الكاريكاتور يبدأ من هنا
أراهن على أنّ هذا الأخ مسلم لا ريب فيه، والأرجح أن يكون أيضا عربيا من دولة غنيّة، والدّليل أنّه قادر على “تسويح” خمس نساء في ضربة واحدة، والدّليل الثاني هو سعة مؤخّرته التي لا يمكن أن تكون لمسلم من بنغلادش مثلا.
ولنفترض أنّ المكان هو النّرويج، ويمرّ صدفة رسّام كاريكاتوري في حالة أزمة إبداع، فما الّذي يمنعه من تقبيل أخينا المصوّر لمجرّد أنّه وفّر له مادّة فنيّة جاهزة… تتحوّل فيما بعد إلى أزمة ديبلوماسية وحرب حضارات !
وعندما نقول خمس نساء، فذلك من باب التّخمين فحسب. فلا دليل قاطع لدينا تثبته العين المجرّدة إذ سرّ الحجاب أنّ بمقدوره صون امرأة أو إخفاء غلام.
ثمّ ما هي حكاية هذه الخامسة التي تقف خارج الشّريعة، أهي أخت أم ابنة أم خادمة أم هي أمّ المصوّر الفنّان ؟
أسئلة كثيرة مرهقة تثيرها الصّورة لحضور “السّورة” فيها وغياب “الصّورة” عنها. نرى شبحا ولا نرى وجها.
ماذا ستقول “الخوامس” لصاحبتهنّ عن زيارتهنّ لبلاد الإفرنج أو إلى ربوع نصف الإفرنج كلبنان أو تونس: انظري كيف أنا في البلاد “السّائحة” ؟ وسيكون الردّ حتما : أيّهنّ أنتِ ؟ أو سيكون : هلاّ أعطيتني إيّاها لأغيض بها صاحباتي سيّما وأنّنا متقاربتان طولا وعرضا !
أمّا الّذي يحيّرني أكثر فهو : كيف تجاوزت “الخوامس” مطار البلد المضياف.
أتخيّل نفسي مكان عون الشرطة الحدودية، والْعُهْدَةُ مُنَاطة بعاتقي في التثبّت من صلاحية جواز السّفر ومدى تطابق الصّورة مع المختفية أمامي وراء ستار الأمان.
–أوّلا : ستجتاحني رغبة جامحة في الكشف عن وجهها مع أمل أن يكون مليحا. فَهَتْكُ المحرّم رغبة دفينة فينا، نحن الذّكور، ولأجلها اسْتُنْبِط الحجاب فالنّقاب لحكمة في كبحها، فما بالك عندما تتاح الفرصة، بحكم واجب مهنيّ، في التثبّت من الهويّة ؟
–ثانيا : لو اكتشفتُ صورة المرأة عارية الوجه على جواز السّفر، لأمر بديهي لا جدال فيه، فما حكم الشّرع في الأمر ؟
–ثالثا : كيف السّبيل إلى مقارنة الصّورة بالأصل ؟ أَسَتَكْشِفُ الْحلوة عن وجهها بحضور زوجها، أم أطلب منها مرافقتي إلى خلوة لأحميها من أعين الرّأي العام المُجْتَمِع في المطار ؟
أعرف أنّ الأمر مجرّد أضغاث أحلام إذ ستتكلّف زميلتي في الأمن الحدودي بذلك، وسيستحسن الزّوج إخراجه من الورطة التي كادت أن تكون مضاعفة خمسة مرّات، وقد يشكرنا على تشغيل نسائنا في مثل هذه الأعمال الحسّاسة وهو لا يفقه العلاقة بين تحرير المرأة واقتحامها ميدان الشّغل، وبين إسعافه من وضع كان سيحرج رجولته بما لا يبقى منها شيئا، لو كشف رجل على امرأته الملفوفة بإحكام في قُماطة الشريعة والأخلاق.
لُبُّ الحكاية هو أنّ هذه الصّورة هي صورتنا، بمعنى من المعاني، في بحثنا عن تأصيل هويّة جماعية يكون فيها الفرد مغيّبا. فهي بقدر ما ترمز مباشرة إلى وجه قرآني يخصّ المرأة في إحدى قراءاته الممكنة، فإنّها تخفي، في قراءة أوسع، وجه الفرد في الجماعة.
فصاحبنا في الصّورة، أكيد أنّه يعتقد بكلّ طيبة، في وجوديته داخل منظومة الوفاق الجماعي، سيّما إذا كان هذا الإجماع يمنحه، كذكر، صفة الدّيك في قنّ الدّجاج، وهي الفلسفة السّارية في منطقتنا الثقافية التي لم تدرك بعد أنّ قيمة الفرد هي قيمة صافية ومطلقة تتأسّس من خلالها الهوية الجماعية، عكس ما نعتقد من أنّه على الفرد الانخراط في تمثّلات ذهنية-ثقافية سابقة لوعيه بفرديته.
ملاحظة أخيرة، قد تكون تبادرت إلى ذهن الكثير من القرّاء: بحكم انتشار ظاهرة معلومة رغم أنّها غير معلن عنها لأنّها تدخل في باب المسكوت عنه، خاصّة في البلاد القادم منها صاحبنا، فإنّ مظهر مؤخّرة صاحبنا على الصّورة، قد يكون لدى كثير من “المغرمين”، أشدّ فتنة من وجه نسائه الخمس، لو كنّ سافرات.
