
أثارت مقالة عبد السلام بنعبد العالي المنشورة في الأوان ، تحت عنوان
السياسي – النجم اهتمامي بشدة ، كوني ومنذ فترة طويلة ، تثقل علي ظاهرة النجومية ، وعلى الأخص في الأدب . ولكني ، ما إن ضغطت على ” للمزيد ” ، لقراءة المقال كاملا ، حتى أصبت بالإحباط ، لأن مقال السيد بنعبد العالي لا يروي الظمأ .
يشبه الأمر تماما كمن يدعوك إلى الطعام ، وما أن تنهي طبق السلطة مثلا ، أو أي طبق تطلبه كمقدمة ، قبل الطبق الرئيسي ، لفتح شهيتك ، حتى تفاجأ بأنه ما من طبق آخر ، وأن كل الوجبة هذا الطبق الأول .
لا أعرف لماذا يميل السيد بنعبدالعالي إلى الابتسار ، وهو الذي يفتح جروحا مهمة في جسد المعاناة الفكرية العربية ، ولكنه ، يميل إلى ترك الجرح ، والانصراف عنه ، إما لقصد منه فيكتفي بالإشارة ، أو لتواضع منه ، لا أفهمه ، إذ لا يميل إلى استعراض أفكاره بتوسع ، أو لنزق خاص به ، إذ لا يميل إلى الاستمرار في موضوعه حتى الآخر ، وأنا أقول حتى الآخر، لأني أشعر أن مقالاته تتوقف بعد المقدمة .
تحدث المقال عن ظاهرة النجومية ، وأنا أسميها ، ترويج الذات . حيث تتم في هذه الحالات المدروسة ، صناعة النجم ، سواء كان هذا النجم رجل سياسة ، أو رجل فكر ، أو فن ، أو إعلام ، الخ . إنه قانون السوق المعاصر، تسويق المنتج.
قبل أن يجد المروج له، المؤسسة التي ستقوم بذلك، عليه أولا أن يتقن ” ترويج ذاته ” أمام تلك المؤسسة، وبالتالي تقوم هي بدورها، بترويجه. المسألة صناعية وحرفية بدقة ، ليس المهم المكونات الداخلية للسلعة ، ولكن ، الشكل الذي تقدم به .
ترويج الذات لا يدل دوما على الابتذال ، فثمة أساليب كثيرة ، ومبتكرة ، لهذا الترويج ، من خلال لعب المروج له ، على نقطة حساسة ما ، وإثارتها لدى المتلقي ، أو المستهلك . وهذه النقطة الحساسة تختلف من مستهلك لآخر ، ومن جغرافيا لأخرى ، ومن زمن لآخر.
إن أول صورة خطرت ببالي بعد الانتهاء من قراءة النص الصغير الذي كتبه السيد بنعبد العالي ، هي صورة الرئيس ساركوزي ، وفعلا ، لقد خاض هذا الرجل حربا انتخابية ضارية ، حتى وصل إلى الرئاسة ، وقد ساعدت كثيرا ، مهارته ، و مهارة فريقه ، ومهارة القائمين على الحملة ، في ترويجه .
الأمر يشبه كثيرا ، العلاقة بين مندوب المبيعات ، والمنتج الذي يروج له ، قد لا يكون المنتج مهما ، وهو هكذا في أغلب الأحيان ، إلا أن كيفية الترويج ، وتقديم السلعة ، قد ” تزغلل ” عيون المستهلك ، وهو هنا ، المواطن ، الفرنسي أو غيره في الأنظمة التي تمارس الانتخابات بصدق و شفافية ، لا كالأنظمة التي تعبث بصناديق الانتخاب ، كحال معظم الصناديق العربية . ولا ينطبق المثال فقط في السياسة ، بل يتعداه إلى باقي فعاليات العيش الأخرى ، الموازية وربما الأكثر أهمية ، الفعالية الثقافية هنا ، فيمارس قانون ترويج المنتج السيئ على المستهلك ، والمستهلك هنا سلبي بشدة ، لأنه يتلقى مجبرا ، ضمن ضيق الخيارات ، وسهولة تلقي العمل المختار مسبقا ، والمقدم له ، للاستهلاك مباشرة .
للأسف، فإن الثقافة الغربية، التي ندين لها بالكثير دون شك ، أفرزت نظاما استهلاكيا آليا ، يعتمد القيمة السطحية للأشياء ، ويحول كل القيم الإنسانية إلى مجرد أرقام . وأنا أظن أن الانتخابات الأميركية القادمة ، ستقدم لنا نتائج مشابهة ، من حيث ، وصول الأسوأ دوما . هذا ما أفرزه النظام الرأسمالي ، تراجع القيمة المعنوية للإنسان ، والانتصار للقيم المادية . تحول كل شيء إلى سلعة ، وصارت الثقافة ، وهي همّي هنا ، إحدى السلع التجارية .
فإذا ألقينا نظرة على الصادرات، وعلى أصحاب الجوائز، وعلى أغلبية المشاهير، وخاصة، وهذا همّي أيضا، في العالم العربي، نجد أن الأغلبية لا تستحق ما وصلت إليه. ثمة استثناءات دون شك ، ولكن يتم تجاوزها عادة حين التحدث عن القاعدة ، إذ لا يمكننا اعتبار كل النتاج الفكري المعاصر ، مجرد حالات تسويقية ، ولكنه في أغلبه هكذا .
وإذا كان النظام الغربي ، ضمن مساحة الحرية المتاحة بوفرة ، يهيئ إمكانية النقد والتراجع ، فإن هذه الحرية غير موجودة في العالم العربي ، وكذلك في ظل غياب النقد والمراجعة ،أي إن وصول المنتج ، أو السلعة ، إلى مراكز النجومية ، في الثقافة العربية ، يعني وصولا نهائيا لا عودة عنه .
ثمة الكثير من الأسماء الفكرية المهمة في عالمنا العربي ، مهمّشة ، تصطف في الظل ، لتظهر بدلا عنها ، بل تحتل مكانها ، أسماء لا تمثل كثيرا الوجه الفكري للثقافة المنشودة . والمشكلة الأكثر خطرا ، لا تتعلق بوصول هذا النجم ، بل المشكلة هي في تقنين هذا الشكل من المنتج ، بحيث يصبح هذا النجم ، مسطرة ، أو ماركة ، أو علامة ، على الأجيال اللاحقة إتباعها … أي يصبح الأخ : مرجعية .
ثمة أسماء لامعة بشدة في الوسط الثقافي ، وأنا أؤمن ، أن الكثير ممن يستخدم هذه الأسماء كمرجعية ، لم يقرأ لها كلمة واحدة ، وهكذا يصبح الشخص ذاته ، لا نتاجه ، هو البطل .
فبدلا من أن يسعى أي قادم على طريق التمثيل مثلا ، لأن يكون ممثلا جيدا ، فهو يسعى لأن يصبح مثل غوار الطوشة ، أو حنان ترك ، قبل الحجاب وبعده … وأنا استعملت أمثلة اعتباطية لا علاقة لها كثيرا بالنص ، لأني لا أريد فتح النار علي ، من خلال استفزاز أحد الأسماء المعرشة على الكراسي العربية ، والتي تحصد الجوائز والتكريمات ، يوما تلو الآخر.
الخطر إذن يمكن في فرض هذا القانون، إذا أردت أن تنجح، افعل مثلي. أذكر أني رأيت لقاء قديما مع الفنانة هيفاء وهبي ، قالت وقتها ، أظن مع نيشان ، أنها تشعر بالسعادة حين ترى طفلة صغيرة تقلدها . قد تتمتع هيفاء بميزات معينة ، أهّلتها للوصول ، ولست هنا معنية بتقييمها ، ولكن أن يصبح حلم الكثيرات ، هو أن يصرن هيفاء … فهذه مصيبة .
اشكر الأخ بنعبد العالي على مقالته ، ولولا أني أشعر أني بدأت أثقل على القارئ ، لتابعت أكثر ، ولكن الأمر ليس عرضيا ، بل ظاهرة تستحق التوقف ، كيف تروج لذاتك ، لتصل ؟ وإذا كنت عربيا ، فأنت خارج النقد ، ستصل ، وتلصق !
السياسي – النجم اهتمامي بشدة ، كوني ومنذ فترة طويلة ، تثقل علي ظاهرة النجومية ، وعلى الأخص في الأدب . ولكني ، ما إن ضغطت على ” للمزيد ” ، لقراءة المقال كاملا ، حتى أصبت بالإحباط ، لأن مقال السيد بنعبد العالي لا يروي الظمأ .
يشبه الأمر تماما كمن يدعوك إلى الطعام ، وما أن تنهي طبق السلطة مثلا ، أو أي طبق تطلبه كمقدمة ، قبل الطبق الرئيسي ، لفتح شهيتك ، حتى تفاجأ بأنه ما من طبق آخر ، وأن كل الوجبة هذا الطبق الأول .
لا أعرف لماذا يميل السيد بنعبدالعالي إلى الابتسار ، وهو الذي يفتح جروحا مهمة في جسد المعاناة الفكرية العربية ، ولكنه ، يميل إلى ترك الجرح ، والانصراف عنه ، إما لقصد منه فيكتفي بالإشارة ، أو لتواضع منه ، لا أفهمه ، إذ لا يميل إلى استعراض أفكاره بتوسع ، أو لنزق خاص به ، إذ لا يميل إلى الاستمرار في موضوعه حتى الآخر ، وأنا أقول حتى الآخر، لأني أشعر أن مقالاته تتوقف بعد المقدمة .
تحدث المقال عن ظاهرة النجومية ، وأنا أسميها ، ترويج الذات . حيث تتم في هذه الحالات المدروسة ، صناعة النجم ، سواء كان هذا النجم رجل سياسة ، أو رجل فكر ، أو فن ، أو إعلام ، الخ . إنه قانون السوق المعاصر، تسويق المنتج.
قبل أن يجد المروج له، المؤسسة التي ستقوم بذلك، عليه أولا أن يتقن ” ترويج ذاته ” أمام تلك المؤسسة، وبالتالي تقوم هي بدورها، بترويجه. المسألة صناعية وحرفية بدقة ، ليس المهم المكونات الداخلية للسلعة ، ولكن ، الشكل الذي تقدم به .
ترويج الذات لا يدل دوما على الابتذال ، فثمة أساليب كثيرة ، ومبتكرة ، لهذا الترويج ، من خلال لعب المروج له ، على نقطة حساسة ما ، وإثارتها لدى المتلقي ، أو المستهلك . وهذه النقطة الحساسة تختلف من مستهلك لآخر ، ومن جغرافيا لأخرى ، ومن زمن لآخر.
إن أول صورة خطرت ببالي بعد الانتهاء من قراءة النص الصغير الذي كتبه السيد بنعبد العالي ، هي صورة الرئيس ساركوزي ، وفعلا ، لقد خاض هذا الرجل حربا انتخابية ضارية ، حتى وصل إلى الرئاسة ، وقد ساعدت كثيرا ، مهارته ، و مهارة فريقه ، ومهارة القائمين على الحملة ، في ترويجه .
الأمر يشبه كثيرا ، العلاقة بين مندوب المبيعات ، والمنتج الذي يروج له ، قد لا يكون المنتج مهما ، وهو هكذا في أغلب الأحيان ، إلا أن كيفية الترويج ، وتقديم السلعة ، قد ” تزغلل ” عيون المستهلك ، وهو هنا ، المواطن ، الفرنسي أو غيره في الأنظمة التي تمارس الانتخابات بصدق و شفافية ، لا كالأنظمة التي تعبث بصناديق الانتخاب ، كحال معظم الصناديق العربية . ولا ينطبق المثال فقط في السياسة ، بل يتعداه إلى باقي فعاليات العيش الأخرى ، الموازية وربما الأكثر أهمية ، الفعالية الثقافية هنا ، فيمارس قانون ترويج المنتج السيئ على المستهلك ، والمستهلك هنا سلبي بشدة ، لأنه يتلقى مجبرا ، ضمن ضيق الخيارات ، وسهولة تلقي العمل المختار مسبقا ، والمقدم له ، للاستهلاك مباشرة .
للأسف، فإن الثقافة الغربية، التي ندين لها بالكثير دون شك ، أفرزت نظاما استهلاكيا آليا ، يعتمد القيمة السطحية للأشياء ، ويحول كل القيم الإنسانية إلى مجرد أرقام . وأنا أظن أن الانتخابات الأميركية القادمة ، ستقدم لنا نتائج مشابهة ، من حيث ، وصول الأسوأ دوما . هذا ما أفرزه النظام الرأسمالي ، تراجع القيمة المعنوية للإنسان ، والانتصار للقيم المادية . تحول كل شيء إلى سلعة ، وصارت الثقافة ، وهي همّي هنا ، إحدى السلع التجارية .
فإذا ألقينا نظرة على الصادرات، وعلى أصحاب الجوائز، وعلى أغلبية المشاهير، وخاصة، وهذا همّي أيضا، في العالم العربي، نجد أن الأغلبية لا تستحق ما وصلت إليه. ثمة استثناءات دون شك ، ولكن يتم تجاوزها عادة حين التحدث عن القاعدة ، إذ لا يمكننا اعتبار كل النتاج الفكري المعاصر ، مجرد حالات تسويقية ، ولكنه في أغلبه هكذا .
وإذا كان النظام الغربي ، ضمن مساحة الحرية المتاحة بوفرة ، يهيئ إمكانية النقد والتراجع ، فإن هذه الحرية غير موجودة في العالم العربي ، وكذلك في ظل غياب النقد والمراجعة ،أي إن وصول المنتج ، أو السلعة ، إلى مراكز النجومية ، في الثقافة العربية ، يعني وصولا نهائيا لا عودة عنه .
ثمة الكثير من الأسماء الفكرية المهمة في عالمنا العربي ، مهمّشة ، تصطف في الظل ، لتظهر بدلا عنها ، بل تحتل مكانها ، أسماء لا تمثل كثيرا الوجه الفكري للثقافة المنشودة . والمشكلة الأكثر خطرا ، لا تتعلق بوصول هذا النجم ، بل المشكلة هي في تقنين هذا الشكل من المنتج ، بحيث يصبح هذا النجم ، مسطرة ، أو ماركة ، أو علامة ، على الأجيال اللاحقة إتباعها … أي يصبح الأخ : مرجعية .
ثمة أسماء لامعة بشدة في الوسط الثقافي ، وأنا أؤمن ، أن الكثير ممن يستخدم هذه الأسماء كمرجعية ، لم يقرأ لها كلمة واحدة ، وهكذا يصبح الشخص ذاته ، لا نتاجه ، هو البطل .
فبدلا من أن يسعى أي قادم على طريق التمثيل مثلا ، لأن يكون ممثلا جيدا ، فهو يسعى لأن يصبح مثل غوار الطوشة ، أو حنان ترك ، قبل الحجاب وبعده … وأنا استعملت أمثلة اعتباطية لا علاقة لها كثيرا بالنص ، لأني لا أريد فتح النار علي ، من خلال استفزاز أحد الأسماء المعرشة على الكراسي العربية ، والتي تحصد الجوائز والتكريمات ، يوما تلو الآخر.
الخطر إذن يمكن في فرض هذا القانون، إذا أردت أن تنجح، افعل مثلي. أذكر أني رأيت لقاء قديما مع الفنانة هيفاء وهبي ، قالت وقتها ، أظن مع نيشان ، أنها تشعر بالسعادة حين ترى طفلة صغيرة تقلدها . قد تتمتع هيفاء بميزات معينة ، أهّلتها للوصول ، ولست هنا معنية بتقييمها ، ولكن أن يصبح حلم الكثيرات ، هو أن يصرن هيفاء … فهذه مصيبة .
اشكر الأخ بنعبد العالي على مقالته ، ولولا أني أشعر أني بدأت أثقل على القارئ ، لتابعت أكثر ، ولكن الأمر ليس عرضيا ، بل ظاهرة تستحق التوقف ، كيف تروج لذاتك ، لتصل ؟ وإذا كنت عربيا ، فأنت خارج النقد ، ستصل ، وتلصق !