عنف خطاب الهوية

ترى باربرا وايتمر، أن الصمت يجعل الإنسان في مأمن من العنف (الثقافي) الذي يمكن أن يصادفه المرء في العالم الخارجي المقتحم والجارح في آن. إذ ليس هناك من مجال في خطاب القوة يمكنه أن يحترم خطاب الآخر الأضعف. وينتج عن ذلك أن خطاب القوة هذا، لايسمح بتسمية العنف، بل يصبح هو العنف، ويصبح الجاني/المتسلط مجهولا، ويبقى ظلا شاملا، غائبا حاضرا لا تكشف عن حضوره ووجوده سوى الآثار التي يتركها على الخطاب. وهذا ما حدث بالنسبة للهوية الثقافية العربية، التي دائما تنطلق من علاقتها بالماضي باعتبارها زمنا مطلقا، ودائم الحضور.

فمن كبرى المغالطات التي يسوقها الخطاب السلفي، أن التراث العربي هوالتراث الديني، والحال أن الدين لايشكل سوى أحد العناصر المكونة له. ولهذا فثمة العديد من المكونات والتجارب الإنسانية التي ساهمت في بلورة وإنتاج الخطاب المعرفي التراثي. لهذا لاينبغي لنا أن نخلط بين الحقائق والأحداث التي كانت دينية والتي ارتبطت بالرسول وانتهت مع وفاته، وبين الأحداث التاريخية التي شكلت بعض الرموز والأسماء وبعض النصوص أحد عناصرها. فأصبحت الشخصيات التراثية من مجرد أشخاص، إلى مفاهيم تضخمت فيها المعنى وتراكمت فيها طبقات التقديس. لكن النقطة المحورية التي يجب الإشارة إليها، كون الإسلام ظل على مدى التاريخ دين الدولة والمجتمع على السواء. إذ تم الإبقاء على هذا التوازي المطلق، مما مكن الأنظمة والسلطة الحاكمة من إنتاج نمط من الدين يكون هو الأكثر خدمة لمصالح الحكم والأكثر محافظة على استمراره. وهذا التواطؤ حول فهم الدين بين السلطة والجمهور، جاء نتيجة التدجين الذي مارسته السلط الحاكمة، منذ الخليفة الأول (أبو بكر الصديق) والذي لم يتوان في قمع والقضاء، بل والتنكيل بكل من عارض أو انزاح عن الخط الرسمي/الحاكم في فهم القضايا والواقع والوقائع. وهو ما أحدث واقعا تماهى فيه المتسلط والمتسلط عليه، فصارت العامة تقبل بكل ما يأتيها من فوق، مادام أن الحاكم لايتوان في خدمة رغبات الجمهور الدينية.

والمعروف أن السلط المهيمنة والطبقات التي تسود، دائما تزيف التاريخ، أو تنتج الحقيقة التاريخية وفق ما يخدم مصالحها، لذلك فمن الطبيعي أن تظل نفس الممارسات التي توظف نمطا من العنف الثقافي في التعتيم والإبقاء على العناصر التي تتبرأ من الكشف عن الصراع الطبقي والثورات الفكرية، والاختلافات الفلسفية التي من شأنها أن تغذي هوية الفرد.لأن السلطة الثقافية العربية الإسلامية، تعلن عن حرصها على حماية الإسلام وشعائره، لذا يبدو الدين بالنسبة إلى السلطة المتخلفة، هو السبيل الأضمن لكسب الرأي العام وامتصاص نقمته، بحيث من الناذر أن تلجأ سلطة مهيمنة كهذه، إلى تقديم تنازلات حقيقية للجمهور من أجل الحصول على تأييده. وتوفير هذه الضمانة لا يكلف أكثر من الاستجابة لمطالب المتدينين واتباع ما يؤدي إلي إشباع عواطف الجمهور الدينية، ومن هنا كان تسخير كل الوسائل القمعية والتمويهية لكبح كل ما من شأنه أن يمس برمزية وقداسة كل ما هو ديني، مع توظيف عناصر الإثارة والجدل في وسائل الإعلام، في الوقت الذي نلاحظ أن الالتزام لايكون في العمق إلا سياسيا، أي ما يخدم مصالح الحكم1 (1- هادي العلوي؛ مجلة مواقف. العدد1. 1970). وهو التواطؤ الذي لازال يتقوى إلى الآن، بعد أن رسخ واستمد هويته من الجذور التاريخية لخطاب العنف الممارس من قبل سلطة التراث وهويته الثقافية »مستندين إلى كل ما هو ضيق الأفق وصل إلينا في مراحل مثها السلاطين والأمرا والولاة سلطات تتحكم بالنصوص المنتجة لتكريس هيمنتها وتبرير سلطتها«2 (نصرحامد أبو زيد؛ دوائر الخوف. المركز الثقافي العربي. 1999. ص.137).

والحال أن من العناصر التي ساهمت في تقوية هذا النمط، هي عامل الاستعمار، حيث عملت الأنظمة التي أمسكت بزمام الحكم في الدول العربية المتحررة، بالعودة إلى أداة الدين، باعتباره حاجة ضرورية تستوجبها اللعبة. والسبب في ذلك راجع إلى ضعف المشاريع التي تبنتها الحكومات، مع انعدام إرادة الإصلاح الحقيقية التي قد تمس البنيات العميقة للمجتمع، وخصوصا ما يمكن أن يعصف بخطاب يشكل دعامة رئيسة في بنيان الأنظمة الحاكمة، التي ليست مستعدة لتقديم المزيد من المتيازات التي تم توريثُها لها على مدى تاريخ الحكم الإسلامي.

إن تقنيات التصنيف والتنميط التي تحكم بنى العقل العربي، والتي لا تتوقف عن تغذيته وإمداده بمكونات تجعل منه قابلا للاستهلاك، واختراق المؤسسات الاجتماعية، وإعادة إنتاج الخطاب الذي لا يفقد عنفه الثقافي السلطوي، بما يجعل منه دائم التجدد والراهنية، يجعلنا نعيد النظر في كل المنتجات والصور المرتبطة بهذه الآلة التي تشتغل وفق آلية التدجين وتغييب القضايا الحقيقية في سؤال الهوية، والعنف الثقافي الذي تنتجه الخطابات التي توظف نظرة لاعقلانية، وتجعلنا في علاقة ملتبسة ومرتبكة مع هويتنا في علاقة الذات بكل الأبعاد الزمنية الثلاثة، الماضي الذي يمثل حقيقة الذات بالنسبة للهوية الثقافية العربية الإسلامية المهيمنة، والحاضر الذي تتخلله اختلالات وانعدام التواصل مع الآخر، والمستقبل الذي لا يُنظر إليه إلا انطلاقا من الماضي لا الحاضر!

لذلك لايمكن التعامل مع الظواهر والسلوكات المتفشية في المجتمع العربي -راهنا- بالتغافل أو التغاضي عنها، وإنما هي نتيجة آلة فكرية تكشف عن طبيعة الصور الثقافية المتحكمة والمنتجة، في آن، لنظرة محددة تجاه العالم. ومن ثم فإن الحجاب (مثلا) لم يعد مسألة “حلال” أو “حرام” أو تبرير فقهي أو شرعي، وإنما هو شحنة وجدانية يتواصل من خلالها الجسد الأنثوي المعبر عن طبيعة الاختراقات السلطوية الرمزية في نسيج الوعي والتمثلات التي تكسب العقل العربي هويته الثقافية الراهنة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This