حوار مع المؤلف الموسيقي اللبناني الفرنسي ناجي حكيم

 مقدمة

“الموسيقى لغة الصّمت”. هكذا يُعرّف ناجي حكيم، عازف الأورغن الكنسيّ والمؤلّف الموسيقيّ اللبنانيّ – الفرنسيّ، الموسيقى، التي تشكّل لغة تخاطبه مع الإنسان ومع “الخالق”.

ناجي حكيم هو المحاور الخامس في سلسلة حواراتي مع مؤلفين موسيقيين “عرب”، حيث حاورت، من قبله، كلًّا من عبدالله المصري وهُتاف خوري وأمين ناصر ومارسيل خليفة. ومع كلّ حوار، يزداد فُسيفساء مشهد التأليف الموسيقي “العربي” تنوّعًا وثراءً، مما يضعنا أمام “وثيقة” و”كشفٍ” لا سابقة له في أدبيّاتنا الموسيقيّة العربية المعاصرة.

في هذا الحوار، سيكتشف القارئ العربي شخصيّةً فريدةً ونادرة في ثقافتنا الموسيقيّة العربيّة، التي تنبع من “الشرق” ومن “الإيمان المسيحي” ومن الثقافة الموسيقيّة الغربية الكلاسيكيّة في آنٍ معًا، مما يجعلنا أمام حالة تحمل تميّزها وتستدعي منا تحليلًا ورصدًا أوسع لظاهرة التأليف الموسيقي الكلاسيكي المعاصر الآخذة بالنمو في “شرقنا العربي”.

أجريت حواري مع المايسرو ناجي حكيم باللغة الإنجليزيّة (مع حفظ الأصل)، وقمت بالترجمة والتحرير في سبيل تقديمه كما هو إلى القارئ العربي تحديدًا.

*

  1. هل حدّثتنا، أستاذ ناجي حكيم[1]، عن ذاكرتك الصّوتيّة/ الموسيقية لمرحلة النّشأة في بيروت؟
  1. كيف انعكست هذه الذاكرة على مؤلّفاتك الموسيقيّة؟ وماذا بقي منها الآن؟
  1. ألفت عددًا كبيرًا من الأعمال الموسيقيّة المتنوعة: منها الأوركستراليّ السّمفونيّ والكونشرتيّ، أو تحت مُسمّياتٍ نوعيّةٍ (جانريّة) وأدبيّة مختلفة، والعديد من مؤلفات موسيقى الحجرة والموسيقى الغنائيّة، ومن ضمنها 4 قداديس للجوقة والأوركسترا وأعمال كثيرة للأرغن (الكنسيّ)، وهي آلتك التي تتقن العزف عليها. وغيرها من المؤلّفات التي قد نأتي على ذكرها لاحقًا.

أين تموضع مؤلفاتك الموسيقيّة، من حيث الأسلوب، في عالم الموسيقى اليوم؟

 

  1. درست الأرغن على يد الأستاذ Jean Langlais، ثم على يد Rolande Falcinelli في باريس، والقيادة الأوركستراليّة مع Evelyne Aïello، ثم تأهلت لتصبح أستاذًا في الأرغن من: Trinity College of Music in London، ثم أصبحت، في باريس، عازف الأرغن الأول في كنيسة Basilique du Sacré-Coeur بين الأعوام (1985-1993)، ثم في كنيسة l’église de la Trinité (1993-2008) خلفًا للمؤلف الموسيقي وعازف الأرغن الفرنسي أوليفير ميسيان Olivier Messiaen، وحصلت في هذا المجال على جوائز عديدة.

كيف يؤثر الارتباط المستمر بالموسيقى الكنسيّة الدينيّة على حريّة التأليف الموسيقي؟ هل تجعلك هذه الممارسة مؤلّفًا “وظيفيًّا”، من الناحية الفكرية، لتخدم مُعتقدك الديني والموسيقى الكنسيّة بمعناها “المؤسّساتيّ” وحسب، أم إنها لا تتعارض، بالضرورة، مع “حُريّة” وتنوّع التأليف، أو أن يكون أكثر دُنيويّةً، أو حتى إنها، ربما، تخدمه وتُثريه؟

  1. من المؤلفين الموسيقيين الفرنسين المعاصرين ترك أثرًا عليك؟ (هل كنت على علاقةٍ شخصيّةٍ مع سلفِك في كنيسة l’église de la Trinité، المؤلّف الموسيقي وعازف الأرغن أوليفير ميسيان؟) (إذا كانت الإجابة نعم، فأرجو أن تحدثنا قليلًا عن طبيعة هذه العلاقة، بما يهم القارئ)

لم أدرس مع ميسيان، لكنني كنت طالبًا في Jean Langlais لمدة 10 سنوات تقريبًا. كان له تأثير كبير على مقارباتي الموسيقيّة، وساهم بشكل لا لُبس فيه في تطوير شخصيتي الموسيقية. كما أنني أحب، بشكل خاص، موسيقى رافيل وديبوسي وروسيل وهونيغر وبولينك.

  1. زوجتك ماري-برناديت دوفورسيه، هي كذلك، عازفة أرغن، مؤلفة وباحثة موسيقيّة. يتبادر للذهن، للحظة، أن ذلك قد يشكّل نوعًا من “الزُّحام” المهني داخل العلاقة الأسريّة الواحدة، لكنه عندكما، قد أثمر كاتيا-صوفيا، ابنتكما، وهي شاعرة وعازفة بيانو وباحثة موسيقية، وجان-بول، ابنكما، حقوقي وعازف بيانو ومؤلف موسيقي. هل من تعليق؟

تتمتع ابنتي كاتيا-صوفيا بذكاء موسيقي رائع. وهي شاعرة ممتازة. وإلى جانب مسيرته المهنيّة في القانون، فإن ابني جان بول هو مؤلف موسيقي ومُرتجِل ذو خيال شعري ولحنيّ لافت، مستلهمًا متعة الحياة. بحس مسرحي فطري، يتقن المسرح ويجمع بسعادة بين الغناء والمرافقة الهارمونيّة الارتجاليّة على البيانو المتجليّة في مجموعة متنوعة من الكتابة والأساليب الآلية. وقد نشر حتى الآن مقطوعتين للبيانو، Valse و Alhambra.

  1. كيف يتفق الموروث الموسيقي الكنسي (الليتورغي) مع الموروث الموسيقي العربي (الإسلامي) أو (الشعبي)؟ وكيف يمكن للموروث المتنوع الموارد أن يتآلف ويتشبّك في التأليف الموسيقي الكلاسيكي في أعمالك؟
  1. عملت أستاذًا للتحليل الموسيقي فيConservatoire National de Région de Boulogne-Billancourt ، (باريس، (1988-2019 وأستاذًا زائرًا في الأكاديميّة الملكيّة للموسيقى في لندن. ما معنى أن تكون أستاذًا في معاهد غربيّة المنهج والهوى، وأنت القادم من “الشرق”؟ هل كانت لك بصمة مختلفة بفعل هذا الثراء الثقافي؟ بمعنى، كيف يمكن للشرقيّ الذي بداخلك أن يُساهم في صناعة الطالب “الغربيّ”؟
  1. تخرّجت من المدرسة الوطنية العليا للاتصالات في باريس. هل من شيء مميز تود قوله بخصوص هذه الرحلة؟ وما علاقة هذا بكونك مؤلّفًا موسيقيًّا أو عازفًا؟
  1. كنت عضوًا في الرابطة العالمية للموسيقى الروحية في روما. وحزت على شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة الروح القدس – الكسليك في لبنان. ثم تقلّدت وسام الصليب الأكبر من قداسة البابا بينيديكتوس السادس عشر تقديرا لتميزك في خدمة الكنيسة والأب الأقدس. وهنا، أسألك عن مسألةٍ قد تُحيّر البعض، حيث في الثقافة العربيّة (وربما العالمية) يصعب جدًا أن تجد شاعرًا متديّنًا، وكأن ثمة حاجز أو تعارض بين “الدينيّ” و “الشّعريّ”، لكن في الموسيقى، بدءًا من جوهان سباستيان باخ (ومن قبله كثُر)، مرورًا بـ “أوليفير ميسيان” وصولًا إليك، لا نجد مثل هذا التعارض. لماذا برأيك؟ هل المسألة تكمن في طبيعة اللغة الكلاميّة الشعريّة وطبيعة اللغة الموسيقيّة الصّرف، أم لأسبابٍ أخرى، ربما، اجتماعيّة، سياسيّة، عُرفيّة أو غيرها…؟
  1. عندما نتحدث عن “الموسيقى العربية”، تاريخيًّا، فإننا نتحدّث عن “غناءٍ” بالدرجة الأولى. لاحظت في قائمة أعمالك الموسيقيّة الغنائية، أن معظم هذه المؤلّفات قد وُلدت في القرن الواحد والعشرين، وأنت المولود عام 1955. كيف تُعلل هذا “التأخير”؟ ثم أسألك، وليس بمنطقٍ قوميّ أو إيديولوجيّ، بل موسيقي صرف، لماذا تغيب اللّغة العربية عن مؤلفاتك الغنائية؟
  1. ماذا تقول عن خيارك بأن تكون مؤلّفًا موسيقيًّا كلاسيكيًّا، في عالم “عربيّ” غير مُهيّأ لمثل هذا النوع من الموسيقى؟ وهل باريس كانت خيارًا أم “انسلاخًا” قدريًّا عن الوطن؟ وما معنى أن تكون مؤلّفًا موسيقيًّا “عربيًّا” خارج جغرافيّة المنشأ؟

أنا من هنا

ولست هناك ولست هنا

ليَ اسمان يلتقيان ويفترقان

ولي لغتان نسيت بأيهما كنت أحلم

لي لغة إنجليزية للكتابة طيّعة المفردات

ولي لغة من حوار السماء مع القدس

[…]

أنا اثنان في واحد كجناحيْ سنونوة

إن تأخر فصل الربيع اكتفيت بنقل الإشارة”.

إذا كنت قد استقرّيت في فرنسا، فقد كان ذلك بعد الحرب الأهليّة التي ضربت لبنان. خياري الوحيد هو أن أفعل مشيئة الله. أنا فخور بكوني عربيًا، وفخور أيضًا بكوني فرنسيًا. لذا فإنني أعتبر نفسي “اثنين في واحد” وأستمتع بالجمع بين الثقافتين ومقابلتهما واستحضارهما معًا في موسيقاي وفي قلبي.

  1. كيف أثر البيت العائلي الذي نشأت فيه (الوالد/ الوالدة…) على علاقتك بالثقافة العربية ونشأتك الموسيقيّة؟
  1. كتبت العديد من المؤلفات للأوركسترا “الكلاسيكية الغربية”. وقمت، في بعضها، باستدعاء (evoking) “الحان” شعبية شرقية (افتتاحية لبنانية، 2004 OUVERTURE LIBANAISE، السندباد 2016 SINDBAD، وبعلبك 2015 BAALBECK). ما معنى هذا “الاستدعاء” أو “الاستنبات” (Plantation) للمكوّن الشرقي، أيًّا كان، في الكتابة الأوركستراليّة، لغةً، تلوينًا، وأسلوبًا؟
  1. سؤالٌ أوجهه لكلّ مؤلّفٍ موسيقيّ “عربي” أحاوره: هناك من يرى إلى “الأوركسترا” بوصفها شكلًا من أشكال الخطاب الغربي (الأوروبي)، لغةً وهيمنةً. كيف تنظر إلى العلاقة بين “الموروث” الموسيقي الشرقي وبين “نظام” الأوركسترا داخل علاقات القوى الحضارية غير المتكافئة؟

حيث يكون الباسون المنفرد قادرًا على ملء الروح كما لو أنه أوركسترا بأكملها.

وبالتالي، فإن التنسيق الآليّ أو الأوركستراليّ هو ليس سوى الرداء لروح الموسيقى الكامن في اللحن وتناغماته الهارمونيّة. وكما قال جوزيف هايدن: “اللحن هو الأجمل، لكنه الأصعب في التأليف الموسيقي!”

  1. كتبت الكونشرو للأورغن وللكمان مع الأوركسترا. ما سبب اهتمامك بهذا “النوع” الموسيقي تحديدًا؟
  1. لكنك، في هذه الكونشرتات، لم تستحضر، ولو في واحدٍ منها، آلةً من خارج المنظومة الكلاسيكية الأوروبية، كما فعل عددٌ من المؤلّفين “العرب” حين استنبتوا الآلة الشرقية في هذه الأعمال. لماذا؟
  1. هل يشغلُك أن تُعزف أعمالك الموسيقيّة في “العالم العربي”؟ من هو جمهورك المُفترض حين تؤلّف الموسيقى؟
  1. ماذا فعلت، كموسيقي وإنسان، عندما سمعت خبر “انفجار بيروت” في مُستهل أغسطس 2020؟
  1. المشهد الموسيقي الكلاسيكي “العربي” اليوم، كيف ترى إليه؟ وإلى أين هو ذاهبٌ برأيك؟

******

[1] https://www.najihakim.com/

[2] https://www.youtube.com/watch?v=BG4y8NjOvsk

******

 قائمة المؤلّفات الموسيقيّة:

أعمال للأرغن:

“الرّباعيات” (1990)، LE TOMBEAU D’OLIVIER MESSIAEN “قبر أوليفر ميسيان” (1993)، “الحُكم الأخير” (1999)، LE BIEN-AIMÉ (الحبيب) (2001)، “عليك السلام” (2006)، THEOTOKOS (2010)، “اسكتشات فارسيّة” (2012)، “السندباد” (2014). أعمال للأوركسترا وكونشرتات:

“مقدمة لبنانية للأوركسترا” (2004)، “عليك السلام للأوركسترا” (2012)، “بعلبك” (2015)، و”السندباد” (2016) لإيقاعات وهارب ووتريّات.، و”نور – رابسوديا الأرض المقدسة” (2016) للدف والدربكة والقانون والوتريات، وكونشيرتو رقم 5 للأورغن والوتريات والتيمباني (2017/2018).

أعمال للبيانو:

“دمية” (2001)، إفتتاحيّة لبنانية” (2001)، عليك السلام” (2009)، “اسكتشات فارسيّة” (2012)، “بعلبك” (2015)، “تنويعات على يا طيرة طيري” (2020)، “تنويعات علة طلعت يا محلا نورها” (2021). وتنويعات للتشيللو والبيانو ” VARIATIONS LEVANTINES ” (2021).

رباعيّات وتريّة:

” TWO MARONITE CAROLS ” (2013)، و “تنويعات على نشيد يا مريم البكر” (2019).

موسيقى الحجرة: كونشيرتو الحجرة رقم 1 (2008).

أعمال غنائية:

سوبرانو وبيانو – سوبرانو وأورغن: “أبانا” (2009). “السلام عليك” (2019). و ” ACHCHAOUQUOU ILASSAMA” لألتو غنائي، كمان، فيولا، تشيللو وبيانو. (2016). و ” TWO MARONITE CAROLS ” لتينور ورباعية وترية (2013). و ” THE ANGEL CRIED ” لجوقة (a cappella and congregation) (2007). و”جلوريا” لجوقة وأورغن (2002). و “طباق” لجوقة ثلاثيّة، فلوت، أورغن (أو بيانو) وتخت شرقي (ناي، قانون، عود، رق، دف، دربكة) (2018).