لقد رفض جائزة نوبل للآداب، واضطر أن يزيل اسمه من قائمة الترشيحات، بعد أن رشحته الأكاديمية الروسية للعلوم، معللًا ذلك بأنه لا يستحق هذه الجائزة. كان يجيد العديد من اللغات: الإنكليزية، والفرنسية، والألمانية، ويقرأ اليونانية، واللاتينية، والإيطالية، والأوكرانية، والبلغارية، ومكتبته تضم 23 ألف كتاب بـ39 لغة مختلفة.
يعدُّ ليف تولستوي أحد أهم كتاب الرواية الروس في القرن التاسع عشر، إلى جانب كونه مفكرًا أخلاقيًا، وداعية سلام، كما تبلور ذلك في كتابه “الرب داخلك”.
ولد ليف نيكولا تولستوي في التاسع من أيلول/ سبتمبر 1828 في مقاطعة تولا جنوب موسكو في قرية (ياسينيا باليانا). توفيت والدته وعمره لم يتجاوز السنتين، وساعدت إحدى قريباته والده في تربيته مع أخوته. توفي والده وهو في سن التاسعة، والتحق بجامعة قازان لدراسة اللغات الشرقية ليتعلم اللغة العربية، واللغة التركية، وآدابهما، إلا أنه لم يفلح فيها، وقرَر أن يدرس القانون، لكنه لم يكمل دراسته، فعاد إلى منزله، وقرر أن يشرف على زراعة أراضيه.
وبمساعدة أخيه الذي كان ضابطًا في الجيش، قرر أن يكون هو الآخر ضابطًا في عام 1851، فخدم في جبل القوزاق، حيث وحدته العسكرية، وهناك شرع في كتابة روايته “القوزاق”، وهي تروي قصة يومياته داخل الوحدة العسكرية، لكنه لم يتم الرواية إلا بعد أن سُرِّح من الجيش. وفي أثناء حرب القرم، والمعارك مشتعلة، ينجح في كتابة روايته “الصبا”، التي تعد استكمالًا لروايته “الطفولة”، عبر فيها عن آرائه تجاه ويلات الحروب ومآسيها، وذلك في سلسلة كتبه التي حملت اسم “حكايات سيباستوبول”. وفور انتهاء حرب القرم، غادر الجيش عائدًا إلى موسكو، وفيها اكتشف شعبيته التي عمت الساحة الأدبية. بقي هناك زمنًا، ثم غادر إلى فرنسا، وألمانيا، وسويسرا، فرأى العالم المنظم والمعالم الجميلة، واتصل بالأدباء من أبناء هذه البلدان، واتضحت لديه معالم البلد شيئًا فشيئًا أمام عينيه، ثم عاد إلى بلده ليستقر فيه،
“كان يجيد الإنكليزية، والفرنسية، والألمانية، ويقرأ اليونانية، واللاتينية، والإيطالية، والأوكرانية، والبلغارية، ومكتبته تضم 23 ألف كتاب بـ39 لغة مختلفة”
وليعمل في المدرسة التي أنشأها لأبناء الفلاحين، وليقرر أن يوزع أراضيه الواسعة، وضياعه الكثيرة، على الفلاحين من أبناء هذه القرى. اقتدى به “غاندي” ربيب الترف الثري، وسليل بيت الحكم والجاه، فخلع كل ذلك، ووهب أراضيه ومزرعته للفلاحين، وأخذ يزرع معهم، وأسماها مزرعة تولستوي احترامًا منه لقيمة هذا الرجل العظيم.
تزوج تولستوي من صوفيا أندرييفيا بيريز، وهي ابنة أحد الأطباء عام 1862، وأقام معها في مزرعته الصغيرة. نشر روايته “الشباب”، التي تعد الجزء الثالث من سيرته الذاتية، ويقول فيها: “ومن الحب حب البشرية عامة الذي يضيق أو يتسع نطاقه على حسب قوة الروح، فينصبَ على مخلوق واحد، أو جملة مخلوقات، ومن هذا القبيل حبَ الأم، وحب الأب، وحب الأخ، والأولاد، والزملاء، والأصدقاء، وقد يبلغ ذلك الحبَ مداه فيكون حبًا لأبناء الوطن أجمعين، أو قد يصل إلى غاية الغايات فيكون حبًا لجميع البشر”.
بدأ تولستوي بكتابة روايته “الحرب والسلم” مع بداية زواجه، ونشرها تباعًا في مجلة (المراسل الروسي)، وعكست أحداثها الحقبة التاريخية التي عاشتها روسيا خلال حروب نابليون، بالإضافة إلى التغيرات التي حصلت في المجتمع، وتعتبر هذه الرواية من روائع الأدب الكلاسيكي، فهي عمل ملحمي يتناول بالتفصيل أحداث احتلال فرنسا لروسيا، وتأثيرات عهد نابليون والقيصر، من خلال عيون خمس عائلات روسية أرستقراطية.
يعد النقاد “الحرب والسلم” من أعظم الروايات في تاريخ الأدب العالمي التي تقف إلى جانب “إلياذة هوميروس” الشعرية في الجمال والتركيب، بل تتجاوزها من ناحية السعة والشمولية. “هذا الكتاب (مخلوق عجيب) على حدَ تعبير باسكال، فريد بين أحداث الأدب العالمي على مرَ السنين، وهو يشهد أيضًا بأن ما نسميه باسم “النفس الروسية” ولا نعرف قدراته الحقيقية ووظيفته إلا معرفة ناقصة… إنه يمتلك طاقة روحية فذة وخارقة”.
بعد ذلك، عكف على كتابة روايته “آنا كارنينا”، وهي رواية خيالية، لكنها تتعرض إلى حياة ليف تولستوي الشخصية، وعلاقته بزوجته، في أثناء فترة الخطوبة، وقد نشرها على دفعات، وساهمت عوائدها في زيادة ثروته. عانى تولستوي، بعد نشرها، من أزمة روحية بلغت حدَ الاكتئاب، الأمر الذي دفعه إلى اللجوء إلى الكنيسة.
ألَّف روايته “وفاة إيفان إليتش” في عام 1886، وألف بعدها رواية “الأب سيرغي” سنة
“يعد النقاد “الحرب والسلم” من أعظم الروايات في تاريخ الأدب العالمي التي تقف إلى جانب “إلياذة هوميروس” الشعرية في الجمال والتركيب، بل تتجاوزها من ناحية السعة والشمولية”
1898، ورواية “البعث” عام 1899، ورواية “الحاج مراد” عام 1904.
قدم تولستوي نفسه خلال الثلاثين عامًا الأخيرة من حياته بوصفه زعيمًا أخلاقيًا ومخلصًا روحيًا، ونجم عن ذلك أن زوجته كانت من أشد المعارضين له ولأفكاره، بخاصة المقاومة السلمية للشر، فساد الاضطراب والقلق علاقته بها، فما كان عليه إلا الاتجاه إلى السفر بعيدًا عن استياء زوجته وانتقاداتها، فمضى في رحلة طويلة مع ابنته وطبيبه، تلك الرحلة التي كانت شاقة عليه، وهو عجوز، إذ توفي بعد فترة وجيزة في 20 من تشرين الثاني/ نوفمبر، ودفن في مزرعة العائلة، لتطوى بذلك حياة أديب عظيم، وعبقري من عباقرة روسيا.
ذلكم هو ليف تولستوي “النبي الروائي” صاحب الدعوة إلى الإخاء والسلام، الذي كُتب له أن يشتهر بالرسالة، فينتهي الأمر بخلوده بالرواية، من دون الفلسفة الاجتماعية التي يحسب له فيها ثواب النية الصادقة والقلب الكبير.
وقد رثاه الشاعر أحمد شوقي في قصيدة مطلعها:
(تولستوي) تجري آية العلم دمعها عليك ويبكي بائس وفقير
ويندب فلاحون أنت منـــــــــــارهم وأنت سراج غيبوه منير.
ضفة ثالثة