لائكوفوبيا مزمنة

{{“نستطيع مقاومة زحف جيش ولكننا لا نستطيع رد فكرة آن أوانها”}}

{فكتور هوغو}

لئن كان الإسلام دينا يرمي إلى احتواء حياة الإنسان كلها وما حولها، فإنه لا يملك مشروعا واعيا في الحكم أو ما نطلق عليه اليوم تسمية ‘الدولة’. ولكن بحكم أنه رؤية للكون فهو يحمل ضمنيا،ككل نظرية دينية، مشروعا سياسيا: دين واحد وتعدد في أشكال الحكم والدولة، وهذا ما يسهل الإنزلاق من الديني إلى السياسي ومن السياسي إلى الديني في أرض الإسلام،فقد تنام الدولة مدنية في عربستان وتستيقظ دينية و يحدث العكس أحيانا.

وهذا راجع إلى غياب دعامة الدولة المدنية التي هي اللائكية. تعاني هذه الكلمة المسكينة الأمرين في معظم البلدان العربية الإسلامية، فهي كلمة معتلة، تعاني خبلا لسانيا مزمنا. فكثيرا ما يفرض عليها مستخدموها دلالات بعيدة كل البعد عن معناها الأصلي،ف كانت و ما زالت عرضة لتأويلات فنتازية تارة ومضحكة في أغلب الأحيان. تحرف الكتابات والخطب الأسس الفلسفية والسياسية للكلمة وتجعل منها ذلك الغول الذي يتربص بالإسلام وبالمسلمين. فكأن في هذه الكلمة- المستشفى ترقد كل هلوسات المسلمين المتعلمين أو بالأحرى نصف المتعلمين.

فجهنم الكاوية هي اللائكية وكفى المؤمنين شر التقدم إلى الأمام. أهمل الكتاب والخطباء والأئمة مدلولها الأولي قصدا أو جهلا، وراحوا يفرضون عليها معاني وإحالات لا تمت إليها بصلة. ينظر إليها، في كل الأحوال، على أنها غزو ثقافي وتوضع دوما في خانة المتعارضات والمتناقضات مع دين الله. فكيف يمكن لمسلم عاقل أن يكون لائكيا واللائكية هي الإلحاد والعياذ بالله والعلماني ملحد مآله الجحيم إن شاء الله ؟! من القاهرة إلى الدار البيضاء ومرورا بعمان وإسلام آباد…وفي كل ربوع هذا العالم المصاب بمرض ‘الحساسية العلمانية’، يُعيَّر المرء ويُتهم في هذه الأيام باللائكية كأنها عيب أو جرم. أصبحت مع الأيام شتيمة وكبيرة من الكبائر. من طالب بأدنى فصل بين الدين والسياسة سيلاحقه العار إلى آخر أيامه. أما من دفعته نزاهته المتهورة للجهر بعلمانيته أو إلحاده أو حتى لا أدريته، فسيَّعين عدوا لدودا للإسلام والأمة وتنهال عليه النعوت المحقرة من كل صوب وحدب. فهنا توزع أوسمة الخيانة بغير حساب فاتحة طريقا مُؤَمنا للخناجر والقنابل. وهو ما يفسر قلة الجمعيات والأحزاب التي تتبنى اللائكية علانية في هذه الديار.

يتغذى الإرهاب الفعلي بشراهة وشرعية من هذا الإرهاب الثقافي. ألا يرى القرضاوي أن العلمانية كفر؟
تعتبر اللائكية، بالإضافة إلى الماركسية والماسونية واليهودية من ألد أعداء الإسلام إن لم تكن أخطرها في ظن من يعتبرونها ضربة قاضية للدولة الإسلامية القائمة والمحلوم بها. أُفرغت هذه الكلمة الملعونة من محتواها وباتت مصدر كل الشرور التي تعصف بالمجتمع الإسلامي ‘المثالي’. فالعلمانيون أعداء للتراث الإسلامي وقيمه، يهدفون إلى تقويضه بوحي من الصهيونية والإستعمار الثقافي الغربي. أليست العلمانية مؤامرة مسيحية-يهودية ضد الإسلام؟ ألا يهدف التَعلمُن إلى إحداث فراغ روحي سرعان ما تملؤه الأطروحات التغريبية؟ تسقط التحفظات والإنتقادات خارج الموضوع جملة وتفصيلا. فكثيرا ما تَقاتل الناس بسبب ‘كلمات’ لم يفهموها أو تعمدوا عدم فهمها. نحن أمام خطيئتين كبيرتين، فقر ثقافي مدقع وتلاعب ايديولوجي بالمدلولات.

اللائكية في هذه الأمصار ضد الدين الإسلامي،بل هي تفسخ آت من الغرب الفاسق. “إنني في غاية الغضب من موقف بعض الذين ما زالوا يحنون لمعركة مضى عليها من الزمن أكثر من قرن والذين يحاولون منع الحياة الدينية (في فرنسا)” ، هكذا يشخص القضية مسؤول قسم التربية في إتحاد الجمعيات الإسلامية بفرنسا. فمن يريد منع ممارسة الشعائر الدينية في فرنسا ومن الذي يريد فرضها؟ من المحزن أن يصل بعضهم إلى مثل هذا الهذيان. فهل الدعوة إلى المحافظة على حق حرية الإعتقاد وإبعاد الدين كليا عن المؤسسات الجمهورية في فرنسا هو حنين إلى مرحلة غابرة؟ إن الحرية الدينية التي يتمتع بها المسلمون وغيرهم في بلاد اللائكية لا يمكنهم أن يحلموا بها في بلدانهم الأصلية. من الأفضل للإنسان أن يكون مسلما في باريس أو برلين أو بوسطن…من أن يكون مسيحيا في الرياض أو الإسكندرية أو الرباط. ألا يقول الملتحون الأتراك في هامبورغ ما لا يستطيعون الهمس به في اسطنبول؟

بعد أعماله حول التراث العربي الإسلامي في كتبه ‘نحن والثراث’، ‘العصبية و الدولة’،’الدولة والدين’…وبعد أن حلل الخطاب العربي المعاصر في ‘التراث و الحداثة’…إلى أن وصل إلى نقد الفكر العربي ذاته في ‘تكوين العقل العربي’ و’بنية العقل العربي’…لم يتوصل المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلا لنفس النتيجة التي وصل إليها أبسط معلم للقرآن في صحراء الجزائر أو أي إمام بضاحية فاس. ما اللائكية، حسب هذا المناضل الإشتراكي البارز، إلا فكرة مستوردة دخيلة على المجتمعات العربية الإسلامية، فليست لها أدنى علاقة بالواقع الذي يعيشه المسلمون.

لذلك فهو يقترح استبدال كلمة اللائكية بكلمة ‘ديمقراطية’ أو ‘عقلانية’. فهل يثقل لفظ العلمانية أو اللائكية كاهل القاموس العربي؟ إنها كلمة تحرج حتى العقول المستنيرة أو التي نحسبها كذلك. يعتقد المفكر الجابري أن فصل الدين عن الدولة لا يناسب المجتمعات العربية الإسلامية لسبب بسيط لخصه في كونه لا يتماشى مع هذه الأخيرة، التي لا يتوفر فيها أي شكل من أشكال الكهنوت، عكس أوروبا التي سادت فيها ازدواجية الكنيسة/الدولة! يحاول فيلسوفنا، وغيره كثيرون، أن يغطي الشمس بالغربال. كيف يمكن أن يكون هذا الموقف موقف رجل يدعي تجديد الفكر العربي، بإعادة النظر في إشكاليات هذاالفكر على ضوء تطور العلوم الإنسانية في الغرب؟ كيف يمكن لرافض لمبدإ من المبادىء الأساسية للحداثة أن يجدد، وكيف يمكنه تجاوزالإشكالية التي تعيث في المجتمعات العربية الإسلامية فسادا منذ عشرات السنين، ‘علاقة التراث والمعاصرة’؟
يبقى ‘الكتاب’ ضحايا قراءة لا عقلانية للواقع فيتخيلون أنفسهم محاطين بيهود ونصارى يتربصون وبعلمانيين وملحدين ما انفكوا على الأمة المحمدية يتآمرون. هذيان يتلوه هذيان. يصاب بالذهول بل يتملكه الأسى من يقرأ وينصت لما يكتب ويقال عن العلمانية في الوطن العربي. يخطر لي في بعض لحظات الإحباط الشديد أن العرب لا يملكون ‘عضو’ العلمانية، وكأن الدولة الثيوقراطية محفورة في صبغياتهم الثقافية. فلا يقدرون على رؤية الإسلام إلا كمنظم للعالم.

مع أنه من الذين يَدعون صراحة لتجديد التراث الإسلامي وإعادة بناء الفكرالعربي، يردد محمد الطالبي حكاية “لا كهنوت في الإسلام”، بمعنى لا سلطة دينية عليا في الإسلام. بل يذهب إلى أبعد من ذلك ودون أدنى خوف من ذكاء قارئه وفطنته، يكتب ممرغا الحقيقة في التراب: “الإسلام دين علماني في أساسه، فلا كنيسة ولا سلطة دينية” ولا هم يحزنون. إنه لمن الغرابة بمكان أن يغامر أستاذ التاريخ بكتابة مثل هذا الكلام البعيد كل البعد عن روح النص القرآني وواقع الحال الإسلامي عموما. في كتاب أسماه ‘عيال الله’- وتمت ترجمته في شكل حوار مطول تحت عنوان ‘دفاعا عن إسلام عصري’ ، حاول صاحبنا الإجابة على أخطر سؤال يؤرق مضجع أغلبية المسلمين ألا وهو :كيف يمكن أن نكون مسلمين اليوم؟ لم تبن إجابته المقدمة في ثنايا الكتاب على أدنى قطيعة جدية مع روح الدوغما الدينية.

ولئن حاول النص أن يقدم بعض أفكار تجديدية محتشمة هنا وهناك، تبقى القراءة محافظة في عموم منطقها و مرماها. حتى محمد الشرفي،الرجل الذي فعل الكثير للمدرسة التونسية يوم كان وزيرا للتعليم والذي ما انفك يدعو صادقا إلى الفصل بين العقل والنقل، يرفض بدوره مصطلح اللائكية ويردد بسذاجة، أخالها تكتيكية أحيانا،المقولة الشائعة القاتلة في حق اللائكية : ” لا تُناسب الإسلام” . يرى صاحب كتاب’الإسلام والحرية، سوء التفاهم التاريخي’، أن مصطلح اللائكية مرتبط بفصل الكنيسة عن الدولة ولا أثر لهذا الأمر في الإسلام، لا سلطة دينية تضاهي سلطة البابا ولا إكليروس. فالإسلام لم يعرف هذا ولا ذاك، إنه الدين الذي كان يجب أن يحرر الفرد من الإستلاب، يقول الإستاذ المبرز .

أليست المسألة مسألة تلاعب بالألفاظ؟ فلئن كانت كلمة’إكليروس’ غير موجودة قاموسيا عند السنة، فمضمونها موجود على أرض الواقع. ما معنى أن ينصب البعض أنفسهم ‘مرجعيات’؟ أما بالنسبة للشيعة فحدث ولا حرج. ألايشكل الملالي طبقة إكليروس متنفذة مماثلة في المعنى وفي المبنى لما عرفته أوروبا قبل ثورتها المباركة ضد الدين؟ ألا يمثل الزي الشيعي للملالي والأزهري للمشايخ تمييزا لهم عن بقية المسلمين؟ ألا يدل ذلك على أنهم طبقة كهنوتية إسلامية محترفة؟ لا أحصل إلا حاصلا إذا أشرت إلى التدخل السافر لرجال الدين في حياة الناس الخاصة والعامة في بلدان الإسلام. لأسباب نفسية تعود إلى شخصية كل معلق ولأخرى ذات علاقة بشعور ما بالذنب ودون نفي وجود شطحات أبوية مفضوحة تلبس لبوسات متعالمة، ينصح فلاسفة وعلماء اجتماع وكل من هب ودب في الغرب بعدم الربط بين فشل مشروع الحداثة العربي والدين الإسلامي… يقدم لنا بعض المهووسين بنسبية الثقافات دروسا في فن الصبر والإنتظار، فلا يملون من تكرار ما مفاده أن المجتمعات لا تتغير بين عشية وضحاها وأن التطور يتطلب النفس الطويل والوقت الكثير. ويضربون لنا مثل أوروبا التي استغرقت علمنتها أكثر من قرنين. “اللائكية والديمقراطية، يقول الديبلوماسي والمفكر الإسرائيلي،إيلي برنافي، مفهومان وراءهما تاريخ طويل وبالتالي فستبوء بالفشل حتما كل محاولة لنقلهما كما هما إلى منظومات اجتماعية وذهنية غريبة عن الحضارة التي أنتجتهما” . أماالخبير بالحركة الإسلامية، برنار لويس، فيستبعد تماما إمكانية جعل الدين قضية شخصية عن طريق الإرادة السياسية .

لكن هذه الإسطوانة التعجيزية ليست جديدة، ففي تقرير عنوانه ‘إلى أين وصلت تركيا الحالية؟’، يصدر الملحق العسكري الفرنسي حكما قاطعا على فشل التجربة الكمالية وذلك في سنة 1924 : ” لا يمكن أن تنجح ثورة في مجتمع إنساني ما لم تنضج العقول لذلك. وينبغي أن يتماشى الوضع الجديد الذي تفرضه الدولة مع إرادة المواطنين والمصالح العليا للوطن”.

بعد سبعين سنة من صدور هذا التقرير،لا يذهب الأستاذ محمد الشرفي أبعد مما ذهب إليه الفيلسوف-العسكري، فهو يرى أن سير العالم الإسلامي نحو الحداثة أمر لا ريب فيه. لكنه يضع شرطيه السابقين، فلا “يتم تطور الأفكار إلا عن طريق التدرج. يقول ” احتاجت أفكار الثورة الفرنسية لثلاثة قرون حتى تفرض نفسها” و يقارن الأستاذ ما لا يقارن أبدا. كانت أفكار الثورة الفرنسية فتحا جديدا وقطيعة شبه جذرية مع ما كان سائدا من قبل عموما. كانت إيذانا بعصر جديد، عصر المواطن والمواطنة. لم يعد فصل الدين عن الدولة في بداية القرن الحادي والعشرين، والمساواة بين الرجل والمراة، وحرية الإعتقاد والرأي…ثقافة بلد معين بل أصبحت مباديء كونية، قيم عابرة للأمم والشعوب و القارات. كيف يمكن لأمة أن تسمح لنفسها أن تتكيف تدريجيا مع البداهة؟ كيف كان سيكون مصير تونس اليوم لو لم يسارع الرئيس الحبيب بورقيبة بأخذ مبادرة رائدة في تحريك الأمور مباشرة بعد الإستقلال؟ كانت له الشجاعة الكافية لمواجهة الواقع ولم ينتظر تطور الذهنيات حتى يلغي المحاكم الدينية ويستبدلها بمحاكم عصرية مدنية.

لم ينتظرالمجاهد الأكبر قرنا، فقد استحدث قانونا للأحوال الشخصية في يوم 13 أوت سنة1956، أي بعد الاستقلال رأسا. لقد منع القانون الجديد تعدد الزوجات والتطليق واعتمد الطلاق القضائي…ولم يتوان الرئيس في سن قوانين كثيرة كان لها الأثر الأكبر والطيب في تحرير المرأة التونسية. فخلافا لكل أخواتها العربيات،لا تحتاج التونسية اليوم إلى موافقة أي كان كي تعقد قران زواجها…تلك أمثال ضربتها تذهب في الإتجاه المعاكس لما يعرف بفلسفة ‘كل عطلة فيها خير’ و ‘الصبر مفتاح الفرج’. إلى متى ينتظر العرب ‘الزمن’ كي يقوم بما يجب أن يقوموا به هم؟ كم من الوقت ينبغي أن يعطوا للوقت؟ صحيح أن العلمنة سيرورة مجتمعية بطيئة ككل السيرورات، ولكن اللائكية فعل قانوني إرادي. متى يفقه مقدمو الدروس أن الحرية تبنى ولا يمكن أن تأتي أبدا بعفوية عبر بنيات الثقافة؟

من أجل إنتاج ردود أفعال رافضة للحداثة عموما وللائكية خصوصا وتشويه معناهما ومبتغاهما لدى الجماهير الشعبية العريضة،وبغية الدفاع عما يسمونه ‘الشريعة’ و تبرئتها من كل ما يوجه إليها من تهم ثقيلة، يسرع أنصار الإسلام الشامل إلى القول ألا شيء في الإسلام يشبه البابوية. وذلك لا لشيء سوى لرفض فصل الديني عن الدنيوي. يتباهون ويتبجحون بألا وجود لطبقة رجال دين عندنا،. لكن إن كان هذا الأمر صحيحا على مستوى الشكل واللفظ، إذ لا وجود لطبقة رجال دين مماثلة لما كان سائدا في أوروبا، ففي العمق تبقى المسألة واحدة بكل المواصفات. توجد في أرض الإسلام سلطة دينية فعلية، مستترة مرة وبادية للعيان في أكثر الأحيان.

فقهاء وأئمة،أصحاب فتوى ومؤذنون، معلمو قرآن وغيرهم كثير من الذين يعيشون من الدين. ألا يتصرف الفقهاء مثل الإكليروس؟ كل كتابة لا تجهر بالفصل تقف حجرعثرة أمام شفاء المسلم من فوبيا العلمانية وتقف حاجزا أمام تحوله إلى مواطن يقبل بالإختلاف والحرية،أن يكون ابن زمانه. لا تقوم للديمقراطية قائمة ما لم يتم الفصل بين المواطن و المؤمن.

حميد زناز صاحب كتاب:عصرنة الإسلام؟ ذلك الوهم الكبير-بالفرنسية

hamidzanaz@aol.fr

[1] Courrier International, du 04 au 10 mais 2006

[1] نفس المرجع.

www.kalimtunisie.com [1]

[1] Mohamed Talbi, Plaidoyer pour un islam moderne ,Cérèse, Tunis. Desclée
Bruwer, Paris, 1998

[1] l’Histoire, juillet- août 2004

[1] Charfi Mohamed ,Islam et liberté, le malentendu historique ,Albin Michel, 1998,p.191

[1] L’Histoire, juin-juillet2004, numéro spécial

[1] Voir Lewis Bernard ,Islam et laïcité. Naissance de la Turquie moderne ,Fayard, Paris, 1998

[1] Historie n°682 ,octobre 2003

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This