قـــراءة نقديّة في كتاب هشام جعيّط الوحي والقرآن والنبوّة
{{مدخـل}}
تمّ إثراء المكتبة العربية خلال السنوات الأخيرة بمؤلفات عديدة تناولت بالدرس قضايا هامّة تتصل بالمسألة الدينية ، وقد تزايدت تلك الإصدارات في علاقة وثيقة بتنامي الدعوات النكوصية المتسربلة بالمقدس الإسلامي وما رافق ذلك من حملات التكفير وتفشّي ظواهر مثل المذابح الجماعية التي راح ضحيتها آلاف البشر ، كان أبطالها أناس يعانون في غالبيتهم من جهل مطبق ليس فقط بالعصر وتحدياته الحقيقية وإنّما كذلك بالشعارات التي يرفعونها والأسس الفكرية التي تقوم عليها.
وإن كانت حركة التأليف تلك إيجابية في حدّ ذاتها بغضّ النظر عن المضامين التي يحتويها هذا الكتاب أو ذاك ، من حيث كونها تدفع بالحوار حول المسألة الدينية ولواحقها إلى السطح وتساهم بالتالي في كسر طوق التحريم الذي أحاط بتناول إحدى المسائل التي ظلّ يلفّها الغموض المقصود، فلا شكّ أنّ إخضاع تلك المؤلفات للنقد سوف يساهم في التأسيس لطروحات عقلانية لا يمكن في نهاية المطاف إلاّ أن تشقّ طريقها إلى أذهان أوسع الناس المعنيين أصلا بتملكّها.
وتستمدّ المعركة الفكرية الدائرة حاليا في ساحة الثقافة العربية بين تيارات فكرية متابينة قيمتها من هذا الأساس بالذات ، أي من حيث صلتها بتلك الجموع من البشر التي ظلّت في غربة عن إدراك كنه تلك المسائل جرّاء التعمية الإيديولوجية التي كان هدفها باستمرار خلق جمهور مطوع سلس الانقياد.
ومن ثمّة فإنّ التفكير في قضايا مثل الوحي والقرآن والنبوّة، وهي المواضيع التي تطرق إليها هشام جعيّط في كتابه يعدّ في حدّ ذاته وبغض النظر عن مضمونه مثلما أسلفنا أمرا على جانب كبير من الأهمية، إذ يمثّل مناسبة لتطارح تلك القضايا من جديد، نقول من جديد لأن الخوض في ذلك لم تـخل منه الثقافة العربية ، وقد نكون اليوم في حاجة إلى استلهام الجرأة والخصب اللذين ناقش بـهما المفكرون العرب الأوائل تلك المواضيع
لقد تميّزت مقاربة جعيّط للمسألة الدينية بولوجها المناطق المحظورة عادة على التفكير ، وهي من هذه الناحية مثيرة للإعجاب إذ تتجمع فيها عناصر الحماسة الفكرية المتحفزة للتعبير عماّ يجب التعبير عنه، غير أنها حماسة سرعان ما ترتدّ على ذاتها وتنكص على أعقابـها مثلما سوف نرى.
{{جعيط وقضايا المنهج :}}
يؤكد جعيط أن تناوله للمسائل التي عرض لها في كتابه يتصف بفرادته إذ لم يسبقه إلى ذلك أي من الباحثين المسلمين وغير المسلمين ، قديما و حديثا، و يصف المنهج الذي اعتمده في البحث بأنه ” عقلاني تفهمّي” مشيرا إلى أن هذا المنهج من إبداعه واستنباطه ، يقول ” و قد حاولنا في هذا الكتاب الاعتماد على المعرفة و استنباط منهج عقلاني تفهمي. لم نجده لا عند المسلمين القدامى من أهل السير و التاريخ والحديث و لا عند المسلمين المعاصرين، وأكثر من ذلك ان المستشرفين على سعة إطلاعهم لم يأتوا ببحث يـذكر في هـذا الميـدان و تبقى دراساتهم هزيلة 1 . وبذلك ينسب المؤلف لنفسه السبق على مستوى المنهج المعتمد في قراءة الوحي و القرآن والنبوة و كان حريا به أن يثبت ” لا عقلانية” و ” لا تفهميّة” هؤلاء الذين وضعهم جميعا في خانة واحدة رغم اختلافاتهم و تعدد طروحاتهم .
اللافت أن جعيط لا يلبث أن يعترف بأنه أخذ ذلك المنهج عن ” فحول الفكر و التاريخ في الغرب”2 ، غير أنه لا يذكر من هم هؤلاء ثم يوجه لهم اللوم لأنهم هم أيضا ” لم يهتموا بالإسلام إلا قليلا.3 و يودّ جعيط بذلك إقناع القارئ أنه يحرث أرضا بكرا، وأنّه يستعمل سلاحا جديدا في معركة اشتد أوارها و أن الكلمة الأخيرة هي كلمته.
ولكن ما هو هذا المنهج الذي يستعمله المؤلف؟ لنرى ماذا يقول عنه : ” سيتجه مجهودنا إلى مقاربة تاريخية معتمدة على النصوص و على المقارنة، و إلى مقاربة ظواهرية “4 . ويفهم جعيط المقاربة التاريخية على النحو التالي : “ولا يعنى التاريخ هنا تقديم الظروف الخارجية لنزول الوحي كما ورد ذلك في السير و التواريخ بل إستقراء القرآن أساسا، عندما يذكر و يصف تجربة الوحي لدى النبي، و القرآن هو المصدر التاريخي المعتمد الصحيح، لأنه يرمز إلى ماهية الوحي و الظروف التي حفت ببدئه، و تواصله، و لا يدخل في التفاصيل الدنيوية الفارغة”.5
ما يريد المؤلف إستبعاده إذن هو ” الظروف الخاريجية” و”التفاصيل الدنيوية الفارغة” بإعتبارها عائقا يحول دون فهم الإشكاليات التي ينصب عليها بحثه والإستعاضه عن ذلك كله بالقرآن ذاته، أي بالنص الذي يمكن إستنطاقه هو دون سواه في سبيل الظفر بالحقيقة التي ندب السيد جعيط نفسه للتحصيل عليها، و لتوضيح توجهه المنهجي ينبئنا أنه يتوخى المقاربة الفينومنولوجية تحديدا بقوله : ” وليس لنا مع هذا أن نستسلم و نتخلى عن طريقتنا الفينومنولوجية، و إلا رددنا ما أوردته المصادر القديمة، “6 معتبرا أن ذلك هو الضمان الذي يكفل الإفلات من قبضة التأويلات التي لا علاقة لها بالعلم، فالسيد جعيط حريص على إثبات أنه لا يقدم لنا تأويلات وإنما حقائق لا تخالطها الريبة بقوله : ” فهمّنا هنا لا ينحصر في المنهجية التاريخية بقدر ما يتجه إلى إستقراء القرآن بمنهج ظاهري كما يعطي نفسه للقراءة و الفهم بدون تأويل و إسقاط “.7
ويكاد من خلال ترديده في مواضع شتى من كتابة أنه يعتمد المنهج الفينمولوجي أن يصرخ في وجه القارئ : إني لا أمارس التأويل و الإسقاط فكتابي كتاب في العلم لذلك يجب أن تصدق ما أقول، و كأن ذلك يكفي لكي يحمل القراء على محمل الجدّ الفكرة التي مؤداها أن أطروحات المؤلف علمية صرفة.
لقد أجهد نفسه لكي يقنعنـا بأنه يقـدم لنا حقائق علمية فسيطر الهاجس “العلمي” عليه و جعله يتورط في امتداح العمل الذي قدمه بشكل مباشر و بصورة لا يمكن إلا أن تثير لدى القارئ النفور. فمـا معنى أن يأتي أحدهم و يبحث في قضايا من قبيل الوحي والقرآن و النبوة و يقول بلهجة و ثوقية عن بحثه ” و بعد فهذا الكتاب وما سيتبعه كتاب علمي و ليس بالدراسة الفلسفية”8، أليس الأفضـل فـي هـذه الحال التحلي بقدر من التواضع المعرفي والقبول بأن ما نقدمه إن هو إلا إجتهاد ممكن و تأويل من بين تأويلات عديدة أخرى.
في واقع الأمر لم يقدم لنا جعيط كتابا في العلم، كما أننا سوف نجد عناء أن نحن حاولنا البحث عن موضع لكتابه في قارة الفلسفة المترامية الأطراف، فمؤلفه أقرب ما يكون إلى هرمونوطيقا المقدس حيث ينصب البحث على تأويل الرموز التي يتضمنها النص الديني، مضافا إلى ذلك محاولة تسويق تلك التأويلات إلى جمهور القراء عبر إضفاء مسحة علمية عليها.
ولكن ما هو المنهج الفينمولوجي الذي يرى جعيط أن اعتماده يشرع لنا الزعم أن بحثنا علمي بإمتياز؟ يعرف لالاند الفينومنولوجيا في معناها العام بأنها ” دراسة وصفية لمجموعة من الظواهر كما تتجلى لنا في الزمان أو المكان ، و ذلك في تعارض سواء مع القوانين المجردة و الثابتة المتحكمة بتلك الظواهر أو مع الوقائع الترنسدنتاليه التي تكون مظهرا لها أو مع النقد المعياري لمشروعيتها”،9 أما في معناها الخاص الذي يحيل على المنهج فإنها تعني ذلك ” الجهد الذي يبذل لاستحضار ماهيات من خلال وقائع و أحداث عينية ، و تلك الماهيات يتم الحصول عليها مباشرة عن طريق الحدس و في علاقة بأمثلة مفردة ، تدرس بالتفصيل وبطريقة جد ملموسة”10 .
وقد مارس مفهوم الفينمنولوجيا حضوره في مجال الفلسفة خاصة مع انبلاج فجر الحداثة فاستعمله ” لامبارت” لكي يشير من خلاله على المستوى الفلسفي إلى ما يظهر و يتجلى للتفكير، وقد تطور ذلك الإستعمال و أضحى يحيل لدى كانط على تقسيمه المعروف للعالم إلى “ظواهر” phénomènes يمكننا معرفتها و “أشياء في ذاتها” noumènes لا نقدر على معرفتها.
واتسع مجال ذلك الإستعمال مع هيجل، ففي كتابه فينمولوجيا الروح نراه ينظر إلى الفينومنولوجيا بإعتبارها ذلك العلم الذي يدرس تمظهرات الوجود. غيرأن الفينومنولوجيا لن تصبح تيارا فلسفيا و منهجا قائما بذاته إلا مع إدموند هوسرل ، وما يهمنا هنا هو المنهج الذي أرساه هوسرل و هو يقوم على فكره الإختزال أو ” الرّد”. و يتمثل شكله الأول في وضع العالم كله بين قوسين ، بمعنى التخلص من الأحكام السابقة و تعطيلها و تعليق الحكم بشأن وجود العالم.
و بالإضافة إلى هذا النوع من الإختزال هناك نوعان آخران و هما الاخترال الماهوى المتمثل في القطع مع كل ما هو خبري امبريقي لما يعطي لنا، حتى نقف على الماهية الكلية للظاهرة، وأخيرا الاختزال الفلسفي المتعالي المتمثل في إبطال الفلسفات جميعها ووضعها هي الأخرى بين قوسين ، حيث ينقد هوسرل الوضع الذي وصلت إليه الفلسفة بفعل تعدد المذاهب، متسائلا في كتابه التأملات الديكارتية : أليس هناك من الفلسفات بقدر ما هناك من فلاسفة على وجه التقريب؟ هناك أيضا بالتأكيد مؤتمرات فلسفية، ولكن الفلاسفة هم الذين يلتقون فيها لا الفلسفات. و عن سؤال ماذا يريد العلم يجيب هوسرل: إنه يريد حقائق يصحّ الأخذ بها نهائيا ، ومن قبل الجميع و لكن كيف تعطي لنا الحقيقة؟ إنها تعطي لنا بالبداهة ، ذلك أن البداهة تجربة أو حدس تتجلى فيه الأشياء ذاتها أمام الفكر.
هذا بإيجاز ما تعنيه الفينومنولوجيا و المنهج الفنومنولوجي، و لا نعرف ما علاقة ذلك بالتاريخ كعلم. فـإذا كـانت العلوم إجمالا بما في ذلك العلوم الإنسانية تطلب صياغة قوانين ونظريات موضوعية يمكن التأكد من صحتها، فإن المنهج الفينومنولوجي لن يمكنها من ذلك بالتأكيد ، إذ أنه لا يقصد أصلا الوصول إلى قوانين تفسر الظاهرة المدروسة، و إنما يكتفي فقط بالوصف، و علم التاريخ إذا سار على هذا الطريق فإنه يكون قد كف عن الوجود.
برغم ذلك نقول إن جعيّط مع كل ذلك التقريظ الذي كاله للمنهج الفينمنولوجي فإنه لم يتقيد به ، فإذا كان ذلك المنهج يقضي بإتخاذ مواقف حيادية مثلا حيال القضايا الميتافيزيقية بإعتباره لا يقرها ولا ينفيها، فإنه و إن أشار إلى إلتزامه هو الآخر بذلك فإن ذلك الإلتزام سرعان ما يتوارى عندما يتعلق الأمر بما هو إيماني فيتورط في إتخاذ مواقف لاهوتية بحتة، و قد عرضنا إلي بعضها في ما سلف، بل انه يعتبر أن المستشرقين لا يمكنهم فهم الإسلام طالما هم غير مؤمنين فهل هذا ما يقوله المنهج الفينمنولوجي أم انه يقول بعكسه تماما !
لقد ظل جعيّط بعيدا عن توظيف ذلك المنهج لذلك نراه ينزاح أحيانا إلى الهيجلية قائلا: “الوحي لـه ضمان فـي تاريخية الروح التي ليست كأية تاريخية ففي مجال التوحيدية وحسب التقليد مرت أربعة قرون بين إبراهيم و موسى ، و أكثر من عشرة قرون بيـن موسى وعيسى، و ستة قرون بيـن عيـسى و محمد ، و كأن القرآن يلمح إلى ضـرورة مبعث جديد ومجدد ، و أن الوقت حان لبزوغ نبوة محمد طوال هذه الزمنية، فالروح تتطلب مخاضا طويلا وسندا في الماضي يعتمد عليه و يحصل تجاوزه، و هذا شأن كل التقاليد الكبيرة “11، إننا إزاء تفسير هيجلي للتاريخ لا يتوانى عن الإفصاح عن ذاته ، فأية علاقة بين ذلك و بين المنهج الفينمنولوجي ؟ أية علاقة بين الإقرار الإيماني و بين العلم؟ ألسنا هنا أمام مجرد تأويل للتاريخ أي أننا بالضبط أمام استحضار لفلسفة التاريخ الهيجلية.
مع هيجل نحن إزاء فلسفة التاريخ لا علم التاريخ ، و ما يقوم به جعيط إنما هو نقل هيجل في بعض الحالات حرفيا، و لكنه رغم ذلك مصمم على أنه يكتب علما ؟ يقول هيجل : ” على المسرح الذي تشاهد الروح عليه، و أعني به التاريخ الكلي تكشف الروح عن نفسها في حقيقتها الأكثر عينية”.12
الروح المطلقة حسب فلسفة التاريخ الهيجلية هى المحرك الحقيقي للأحداث التاريخية، و الغاية التي تنشدها الروح من وراء التاريخ، إنما هي الوصول إلى أعلى مراحل تطورها عندما تدرك ذاتها بذاتها وتتحرر من إغترابها، و هذا ما طبقه جعيط على الدين الإسلامي الذي كان مخاضا من مخاضات الروح!. ينطلق المؤلف من فلسفة التاريخ الهيجلية و يفصل الوقائع التاريخية على قدَها دون أن يتوقف عن التنبيه إلى أنه ينبذ كل ضروب الإسقاط و الأحكام المسبقة، مشهرا طهرانيته المنهجية على إمتداد صفحات كتابه.
وإذا ما انتقلنا إلى معالجة ” المفاهيم” التي استعملها فإننا نحتاج إلى أكثر من وقفـة فمـاذا يقصد بكلمة “فضائي ” التي استعملها مرارا فهو يكتب مثلا ” الحرم و الحرام و المحرّم الذي ينافي في المعجم القديم ما هو حلّّّ و حلال و هو مفهوم قديم فضائي على الأغلب”13 كما يتحدث عن ” واقعية في الفضاء و الزمان” و عن ” اللانهائي واللافضائي الزمني ” وهو يترجم بذلك حرفيا الكلمة الفرنسية Espace دون أن يتنبه إلى اختلاف الدلالات بين الكلمتين العربية و الفرنسية، و كان حريا به العودة إلى الفلاسفة العرب القدامى الذين شاع لديهم استعمال كلمة ” المكان” من ذلك ما نجده علي سبيل المثال في كتابي ” عيون الحكمة ” و الشفاء ” لابن سينا، و هي أكثر دقة في التعبير عما أراد التعبير عنه. ولا يقف المؤلف عند حدود استعمال هذا المفهوم إذ نراه أحيانا أخرى يتحدث عما هو” هوائي ” عند وصف جبرائيل مثلا.
أمّا مفهوم” الله ” فإنه يرد في بعض الحالات في ثنايا الكتاب باعتباره يحيل على ما هو منزه و متعال و في أحيان أخرى باعتباره كائنا مشخصا، لنقارن بين ما يقوله المؤلف في الصفحة 19 “الشخصية الإلهية المنزهة المتعالية” وما يقوله في الصفحة 27 “الكائن الحق المشخص هو الله ” و لا شك أن السيد جعيط يدرك أوجه الاختلاف الكبرى بين ما هو “مشخص”، وما هو مفارق ومتعالي فكيف يكون الله هذا و ذاك في نفس الوقت؟
ومن الملاحظ كذلك أن جعيط يتحدث في كتابه عن الشعب الإسرائيلي و ” الديانة الإسرائيلية ” و هذا الحديث ليس في حاجة فقط إلى تدقيق من الناحية المفهومية وإنما كذلك إلى حذر من الناحية السياسية و الإيديولوجية فهل هناك بالمعنى التاريخي والسوسيولوجي شعب اسمه الشعب الإسرائيلي و هل هناك ديانة إسرائيلية ؟ أم أن هناك ديانة يهودية يشترك في الاعتقاد في تعاليمها أناس من شعوب شتى، منهم الأبيض و الأسود، الأوربي، و الأسيوي ،و الإفريقي ؟!
ولا تخفى بطبيعة الحال الاستتباعات المترتبة عن مثل هذا الحديث الذي يحيل الآن على كيان غير شرعي لا يزال يلهث خلف تسويق أساطيره تأصيلا لذاته في أرض انتزعها انتزاعا من أصحابها الشرعيين.
وفي ما يتعلق بالصلة بين ما هو ” منهج ” و ما هو ” إيمان ” فإن للسيد الجعيط موقفا لو سايرناه فيه لاستتبع ذلك تحطيم لا بنيان العلم فقط و إنما كذلك بنيان سائر المعارف التي تنحو منحى عقلانيا فهو يكتب قائلا : ” أعجب من بعض المستشرقين. و ليس كلهم الذين ليسوا بمسلمين و بالتالي نظروا إلى الإسلام و القرآن نظرة خارجية مجردة من كلّ إيمان ، فاعتبروه أثرا من محمد ( …..) كل هذا طبعا في إطار نظرة وضعية غير إيمانية لنبوة النبي و الاهية القرآن “.14
فهل يطلب المؤلف من المستشرقين أن يعتنقوا الإسلام؟ ماذا لو طالبنا المسيحيون أن نكون على دينهم إذا أردنا الخوض في المسيحية ، و البوذيون أن نكون بوذيين و هكذا؟ كيف يحتج على هؤلاء وهو الذي يريد لكتابه أن يكون كتابا علميا بأنهم ليسوا “إيمانيين ” و إنما ” وضعيين ” ثم ما هذه ” النحن ” التي ينطق باسمها عنـدما يقول : ” أما بالنسبة إلينا كمسلمين معاصرين فلا تضارب بين صفة الموحى إليه – أي محمد – وحقيقة الوحي وبين صفته كشخصية فذة من طراز أعظم مؤسسي الأديان، و في رأيي الخاص أكبرهم قامة.”15 هل لهذا الكلام علاقة بالعلم أم انه منغرس عميقا في ثنايا إيديولوجية إسلاموية تعلن( هنا ) عن ذاتها جهرا و دون مواربة، نقول ( هنا ) لأن المؤلف يبدو في مواضع أخرى من كتابه عقلانيا بل و علمانيا لا يتوانى في إنكار كل مالا يقبل التفسير العقلي السليم ، مثل اعتباره قصة غار حراء قصة مختلقة ، و إنكاره المعجزات جميعها بما في ذلك الإسراء و المعراج الخ. ولكنه ينقض دائما ما يقوله فما يعطيه باليد اليمنى يأخذه باليد اليسرى، لنقرأ مثلا هذا المقطع من كتابه الذي يؤكد فيه المعجزات التي تصدى لنفيها سابقا ” و تذكر لنا كتب التفسير أن محمدا كان يرى في اليقظة المشاهد أمام عينيه و كأنها واقـع حـاضر، مثل مشهد القدس و غير ذلك، و مثل الوقائع الحربية كبدر حيث يشاهد الملائكة يقاتلون و لا يراها غيره “بجنود لم تروها” يقول القرآن و كل هذا صحيح و ليس ببهتان أو كذب ” 16 ، فإذا كان جعيط يقر أن محمدا قد رأى القدس فعلا وليس في المنام، و أن الملائكة حاربت إلى جانبه يوم بدر فكيف يحق له بعد ذلك أن ينفي عن شخصية محمد اتصالها بالمعجزات.
ولمزيد الوقوف على التلعثم الذي كان ضحيته في مؤلفه موضوع حديثنا جراء الاضطراب الذي شاب كلامه في الحقل المنهجي نشير إلى المواقف المتناقضة بخصوص النص القرآني الذي امتدحه من جهة عقلانيته ووضوحه و دقتـــــــه بقوله : ” وحده القرآن جمع بين دقة التعبير و الكلمة المثيرة و العمق الكوسمي و الوضوح الكامل البيّن، و هذا من أهم خصائصه “17 ، ولكن إذا كان ذلك صحيحا فلماذا اضطرب جعيط مثلما أشرنا إلى ذلك سابقا في تفسير بعض آياته مرجحا هذا المعنى على ذاك حينا، معربا عن شكوكه أحيانا أخرى بل مطلقا العنان لخياله في بعض الحالات لفهم هذا الأمر أو ذاك الذي يحيلنا عليه النص القرآني مثل اللقاء بين محمد و جبريل؟ !
بالإضافة إلى ذلك نعتقد أنه غير خاف عليه اختلاف الشراح والمؤولين والمفسرين والفقهاء للقرآن. ذلك الاختلاف الذي يصل إلى حدود تكفير الفرق الدينية لبعضها البعض ، وذلك منذ ظهور الإسلام و إلى حد اليوم ممّا حدا بفيلسوف مثل ابن رشد إلى إبطال تأويلات المتكلمين جميعها لزيفها وسيطرة أساليب الحجاج السفسطائية والجدالية عليها و بعدها عن البرهان. ثم كيف يفسر جعيط آيات وردت في القرآن تعتبر أنه من المتعذر على الإنسان فهم العديد من المواضع الغيبيّة و أنه هناك مسائل يجب القبـول بها إيمانيا مثل ” و لا يعلم تأويله إلا الله، و الراسخون في العلم يقولون آمنا ” و ” ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربّي و ما أوتيتم من العلم إلا ّ قليلا “.
إننا نرى أن النص القرآني يتجاوز ما هو عقلي إلى ما هو فوق عقلي، ووقوف جعيط عند ما هو عقلي لا يفي المسألة المطروقة حقّها من التمحيص، ففي أحيان كثيرة نجد النص القرآني متضمنا لقضايا تتجاوز دائرة التمثل العقلي إلى دائرة الإيمان بما هو خارق كالحديث عن إنجاب العذراء دون إتصال جنسي و شق موسى البحر بعصاه وعدم احتراق إبراهيم في النار. وهذه المعجزات من صميم النص القرآني وليست مجرد حديث عن معجزات وردت في نصوص دينية أخرى كما يقول ذلك جعيط18 . فالقرآن يقرّها و كل إنكار لها إنما يعني إنكارا للنص القرآني ذاته .
وإذا كان المؤلف يذهب إلى الاعتقاد أن القرآن قد ابتعد عن كل ما هو لا عقلي بخصوص شخصية محمد فذلك يعني أنه لم ينتبه إلى جوهر النبوة فهو بقوله ” إنّ المصداقية التاريخية للقرآن هي الابتعاد عن كل عنصر لا عقلاني بخصوص النبي بالذات “19 قد أغفل أن النبوة ذاتها تقع خارج فضاء العقل فهي من حيث الأساس الذي ترتكز عليه و نعني اصطفاء الله لشخص بعينه ومن شعب بعينه ، لا يمكن أن تستوعب عقليا و إنما إيمانيا، و هذا ما نبّه إليه أبو بكر الرازي عندما رفض فكرة النبوة و اعتبر أن الله في غير حاجة إلى أنبياء لكي يبلغ ما يريده إلى عباده، يقول الرازي ” من أين أوجبتم أن الله اختص قوما بالنبوة دون قوم، و فضلهم على الناس و جعلهم أدلة و أحوج الناس إليهم ؟ و من أين أجزتم في حكمة الحكيم أن يختار لهم ذلك و يشلي بعضهم على بعض، ويؤكد بينهم العداوات و يكثر المحاربات ويهلك بذلك الناس “.20
وإذا عدنا إلى النص القرآني فإننا نعثر على آيات كثيرة توجب التسليم و الانقياد ” للنبي” إيمانيا و ليس عقليا من ذلك مثلا ” قل أطيعوا الله و رسوله ” / ” ربنا آمنا بما أنزلت علينا و اتبعنا الرسول ” / ” الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون”.
إن آلية الدفاع عن النص القرآني عبر تمجيد طابعه العقلاني، و استبعاد المسائل التي يثير تمثلها العقلي مشكلات تستعصي على الحل ، مثلما فعل السيد جعيط بمسألة المعجزات ، يمكن أن يؤديا في نهاية المطاف لا إلى الحفاظ على المقدس ، وإنّما إلى تلاشيه ، فالبناء إذا تهدّم ركن من أركانه أضحى مهددا في مجموعه بالخراب.
ومن هذه الناحية يبدو خطابه دفاعا عن الإيمان في عصر يشهد على المستوى الإيديولوجي نكوصا إلى الوراء، و إعادة إنتاج الماضي التليد من قبل القوى الأشد تخلفـا ليـس في الوطن العربي فقط و إنما كذلك في البلدان المصنعة حيث تفرخ الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية المعمّمة هنا و هناك الأصولية و الطائفية و الفاشية الخ…
ففي وضع كهذا يعتبر بعض المفكرين و من بينهم جعيط أن السلفية المنفلتة من عقالها حاليا، كسولة و ذات خطورة على الدين ذاته، فهي لا تفهم العصر وتحولاته، لذلك يجب ترشيدها ، فالمطلوب مصالحة الإيمان مع العقل في أعلى تجلياته، أي العلم علي وجه التحديد، ليس بدحض ما هو غير عقلاني في الدين و إنما بإنكار وجوده أصلا. هذه هي إستراتيجية السيد جعيط، و ذلك بحثا عن إجماع مفقود بين القوى المختلفة الموجودة راهنا في البلاد العربية، علمانية ودينية.
و يستحضر المؤلف بذلك توجهات مشروعه القديم الذي أعلنه في كتابه : الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي الذي كتب فيه يقول : ” ونحن نطالب الضمير العربي بالانطلاق بحثا عن إيديولوجية مفتوحة تتسع لتأسيس إجماع جديد “،21 و مشروع من هذا القبيل لا يمكنه بطبيعة الحال إلا أن يكون توفيقيا فهو في نفس الوقت إيماني وعقلاني، سلفي و علماني،22 ريبي ووثوقي، و نحن لا نتجنى على السيد جعيط عندما نقيّم عمله على هذا النحو فهو ذاته واع بهذا الأمر، بل إننا نراه يقره و يمتدحـــه بقوله ” إن تفكيرنا سيتميز بنقصانه و تناقضاته، فلن يتضمن ما من شأنه أن يشبه التأكيد الذي لا يشوبه الغموض، و لا يقوم بنتائجه الإيجابية بل بتشعب أطواره”.23 فهل نجانب الصواب إن قلنا إن عمل جعيط كان فعلا ” متناقضا ” و ” متشعب الأطوار” إلى أبعد الحدود.
{{بين قطعيّة الأحكام وريبيّة المواقف}}
الخطاب المبثوث في ثنايا كتاب جعيط خطاب مشوب بالتردّد، تخترقه التناقضات من كل جانب فصاحبه يؤكد تارة هذه الأطروحة أو تلك و طورا ينفيها، و يتمسك أحيانا بمواقف إيمانية و أحيانا أخري يشهر علمويته ، فنحن نراه ينزع في بعض المواضع من كتابه إلى تفسير القضايا تفسيرا إيمانيا ليست له أية علاقة بالعلم و مناهجه، فهو يقول مثلا : ” إن لب الإسلام هو الدين، و لم يكن النبي يصبو إلى السياسة و التسلط، و الوحي و القرآن و النبوة هي أصل كل شيء “24 ، مغيّبا بذلك الوقائع الاجتماعية و السياسية التي حفت بظهور الدين الإسلامي، منكرا أن يكون لمحمد أي هدف سياسي، ثم يقوم بنقض هذه الفكرة فيكتب في موضع آخر ” أما الإسلام المحمدي و قد جاء في فترة عمّت المسيحية فيها على المشرق برعاية الدولة ، و كذلك المزدكية في إيران برعاية الدولة أيضا فقد كان مدينا بنجاحه الفوري تقريبا لتهميش الجزيرة العربية، و لغياب الدولة القمعية بالضرورة ، لكن أساسا لتكوين جماعة مسلحة فنواة دولة، فالسياسة بكل ما تعنيه من ديبلوماسية و سلطة و حرب فمصالحة، هي التي أكسبته النجاح و الاعتراف به في الحجاز” 25
انه يؤكد من ناحية أن ” النبي لم يكن يصبو إلى السياسة ” و من ناحية ثانية يشير إلى أنه خاض حروبا و عقد تحالفات و بني دولة، بل انه يرى أن ” هذه الأداة الدنيوية [يقصد الدولة] بقيت تشتغل بعده عبر إطفاء الرّدة ثم إنطاق الفتوحات فصارت الدولة الإمبراطورية بعد عشر سنوات من موت محمد”26 ، أي إننا إزاء تأكيد الفكرة و نقيضها في نفس الوقت. غير أن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ إذ يعود جعيط من جديد لكي ينسف هذه التأكيدات على الجانب السياسي من أساسها ففي الصفحة 85 من كتابه يذهب إلى التشديد على نقيضها، فرفض الملأ المكي لمحمد لم يكن لأسباب سياسية و إنما لأسباب دينية ، يقول : ” إن الذي لقيه النبي من قومه ليس معارضة بالمعنى الحديث لأنه لم يكن رجل سياسة و إنما رفض و تعجيز، و رمي بأمور مشينة و حطّ من قيمة الوحي أو تكذيب “27 .
وللخروج من هذا التناقض والتردد كان بإمكان المؤلف أن يدرك أن الرفض لأسباب دينية إنما هو في جوهره رفض لأسباب اقتصادية و سياسية أيضا، يقول حسين مروة ” كان ردّ الفعل سريعا بوجه محمد ، وهو رد فعل لا يمكن أن لا نرى الواقع الطبقي في أساسه “28 ، متهما أصحاب تلك الدراسات التي تفصل بين المسائل التراثية و سياقاتها الاجتماعية السياسية بالتزييف، متحدثا عن أثر الدراسات التضليلية التي فصلت بين هذا التراث و بين قاعدته المادية و الاجتماعية غير المباشرة و أبقت تلك القاعدة في العتمة 29
ثم إن القول أن لمحمد هدفا سياسيا لا يحط من شأنه كما قد يعتقد، ولا يعني كذلك طمس الأبعاد الأخرى في شخصيته ، و بالتالي الأهداف الدينية و الأخلاقية و سواها ، يقول ماكسيم رودنسون : ” ليس استنقاصا من قيمة محمد عندما نرى فيه رجل سياسة”30 ، مضيفا قوله: ” كان محمد عبقرية دينية ، و شخصية سياسية كبيرة، و إنسانا مثلي و مثلك”31 .
و من ثمة فان التركيز على هذا البعد أو ذلك ، و إغفال الأبعاد الأخرى، و التردد بين الأخذ بهذه الفكرة أو تلك بخصوص شخصية محمد، يعد بترا للعناصر المختلفة المتداخلة في تكوينها، وهو لا يساعد البتة على الإحاطة بها من مختلف جوانبها.
أمّا عندما نقرأ ما كتبه جعيط حول ” جبرائيل ” فإننا لا نملك إلا أن نقف مشدوهين حيال خصب خياله ، فهو يكتب قائلا: ” و رجوعا إلى التجلي الأوّل و الثاني ( تجلي جبرائيل لمحمد) فيمكن بعد كل هذا التحليل أن نثبت بكامل القناعة عدّة أمور : رأى محمد جبرائيل أي قوة الله بالعبرية و لذا نعت بـ” ذي قوة ” و ” شديد القوى ” ككيان يدركه الحس معلقا في الهواء أي كشخص هوائي و رآه ثانية بـ” البصر” و الأمر واضح فهي ليست رؤيا في المنام بل الرؤية بعين الرأس “32 . ثم يسترسل في هذه الإثباتات الإيمانية و التفسيرات المطمئنة لذاتها باعتبارها قناعة لا يرقى إليها الشك فيؤوّل الكلمات القرآنية التي تتحدث عن اقتراب جبريل من محمد ” و كان قاب قوسين أو أدنى ” بقوله : ” و المقصود في رأيي مسافة رميتين”33 و عن المكان الذي تجلى فيه جبريل يكتب قائلا : ” فقد ظهر بالأفق الأعلى أي في كبد السماء “34 .
هل هذه التفسيرات ذات علاقة بالعلم الذي أكد جعيط أنه حريص عليه شديد الحرص باعتبار كتابه كتابا علميا صرفا أم إنها تأويلات صنعها الخيال وحده؟ و أي معنى عقلي للحديث عن شخص هوائي ظهر فجأة في كبد السماء ثم اقترب من محمد مسافة رميتين ؟
يرى السيد جعيط أن الجزيرة العربية لم تعرف ظاهرة النبوة قبل محمد كما لم تعرف مفهوم الإله الأوحد بقوله :” في الجزيرة العربية لم يوجد أي نبي قبل محمد، هنا إذن انعدام للتقليد في هذا الميدان، كما انعدام لمفهوم الإله الأوحد “35 ، غير أنه لا يلبث أن ينفي جانبا كبيرا من هذا الكلام ، فبخصوص الله مثلا نراه يقول عنه : ” وهو إلاه معترف به من لدن قريش كخالق للكون ، و ماسك للمصائر إلا أنه بعيد جدا و متعال جدا”36 . والمعروف كذلك أن الأحناف قد دعوا إلى عبادة إله واحد قبل محمد كمــا أن ” (الله ) كلمة عربية تدل على إلاه قد تكـون مؤلفة من ” أل” و لفظه ” أله” أو منحدرة من اللفظة الأرامية ” ألاها ” أو ” آلوهو” ، واسم الله و دلالته على الإله الأوحد سابقان على الإسلام، فقد كان في البلاد العربية قبل الإسلام مفهوم مبهم بعض الشيء عن إله قدير هو الإله الأعلى إن لم يكن الأوحد … كان مركز عبادة ” الله” قبل الإسلام في جنوب الجزيرة العربية و في الحجاز “37
