إلى فولتا العليا. فتقدم رجل لمنصب الإثنولوجي، فيما ترشحتُ لمنصب الجغرافي. رفضَت مصلحة المياه في حكومة غرب أفريقيا الفرنسية ترشيحي لأنني امرأة، ورغم كل ما تلقيته من دعم كبير من قبل ليفي ستروس، فإنه لم يكن ليُقْبَل ترشيحي بسبب هذا العيب الأساسي… ومن حسن حظي أنه لم يتقدم مرشح ذكر، فتم قبولي على مضض،  ثم دارت حياتي على لعبة الحظ هذه.

كان عمري 7 سنوات، أثناء الحرب، في عام 1940، حيث دأب أهلي على إرسالي  إلى مزارع في منطقة أوفرنيا( منطقة قروية جبلية وسط فرنسا) لدى أعمامي وعماتي الذين كانوا يعيشون حياة لم تعد قائمة اليوم.  كانت الثيران تجر العربات، ولا وجود لآلات الدرس والحصاد… وكانت هذه الحياة تثير رغبة طفلة صغيرة في أن تعيشها. ولكن فضلا عن ذلك و بجانب هذا التعلم المرتبط بالأرض التي أحببتها، كانت هناك أشياء أذهلتني بسبب شدة ظلمها وحيفها، دون أن أهتدي إلى سبيل للإمساك بخيوطها بغية الوصول لمعالجتها؟ يتعلق الأمر، بوضوح، ببنات عمومتي المسنات، أو كن يَبْدون لي مسنات، اللائي لا يجلسن إلى المائدة بل يقفن لخدمة الزوج والأبناء. كن يَخْدمن الخدم  ويخدمنني أنا ابنة العم الصغيرة،  ويسرعن بلا كلل لتقديم الماء، والنبيذ، ومختلف الأطباق، ما بين الفرن والمائدة، ويأكلن ما يفضل من طعام. عندما يحضرن حساء أرانب أو دجاج، كن يأكلن رأس الأرنب أو هيكل الدجاج، – ويدعين أنه نصيبهن، وكان ذلك أشد ما أثار استغرابي  ـ لقد صُدمت لأن عائلتي تعود أصولها إلى منطقة أوفرنيا، غير أن والدتي كانت تجلس إلى المائدة.

كانت أكبر دهشة لي، ذات طبيعة فكرية، تتمثل في النظر إلى  لوحات تمثل “أعمار الحياة”. يتعلق الأمر بأهرام مكونة من درجات، كل درجة تعادل عشرة أعوام من حياة الشخصية المرسومة، وأسفل كل درجة كتب بيتان من الشعر في وصف الوضع في اللوحة. ما كان لافتًا للنظر هو أن الرجل يكون دوما وحيدا إلا في العشرين من عمره وفي سن الثلاثين: في العشرين من عمره لأنه “يتزوج تبعا لميل قلبه”، كما يقول النص الشعري. وفي سن الثلاثين، لأنه ” معجب بالزوجة والأطفال، وهو منتش بانتصاره”.  قد نراه في هيئة قناص، لكنه غير متجاهَل. أما الطفل فصبي صغير يقرع الطبل، قد يكون الطفل الموجود في أحضان الزوجة بنتا، وهناك احتمال كبير أن يكون الأمر غير ذلك. أما في باقي الأعمار، فنلفي الرجل وحيدا، يتحكم في مصيره. وفي سن الخمسين، أي عندما يعتلي قمة الهرم، فإنه يفتح ذراعيه في حركة جد معبرة: “إنه يعانق الماضي والمستقبل”. ثم ينحدر ببطء إلى القبر، مثل الجميع، لكن من ” دون اضطراب”، بعد أن عاش ملء حياته.

أما عندما ننظر إلى أعمار المرأة، فإن الصورة في اللوحة تبدو مختلفة تماما، حيث لا تظهر المرأة وحيدة إلا في حالتين: في سنتها العاشرة من عمرها، صحبة دميتها، وعند بلوغها المائة سنة، وهي مستلقية على كرسيها. لكنها لا تموت بدون اضطراب، بل تموت “بدون جسارة”.

ـ ( تواصِل حديثها) بعد ذلك نراها تنزل السلم، كل عشر سنوات، متكئة على حفيد أو ابن حفيد، وبجانبها دوما رفيق! بالطبع، كانت هذه اللوحة الأسوأ في تصوير العلاقة بين الجنسين في ثقافتنا الغربية. ببساطة، بالنسبة للطفلة التي كنتها، كان من الضروري فك شفرتها، ولم أكن أمتلك الأدوات اللازمة للقيام بهذا الأمر،  لذلك كان يتملكني ذهول كلما صعدت السلالم، حيث كانت تينك اللوحتان الحجريتان موضوعتين على بسطة السلم. أتذكر هذا الأمر كما لو أنه حدث بالأمس القريب. في وقت لاحق،  دفعني توالي عدد من المظالم والضربات في حياتي المهنية إلى مساءلة علاقة الثقة التي كانت تجمعني بالعالم، لكن العامل الحاسم ما يزال هو الفضول الفكري الذي نتج عن البيانات الميدانية التي خزنتها طوال العشرين سنة الأولى من البحث. وباعتباري عالمة أنثروبولوجيا متخصصة في القرابة، فإنه خلال أول بحث ميداني لي في بوركينا، افتتنت بمجموعة بشرية تسمى السامو[3] تسكن القرى التي دأبنا على التوقف فيها من وقت لآخر لإجراء أحاديث واتصالات.. فقد عدت إليها وصنفت كتابًا سلسا إلى حد ما، أعني قابلا للقراءة. لن أتحدث عن ذلك بالتفصيل، أحب أن أذكر حقيقة أن لدى السامو نظام قرابة كنا نجهل وجوده في افريقيا، يطلق عليه اسم “Omaha”، نسبة إلى قبيلة من الهنود الحمر بالولايات المتحدة، حيث تم اكتشافه ووصفه لأول مرة. وأقصد بنظام القرابة مجموعة من المصطلحات التي نستخدمها للإشارة إلى جميع الأشخاص الذين يقربون لنا: الأب ، الأم ، الإخوة ، الأخوات ، أبناء الأخ، البنات، الأعمام والأخوال ، العمات والخالات. ويبدو لنا جميعا أن هذا النظام مستمَد حرفيا من الطبيعة نفسها للأشياء. لكن الأمر، في الواقع، غير ذلك، فهو من صنع الذهن وحصيلة تركيب لمجموعة  من السمات التي تختلف في درجة ملاءمتها والتي يتبناها هذا المجتمع أو ذاك. يمتلك شعب الأوماها نظامًا مثيرًا للغاية اشتغل عليه كثيرا علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيون، يقوم هذا النظام باختصار على توسيع فئات “الأخ” و “الأخت” لتشمل أولئك الذين ينحدرون من أخ أبيهم وأخت أمهم (والذين نسميهم نحن  “أولاد عمومة وخؤولة”). لكن أولئك الذين ينحدرون من أخت الأب، يتم إنزالهم وإلحاقهم بالجيل الأدنى وما سفل، ويطلق عليهم “أبناء العمة وبناتها”. ثم الأطفال المنحدرون من أخ الأم، أي من الخال، تطلق عليهم الأنا الذكورية تسمية “العم” و “الأم”. فأنتم ترون جيدا أن لا علاقة لهذا كله بالطبيعة، إذ  تكون المسألة محصلة ثقافة.

لقد أدركت بسرعة، طبعا، أن الجميع، في نسب أبوي ما، كان موصولا بالقرابة مع الرجال فقط: فالنساء لا ينقلن النَّسب.  فرجل ما(أنا ذكورية)، في خطه النَّسبي، لديه أخوات وعمات أو خالات، يلدن أطفالا يسميهم أبناء وبنات الخالة والعمة، وهذا يعني أنه بالنسبة لجميع النساء من الخط النسبي الواحد، وبغض النظر عن درجة النَّسب  مع الأنا الذكورية ، لا يؤخذ بعين الاعتبار ترتيبهن الجنيالوجي، حيث يتم إنزالهن إلى ما دون جيل هذه الأنا الذكورية.  كل هذا كان مثيرا شيئا ما للفضول والاهتمام.

لقد قمت بتوسيع هذا السؤال ليشمل اشتغالي على تحريم سفاح القربى – ظهر هذا التحريم بشكل مبكر جدًا في تاريخ الإنسانية، ليحول دون اختيار الزوج من الأقرباء في الأسرة الصغيرة، بل بالضرورة من خارج هذه الأسرة. إن هذه المحظورات المتعلقة بالزواج توجد، بطبيعة الحال، في جميع المجتمعات بطرق مختلفة، فهي وضعية كونية، ويتم الإعلان عنها دائما باسم رجل. إنه أمر محرج في حد ذاته، لكن السبب قد يعود، في نظر فقهاء القانون، إلى كون المحظورات متبادلة أو متماثلة. أعني بذلك أنك إذا قلت إن الفتى لا يستطيع أن يتزوج بنت خالته ، فيمكنك أن تقول بالمقابل وبنفس الطريقة إن الفتاة لا يمكنها أن تتزوج ابن عمتها (فهناك معاملة بالمثل)، ولكن  ذلك لا يقال لأنه سيكون “إطنابا لا لزوم له” ، وبالتالي عديم الفائدة. قد أقبل فكرة الإطناب، في حين تدهشني هذه الكونية التي تجعل  المحظورات تصاغ دائما باسم الرجال. يصبح الأمر مشوقًا جدًّا حين يعثر المرء على نصوص مكتوبة.

لقد كانت لدى الحيثيّين  Les Hittites في القرنين السابع والثامن قبل الميلاد (شعب قديم استوطن بلاد الأناضول وأسس مملكة عظيمة) سلسلة كاملة من المحرمات: يمنع على الرجل أن يتزوج أمه أو ابنته أو أخته … كما يمنع عليه أن يتزوج من زوجة أبيه، أو زوجة أخيه، أو زوجة ابنه. ونلفي لديهم بندا آخر ينص على عدم إمكان، ” أن يجمع في زواجه بين الأختين ووالدتهما”. كان هذا النظام إشكاليا وملتبسا للغاية، وسعى معظم المؤرخين الألمان المتخصصين في تأريخ الحيثيّين لمعرفة ما يمكن أن تعنيه تلك العبارة الغامضة “الأختين ووالدتهما،” بما أنهن لا يرتبطن بقرابة دموية مع هذا الرجل. لكن، وبفضل إشراقة، من النوع الذي يحدث لنا فجأة بعد استغراقنا في سؤال ما وقتاً طويلا، أدركت أن القرابة الدموية المعنية هي بين الأختين وأمهما، وهذا هو سفاح المحارم من النوع الثاني. بهذه الصيغة المعقدة، كنا نعلن بصيغة المذكر ما لم تكن الثقافة تجيز أن يقال بصيغة المؤنث:  أي وبتقابل تماثلي، لا تستطيع المرأة فحسب أن تتزوج زوج أمها، أو زوج أختها أو زوج ابنتها، بل إن هذه الاستحالة نابعة منها. كل هذه الاعتبارات تعني ببساطة أن النساء كائنات لا تتمتعن بوضع حقوقي وقانوني. هذه هي العناصر والأسئلة التي قادتني مباشرة إلى مسألة الجندر.

المصدة الأولى: وهي تباطؤ نمو نوعنا البشري  La néoténie  (إطالة للطفولة واستدامة مرحلتها، أو طول المدة الفاصلة بين الولادة واكتمال النمو لدى النوع البشري)، حيث إننا ونحن صغار، ودون باقي أنواع الحيوانات، نقضي فترة طويلة قبل التمكن من تحقيق الاستقلالية. يؤدي تباطؤ النمو هذا إلى شيء مهم للغاية أغفلته الأدبيات العلمية كلية، وهو أنه: لا يوجد فرد واحد في العالم ، باستثناء ربما الأطفال- الذئاب (إن ثبت حقا وجودهم!)، لم يعش تجربة طويلة مع السلطة والوصاية و هيمنة من هم أكبر منه سنا. فالطفل لا يعتمد فقط عاطفيا على الكبار، بل هو أيضا تحت سلطتهم، وخاضع لهم. وبفضل المفهوم الذي سميته “التباين التفاضلي بين الأجيال” ، فإن من ولدوا قبلنا هم أعلى درجة. يمثل الأولاد الكبار بالنسبة للصغار ما يمثله الآباء للأطفال: فهم أشخاص أعلى مرتبة من الذين يصغرونهم سنا، لأنهم وُلِدوا قَبلهم.

المصدة الثانية: وهي أنه لا وجود إلا لجنسين اثنين مميزين وبارزي الملامح، وهناك بالطبع حالات “خنثى”… لكنها حالات استثنائية. وقد لاحظ الناس وحيثما ولوا وجوههم في عالم الحيوان أيضا، وعلى الرغم من اختلاف الأنواع، أن ثمة دائما هذا الثابت، وهذا ما عاينه أسلافنا، فاتخذوه مادة  لبناء نظامهم الفكري. ثم لاحظوا أيضا استحالةً طبيعيةً لحدوث حمل لدى الذكور، عند الأنواع الحيوانية وعند النوع البشري، على حد سواء، في حين أن النساء بالمقابل يلدن أطفالا من الجنسين. ولعل هذا الأمر، في اعتقادي، هو ما سيكون موضوع السؤال الكبير الذي طرحته البشرية، ودليله موجود في الأساطير، وهو: كيف تأتى لهن أن ينجبن ذكورا، والحال أنه كان يتعين عليهن الاكتفاء بإعادة إنتاج أجسام مشابهة لهن؟ ومن هنا تأتي أهمية الملاحظة الرابعة التي مفادها أنه لا وجود للأطفال بدون حصول اتصال جنسي، ففي الجِماع، هناك نقل مادة من جسد إلى آخر. لقد أسفرت هذه الملاحظة عن إنشاء  أنموذج للفكر في العصور البدائية، ووفقه فإن الرجال يُودِعون الأطفال في أجساد النساء، وإن أجساد النساء وضعتها الآلهة أو الأسلاف أو الجن تحت تصرفهم، حتى يتمكنوا من التكاثر والتناسل بتكلفة أقل، ودون معاناة أو مشاكل؛ وبالتالي فإن عليهم امتلاك أجساد النساء وحيازتها.

توجد مصدات أخرى للفكر ستسهم في بناء الأنظمة الكونية الشاملة؛ نذكر على وجه الخصوص ، أن الدم هو دعامة الحياة والحرارة والحركة، وهذا ما انتبهت إليه الشعوب التي تعيش على صيد الطرائد، عندما تقتل الحيوانات. وبما أن النساء ينزفن دما، فإن طبيعتهن تعتبر أكثر برودة من طبيعة الرجال الذين سيصنفون ضمن الطبيعة الحارة. هنا نلج بالفعل في نظام فكري متكامل البناء، سنعود إليه بعد حين.

موازاة مع تأسيس الأنساق القهرية سيتم وضع ثلاث قواعد كبرى، تواكبها قاعدة رابعة تتكفل  بإحكام إغلاق النسق. أولى القواعد تُقضي باستحالة أن تقرر المرأة مصيرها بنفسها: كأن تقرر في من سيكون زوجها، وكم عدد أطفالها.  في بعض البلدان، وفي عدد من المناطق، مازالت المرأة المريضة لا تستطيع أن تقرر في شأن الذهاب إلى الطبيب بمفردها، أو أن تقرر في ما يحدث لجسدها. القاعدة الثانية، ظهرت مع الكتابة، وتحظر على النساء الولوج إلى التعليم لأنه يمكن من الانفتاح على الفكر النقدي. القاعدة الثالثة تتجلى في استحالة وصول النساء إلى  السلطة. والرابط بين كل هذا هو الإرساء التدريجي للغة الهيمنة التي تمر عبر الإنكار، والازدراء والتحقير والتنقيص، أي ما يطلق عليه عمومًا الصور النمطية، أو الأحكام المسبقة، أو الكليشيهات، ولكنها تتجاوز كثيرا صنف “الصور النمطية المتقادمة ” التي ينبغي “محوها بجرة قلم” ؛ فهي لا تنمحي هكذا ، إنها لغة الهيمنة عينها.

لقد تم تبني قواعد اللعبة هذه عبر قرون وآلاف السنين لتؤسس بعد ذلك جميع أنساق الهيمنة الأخرى. حيث إنه من رحم النسق الجندري  تأسس الباقي. أضيف أن كل المجتمعات قدمت تعريفا للمذكر والمؤنث في النظام المفهومي، بالاستناد إلى مقولات  ذهنية  ثنائية ومتباينة، مثل الحار والبارد، الجاف والرطب، الأعلى والأسفل، الثقيل والخفيف، الخشن واللطيف…هذه المقولات المجنسنة هي، علاوة على ذلك، تراتبية، بحيث إن المقولة الإيجابية، في جميع الثقافات، هي تلك التي تناسب المذكر. مما يسمح بإبراز فكرة الصورة النمطية من ناحية، ويؤكد على أهمية هذا التباين التفاضلي الذي هو نموذج معرفي قوي للغاية، ورثناه، ببساطة، بواسطة التربية، جيلا بعد جيلا، وتشربت النساء طريقته في التفكير، بكل يسر وسهولة، وهذا جواب سؤالك الذي وجهته إلي آنفا.

ـ لنتحدث قليلا عن “الزواج للجميع”( القوانين التي تساوي في الحقوق بين جميع أشكال الزواج التقليدية أو المثلية). هناك بعض الشعارات المتداولة من طرف خصومه التي تسير في اتجاه ما سبق لك الحديث عنه بخصوص استمرارية مذهلة للغة الهيمنة، ومن هذه الشعارات:”لا بويضة في الخصيتين!”أبوان اثنان وأمان اثنتان، أطفال دون ملامح!”،”الطفل = أب وأم! “، “أب واحد وأم واحدة، نحن لا نكذب على الأطفال! “، “أب واحد، أم واحدة، أطفال طبيعيون! “، نلاحظ أن الرجل يأتي دوما في المقدمة.

ـ يتم تقديم هذه الفكرة وكأنها شأن طبيعي، ولكنها ليست كذلك. إنها مجرد بناءات ذهنية واجتماعية، تم منحها امتيازا خاصا: “أب واحد وأم واحدة” بمعنى كونهما غريبين عن بعضهما في البداية، أو لديهما قرابة دموية يسمح فيها القانون بالزواج بين أبناء العمومة والخؤولة مثلا، ولكن وفي كل الأحوال، فإن هذا الأمر ليس طبيعياً، بل هو بناء مصنوع بالطريقة التي حاولت أن أشرحها لك.

ننسى في معظم الأحيان، أننا لم نقدم أبدا، في مجتمعاتنا، مسألة وجود أب وأم لجميع الأطفال على أنها شيء طبيعي وبديهي. فقد تسامحنا في مجتمعاتنا البورجوازية، من العصور الوسطى إلى القرن العشرين، مع وجود “اللقطاء”، وهم أطفال من غير أب، تقوم على تربيهم أم عازبة، بعيدا عن ما نعتبره وضعا طبيعيا. والظاهر أن جميع “اللقطاء” لم يكونوا مجرمين، على حد علمي. يمكننا إذن بناء ذواتنا بدون الحاجة إلى صورة أبوية، وهذا يعني أن هذا الطفل كان محاطا بأم قوية بما فيه الكفاية، لاحتواء أنواع من التمثلات أو الصور الأبوية الأخرى القادرة على التعويض. ثم إننا نواصل عمليات بناء الرمزي، بشكل مختلف، وحسب ما أعتقده، فأن يكون لدى الطفل أبوان اثنان وأمان اثنتان،  ليس وضعا غير سليم بالنسبة له، مقارنة مع طفل له أم واحدة أو أب واحد فقط، أو طفل آخر لديه أب وأم معا. تكمن المشكلة برمتها في مدى تقبل الآخَرين هذا الأمر.

******

[1] LA VALENCE DIFFÉRENTIELLE DES SEXES, CRÉATION DE L’ESPRIT HUMAIN ARCHAÏQUE, Françoise Héritier et Pascale Molinier, ERES | « Nouvelle revue de psychosociologie » 2014/1 n° 17 | pages 167 à 176.

[2]   باسكال مولينيي، أستاذة علم النفس الاجتماعي، كانت تشغل إبان إجراء هذا الحوار نائبة مدير وحدة البحث في التكوين النفسي وعلم النفس المرضي بجامعة باريس.

[3] F. Héritier, Retour aux sources, Paris, Galilée, coll. « Contemporanéités », 2010.

[4] F. Héritier, Hommes, femmes : la construction de la différence, Paris, Le Pommier, 2010 ; F. Héritier, Masculin/féminin I . La pensée de la différence, Paris, Odile Jacob, 1996 ; rééd. 2012.

******

المصدر:

https://www.cairn.info/revue-nouvelle-revue-de-psychosociologie-2014-1-page-167.htm