المشاريع الوحدوية العربية وتحديات البنى الوطنية
ما يزال الفكر السياسي العربي ينطلق من مقولة غياب الوحدة العربية كعامل مقرر في الانقسام العربي والعجز عن مواجهة المعضلات والمصاعب الداخلية والخارجية. يعتبر هذا الفكر أن الوحدة العربية أمر بديهي ويعزو عدم تحققها إلى المؤامرات الخارجية والأطماع الاستعمارية. يغيب عن هذا المنطق والنهج في القراءة أن التجزئة العربية هي الأساس وليس الوحدة، وان أي نقاش في واقع العالم العربي يجب أن ينطلق من رؤية هذه التجزئة وتجذرها في المجتمعات العربية، بحيث يتوجب قراءة عوامل استمرارها وهيمنتها كشرط أساسي لفهم الأسباب التي منعت وما تزال وصول العالم العربي إلى تحقيق حد أدنى من مكونات توحيدية. وهو أمر يستدعي قراءة في الخطاب السياسي العربي حول الوحدة، والنظر إلى المشاريع الوحدوية التي قامت على امتداد خمسين عاما، لتبيان الأسباب الداخلية والخارجية التي أعاقت نجاح هذه الوحدات، وصولا إلى السؤال الراهن – المقبل حول شروط قيام هذه الوحدة.
{{الوحدة في الخطاب السياسي العربي}}
يعود شعار الوحدة العربية إلى نهايات القرن التاسع عشر واستمر مرفوعا على امتداد القرن العشرين. تمحور مضمونه حول أن هذه الوحدة تساهم في خلق دولة عربية واحدة تستطيع إذا ما وظفت مواردها الضخمة وضع الأمة العربية في مصاف الدول المتقدمة، وتزيل التخلف الذي تقيم فيه الدول العربية سواء في الميدان الاقتصادي أو العلمي والتربوي أو في مجال الإصلاحات السياسية. وتركز الشعار حول كون هذه الوحدة ستمكن الأمة العربية من مواجهة المشاريع الاستعمارية الخارجية المتمثلة في الاستعمار والمشروع الصهيوني بما يؤمن لهذه الشعوب التحرر والاستقلال. على امتداد قرن، تنوع الخطاب الوحدوي وتفاوت في طروحاته وأهدافه بما يعكس الخلفية الفكرية التي كان ينطق كل طرف من خلالها، بحيث سادت ثلاثة خطابات رئيسية:الخطاب القومي العربي، الخطاب الاشتراكي ثم الخطاب الإسلامي.
يشكل الخطاب القومي العربي الذي مثلته الناصرية وحزب البعث وحركة القوميين العرب الخطاب الأكثر هيمنة على امتداد نصف قرن. اخترق شعار الوحدة البرامج السياسية وكان في صلب المقومات الفكرية لهذه المشاريع. ما يزال شعار البعث “وحدة، حرية، اشتراكية” شعارا مركزيا حتى اليوم. وما زالت بقايا القوى الناصرية تهزج بشعار “حرية، اشتراكية، وحدة”، كما ما تزال الأطراف ذات الانتماء القومي العربي تضع في رأس مطالبها قضية الوحدة. مع الإشارة إلى أن هذا الخطاب كان في عقود مضت يستقطب الملايين من الجماهير العربية، فيما فقد وهجه منذ عقود خصوصا بعد هزيمة حزيران 1967.
تكمن معضلة الخطاب القومي العربي من كونه يلتزم مقولة ثابتة ترى الأمة العربية أمّة ناجزة التكوين بل هي قائمة ومتحققة منذ السيطرة العثمانية، بل يذهب بعض منظري الخطاب إلى تنسيب ورسوخ التكون القومي إلى قرون سابقة على إطلاق شعار الوحدة القومية. يعتبر أصحاب هذا الخطاب أن التجزئة فعل استعماري هدف إلى منع قيام الوحدة. يكمن الخطأ هنا في جهل لمكونات المجتمعات العربية التي تسودها العصبيات التقليدية ذات السمة العشائرية والقبلية والاثنية والطائفية. ويتجاهل هذا الخطاب أيضا أن الأصل في الواقع العربي هو التفتت والتجزئة، وهو لم يعرف يوما هذه الوحدة “الموهومة” التي أسقطها الخطاب القومي على العالم العربي وحسم بأن الأمة قائمة ومتكونة فيه على أكمل وجه.
تسود في الخطاب القومي العربي نظرية المؤامرة الاستعمارية التي جزأت المنطقة العربية وأقامت فيها دويلات وكيانات منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وعبر اتفاقات “سايكس-بيكو”. لم يقسم الاستعمار المنطقة العربية، بل بنى على واقع مجزأ في الأصل، وركب كيانات ذات وظائف متعددة بما يتوافق مع إستراتيجيته ومصالحه، وسيجها بأنظمة استبدادية محلية وبحراسة عسكرية مباشرة أو عبر زرع المشروع الاستيطاني الصهيوني. هكذا يغيب عن الفكر القومي إجمالا تجاهل أن واقع التجزئة القائم وطبيعة بنى المجتمعات العربية شكلت العامل الرئيسي في نجاح الاستعمار وتضخيمه للتجزئة العربية. لا يمنع هذا من الإشارة إلى أن محاولات وحدوية غالبت هذا الواقع وسعت إلى وحدات سرعان ما كان الاستعمار الفرنسي والبريطاني يطيحان بها من خلال الاعتماد على القوى العربية الداخلية.
يضاف إلى هذه العناصر مسألة أساسية تتصل بالنظرة الشوفينية للفكر القومي العربي والتعصب الأعمى تجاه رفض الاعتراف بخصوصيات المجتمعات العربية واعتبار كل من لا يعتمد هذا الفكر وفق الطرح السائد عميلا للاستعمار أو مناهضا للوحدة. ظل هذا الخطاب داعيا إلى الوحدة الاندماجية بين أقطار الوطن العربي دون الأخذ بمدى توفر شروط التوحيد سواء على صعيد البنى القائمة أو على مدى نضج المجتمعات للانضمام لمثل هذه الوحدة. وهو خطاب خلق توجسا في كل بلد يضم اثنيات وأعراقا ذات خصوصية محددة. سيشكل هذا الخطاب غير الديمقراطي تجاه البنى القائمة واحدا من عناصر رفض المشروع الوحدوي وتمسك الأقليات بالكيانات القطرية القائمة التي تضمن لها على الأقل عدم انصهارها وذوبانها وسط الغالبية السائدة.
يتقاطع الخطاب الاشتراكي تجاه الوحدة مع الخطاب القومي العربي في اعتبار العالم العربي منجز التكوين كأمة ومجتمع موحد، بما يعنيه من وجود طبقات متعددة وفق التحليل الماركسي لبنى المجتمعات. غلبت النظرة “الطبقوية” على رؤية التناقضات المجتمعية وجرى الأخذ بنظرة ترى أن المنطقة العربية ساحة اصطراع طبقات أولا وآخرا. تفاوتت نظرة اليسار تجاه الوحدة، نظر اليسار ذو المرجعية السوفيتية والكلاسيكية إلى موضوع الوحدة العربية بوصفها امتدادا لنظرة قومية ترفعها البورجوازية وتهدف من ورائها حرف النضال الطبقي وتحويره عن مجراه الأممي بما يمنع إقامة السلطة العمالية بقيادة البروليتاريا. مقابل هذه النظرة المضادة لمنطق الوحدة والتي وجدت ترجمتها في معارضة الوحدة السورية المصرية عام 1958، اعتمد اليسار ذو المنابت القومية وجهة تدعو إلى بناء الدولة الاشتراكية مؤكدة أن طريق الاشتراكية عربي بامتياز، مما عنى التزام الوحدة كشرط للوصول إلى هذه الدولة بقيادة الطبقة العاملة. تجدر الإشارة هنا إلى أن واقع الانقسام العربي الراهن دفع بنظرية الوحدة في الخطاب اليساري بعيدا إلى الخلف.
مقابل الخطابين القومي واليساري، كان للخطاب الإسلامي موقعه في الماضي، وما يزال متصاعدا راهنا ولا يتوقع له انحسار مستقبلا. يقوم الخطاب الإسلامي على رفض الدعوات الوحدوية كما قال بها الخطابان القومي واليساري، يرى هذا الخطاب أن الدعوة لوحدة العالم العربي تتجاهل أن هذا العالم هو جزء من الأمة الإسلامية الواسعة والتي يشكل الوطن العربي احد مناطقها. فالإصرار على الدعوة الوحدوية تتسبب في تفريق المسلمين وتعطي حقوقا متساوية لغير المسلمين بما يشركهم في السلطة، وهو أمر يتنافى مع الإسلام. بديلا عن الوحدة العربية يرى الخطاب الإسلامي أن الدعوة الحقيقية هي لإعادة الخلافة كما كانت قبل أن يلغيها مصطفى كمال في تركيا مطلع القرن الماضي. عرف الخطاب الإسلامي مراحل انكفاء في الخمسينات والستينات عندما كان المد القومي صاعدا وكانت الدعوة إلى الوحدة تلهب الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج. ساهمت الهزائم التي مني بها المشروع القومي العربي وأدت إلى تراجع الخطاب الوحدوي في انتعاش الخطاب الإسلامي الذي قدم نفسه بديلا منقذا للأمة العربية- الإسلامية في دعوة “ما فوق قومية” تجد صداها في انبعاث الحركات الإسلامية خصوصا الأصولية منها وسعيها إلى الاستيلاء على السلطة في كل مكان.
{{المشاريع الوحدوية خلال نصف قرن}}
تعود المشاريع الوحدوية العربية إلى مطلع القرن العشرين وبالتحديد مع إعلان الشريف حسين ثورته على الدولة العثمانية. أعطت بريطانيا وعودا له بتحقيق الوحدة العربية لبلاد الجزيرة العربية والمشرق ثمنا للتحالف معها خلال الحرب العالمية الأولى، لكن بريطانيا ومعها فرنسا لم تكن في وارد أي توحيد عربي، بل على العكس من ذلك، ففيما كانت تغدق الوعود على العرب بتحقيق مطالبهم، كانت ترسم مع فرنسا خرائط اقتسام المنطقة في ما بينهما، وهو ما تحقق خلال الحرب وبعدها، فوضعت بلدان تحت الانتداب البريطاني وأخرى تحت الانتداب الفرنسي وأعطت بريطانيا وعدا بإقامة دولة لليهود على ارض فلسطين. هكذا تبخر حلم الوحدة وتكرست التجزئة القائمة أصلا وأقام الاستعمار على بنى التجزئة دويلات سعى أن تحوي متناقضات بنيوية بما يسمح أن تكون على تصارع في الداخل وعلى طلب الحماية الدائمة من الخارج.
منذ مطلع القرن الماضي وحتى الأربعينات منه، عرف العالم العربي نشوء كيانات كانت في معظمها تحت السلطة الاستعمارية. تجدد مطلب الوحدة بعد الحرب العالمية الثانية ضمن الشعارات نفسها الداعية إلى التحرر من الاستعمار وتحقيق الاستقلال وصولا إلى الوحدة الشاملة، وترافقت هذه المرة مع صعود للتيار القومي العربي الداعي إلى تحقيق الوحدة فورا. بين الأربعينات والتسعينات من القرن الماضي جرى تسجيل حوالي 28 مشروعا للوحدة بين مجموعات من الدول لم يتحقق منها سوى القليل، ما لبث أن انفرط عقده سريعا. من اجل إنعاش الذاكرة والإضاءة على معضلة الوحدة وشعارها، بمكن إيراد هذه المشاريع استنادا إلى الوثائق الرسمية.
بدأت المشاريع الوحدوية بمعاهدة الأخوة والتعاون بين الأردن والعراق عام 1947، ومشروع ناظم القدسي رئيس وزراء سوريا لاتحاد الدول العربية عام 1951.في العام 1952 جرى توقيع اتفاق بين مصر والاستقلاليين في السودان، وفي العام 1955 وضع ميثاق عسكري بين مصر والمملكة العربية السعودية، وفي العام 1957 وقعت اتفاقية التضامن العربي بين الأردن والسعودية والعراق. في العام 1958 قامت وحدة بين مصر وسوريا شكلت المشروع الفعلي آنذاك واندمج البلدان تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة، والتي لم تستمر سوى ثلاث سنوات ليجري الانفصال بينهما في العام 1961. في العام 1964 وقعت اتفاقية التنسيق السياسي بين العراق والجمهورية العربية المتحدة (مصر حصرا)، وفي العام نفسه جرى توقيع اتفاقية بين مصر واليمن. في العام 1965اعلن البيان المشترك للقيادة السياسية الموحدة المصرية- العراقية، وفي العام 1967وقعت اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والمملكة الأردنية الهاشمية، تبعها في العام نفسه بروتوكول انضمام الجمهورية العراقية لاتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والأردن. على صعيد الخليج العربي، وقعت اتفاقية اتحاد أبو ظبي ودبي عام 1968 وتبعها في العام نفسه البيان المشترك لاتحاد الإمارات العربية في الخليج العربي، واستكمل عام1971باعلان اتحاد إمارات الخليج العربي. في العام 1972 صدر بيان حول الوحدة بين مصر وليبيا، وفي العام 1976 جرى إنشاء قيادة سياسية موحدة بين مصر وسوريا، تبعه في العام انضمام السودان إلى هذه القيادة. وفي العام 1978 جرى توقيع ميثاق العمل القومي المشترك بين سوريا والعراق، وفي العام 1980 أعلن قيام الوحدة الاندماجية بين سوريا وليبيا.
أما في دول المغرب العربي، فقد تم توقيع معاهدة إخاء ووفاق بين تونس والجزائر عام 1983، كما وقعت معاهدة الاتحاد العربي الإفريقي بين المملكة المغربية وليبيا. وفي العام 1974 جرى توقيع بيان وحدوي بين تونس وليبيا، ثم ميثاق الإخاء بين مصر والسودان عام1988. أما على صعيد الاتفاقات الوحدوية في الجانب الاقتصادي، فقد أنشئ مجلس التعاون العربي بين مصر والأردن والعراق واليمن عام 1989، تبعه في العام نفسه إنشاء اتحاد المغرب العربي بين المغرب وتونس والجزائر وليبيا وموريتانيا. وكانت خاتمة المحاولات الوحدوية ما نصت عليه معاهدة الأخوة والتنسيق بين لبنان وسوريا عام 1991.
{{في عوامل فشل المحاولات الوحدوية}}
يطرح تناسل المشاريع الوحدوية والعجز عن تحقق أي واحد منها أو الصمود لأكثر من سنوات محدودة سؤالا يتجاوز نوايا أصحاب هذه المشاريع وسعي بعضهم فعليا إلى انجاز نجاح في هذا المجال، لتطل على الأسباب البنيوية الداخلية للمجتمعات العربية ومعها الإيديولوجيا الحاملة لهذه المشاريع، ثم التدقيق في دور العوامل الخارجية التي منعت هذه المشاريع من ترجمة نفسها على الأرض. لا يمكن إنكار أن بعض المشاريع كان أصحابها جادين في تحقيقها وكانت تعكس حاجة سياسية واقتصادية وعسكرية.. فيما لا نظلم غالبية المشاريع بأنها كانت فولكلورية وفوقية، وكان أصحابها يدركون عدم جديتها، وان وظيفتها لا تتعدى امتصاص حاجات شعبية ومطالب احتدمت في فترات معينة تحت وطأة التحديات الداخلية والخارجية.
في النظر إلى العوامل البنيوية الداخلية للفشل، يمكن القول إن الايدولوجيا القومية العربية ذات المبادئ العامة والغائمة والطوباوية تتحمل مسؤولية أساسية في فشل مشاريع الوحدة العربية. إن الإصرار على عمومية السمات العامة للمجتمعات العربية وجهوزيتها للوحدات الاندماجية فورا، واعتبار النكوص عن الوحدة سببا يقع على عاتق المسؤولين العرب وحدهم، هذه المقولة تجاهلت خصوصية كل قطر عربي وقفزت فوقها لتصطدم بجدران البنى المختلفة لكل قطر. كما جرت الإشارة لا تتكون المنطقة العربية من امة ناجزة التكون بمقدار ما تحوي وحدات انتقالية متعسرة. بل إن البنى الوطنية القائمة على مكونات ما دون الدولة ما تزال هي المسيطرة، وتحجز الوحدة الداخلية لكل قطر في إسار جدرانها. فكيف يمكن لهذه البنى أن تتجاوب مع مشاريع ما فوق وطنية وتخضع نفسها لسلطات أو بنى قد تؤدي بها إلى إلغاء هويتها وكينونتها. هنا يقع العامل البنيوي الأول في فشل المشاريع الوحدوية.
في العودة إلى قراءة السياق السياسي لقيام هذه المشاريع، يتبين أن معظمها أتى تعبيرا عن محاور وتكتلات سياسية في إطار الصراع بين الأقطار العربية وحاجة بعضها إلى الاصطفاف. على امتداد القرن الماضي لا سيما منذ الخمسينات شهدت المنطقة العربية صراعات حول خيارات سياسية واستراتيجية بين بعضها البعض، ولم تكن مفصولة عن الصراع الخارجي على المنطقة ودخوله في دعم هذا الاستقطاب ضد آخر. وكثيرا ما كانت عرى المشاريع الوحدوية تتهاوى وتنفرط بمجرد زوال أو تقلص حدة التوتر بين الاستقطابات العربية. مما يعني أن هذه المشاريع الوحدوية لم تكن نابعة من خيارات قومية كما كان يدعي أصحابها، بمقدار ما كانت جوابا وتعبيرا عن مصالح ضيقة لهذا الحاكم أو ذاك.
اتسمت جميع المشاريع الوحدوية، باستثناء الوحدة المصرية السورية، بأنها كانت مشاريع فوقية أتت بمبادرة من الحكام ودون أن يكون لجماهير الأقطار المحددة دور في خيارها سلبا أم إيجابا. لم يسبق الإعلان عن الوحدات أي نقاش داخل كل قطر بما يظهر التباينات بين بنى هذا القطر أو ذاك وكيف سيتم التعاطي مع الخصوصيات التي تشكل الأساس في انتماء هذه المجموعة أو تلك إلى “الوطن”. في عالم عربي تسود فيه إيديولوجيا التجزئة وهيمنتها على الانضواء في مشروع واحد يطال من سلطة كل تجزئة، كان من الطبيعي أن يفشل أي مشروع جدي لأن ضم تجزئة إلى تجزئة لا ينتج وحدة، وهو واحد من القوانين العصية على التجاوز في الوطن العربي.
يمكن القول إن المنطقة العربية عرفت نموذجا أكثر جدية من أي مثال آخر حول تحقيق الوحدة، ألا وهو الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا عام 1958. قامت الوحدة بناء على طلب سوري ولقيت تجاوبا جماهيريا لم يسبق للعالم العربي أن عرفه في تاريخه. لم تستمر هذه الوحدة أكثر من ثلاث سنوات، فانفرط عقدها على اثر انقلاب سوري كرّس الانفصال. إن فشل هذه الوحدة يؤكد أنها كانت الاستثناء الذي عاد يثبت القاعدة حول أسباب تعثر قيام الوحدة. يجمع دارسو التجربة المصرية السورية أن فشلها يعود إلى طبيعة السلطة التي مارستها القيادة المصرية، وهي سلطة همشت القوى السياسية السورية ومارست سلطة بيروقراطية على القطر السوري، وغابت عنها الحياة الديمقراطية التي تتيح لكل طرف ممارسة دوره وحقه في السلطة. يضاف إلى ذلك أن تجاهلا حصل لخصوصيات القطر السوري بحيث تصرف الحاكم المصري هناك تجاه السوريين على شكل مماثل لكيفية الحكم تجاه الشعب المصري، وهو ما أدى إلى خلق تذمر من القوى السياسية السورية وشجعها على الانفصال. هذا من دون تجاهل العمل الخارجي غربيا وإسرائيليا على المساهمة في إفشال الوحدة وانفراط عقدها.
لم يكن فشل مشاريع الوحدة بعيدا عن سياسة الهيمنة والإلحاق واعتماد التآمر وسيلة لهذه السياسة. تمثل نماذج ثلاثة ليست بعيدة العهد مصداقا لهذا الحكم. في العام 1978 وقع النظامان البعثيان في سوريا والعراق اتفاقا لتحقيق الوحدة بين القطرين. اعتبر الاتفاق من البديهيات القومية بالنظر إلى أن النظامين ينتسبان إلى حزب قومي واحد ويلتزمان أيديولوجيا وحدوية واحدة. لم يطل الأمر شهورا محدودة على توقيع الاتفاق والبدء بالعمل على توحيد المؤسسات، حتى انفجر الصراع بين النظامين على قاعدة اتهام كل نظام للآخر بالسعي إلى إسقاطه عبر انقلاب عسكري للسيطرة على القطرين معا. هكذا انفرط عقد هذه الوحدة على طبول إعدامات لقيادات من حزب البعث لم يسبق أن عرفها في تاريخه.
نموذج آخر يتصل بالخطوة التي أقدم عليها العراق بقيادة صدام حسين عام 1990 على غزو الكويت وإلحاقها بالعراق. لم تنقص صدام حسين الحجج القومجية في تبرير هذا الغزو، فاستحضر خطابا ينطوي على اعتبار أن الكويت كانت في الأصل جزءا من العراق، وان الاستعمار نزعها منه وأقام إمارة مستقلة. لذا يأتي غزو الكويت وإلحاقها بالعراق بمثابة تصحيح قومي لفعل استعماري وبما يعيد الحقوق إلى الأصل. تسببت هذه السياسة “الوحدوية” في تدمير العراق واستحضار الاستعمار العسكري مجددا إلى الأرض العربية.
مثال ثالث جرت ممارسته من قبل النظام السوري تجاه لبنان على امتداد ثلاثين عاما بوصاية سورية كاملة على الشعب والأرض والمجتمع اللبناني. لم يكف النظام السوري عن استحضار مقولة أن لبنان كان جزءا من سوريا الكبرى وان الانفصال عنها كان بقرار استعماري، وان الوجود السوري في لبنان لا ينفصل عن هدف تصحيح هذا الخلل التاريخي بإعادة توحيد البلدين. من هنا كان الخطاب السوري يركز دوما على مقولة “شعب واحد في دولتين” وهو عنوان الوحدة في المفهوم السوري. لم تكن ممارسة النظام السوري في لبنان منطلقة من أخوة الشعبين بمقدار ما كانت سياسة إلحاق وهيمنة واضطهاد للشعب اللبناني بجميع مكوناته، ونهبا منظما لثرواته.
إذا كانت التجزئة العربية المستندة إلى بنى قبلية وعشائرية ودينية واثنية تظل العنصر الأبرز في إعاقة تحقق الوحدة العربية، فان هذا لا يلغي دور العامل الخارجي المتمثل بمشروع السيطرة الامبريالية على المنطقة وبإقامة دولة إسرائيل فيها. صحيح أن التجزئة العربية كانت قائمة قبل مجيء الاستعمار، لكن الاستعمار خصوصا بشقه البريطاني والفرنسي ثم لاحقا الأميركي سعى إلى تثبيت هذه التجزئة وتضخيم مفاعيلها والبناء عليها، مما يجعل الحكم القائل “إن التجزئة القومية العربية هي إطار مشروع السيطرة الاستعمارية على المنطقة العربية” حكما كان صائبا في الماضي ومازال يحظى بكل الصواب في الزمن الراهن. انطلق المشروع الاستعماري من واقع التجزئة العربية فركب كيانات تتوافق مع الوظيفة السياسية لهذا المشروع وتحقق أهدافه الإستراتيجية في الهيمنة على ثروات المنطقة وخصوصا النفط منها وحراسة طرق المواصلات لتجارته واستخدام هذه الكيانات في الحرب الباردة ومنع تمدد الشيوعية. كان الاستعمار على الدوام حذرا ومناهضا لأي مشروع توحيدي، لذلك ظهرت بصماته في كل فشل وحدوي.لكن الدور الأساس الذي لعبه الاستعمار في تكريس التجزئة العربية إنما يتجلى في دعمه لأنظمة الاستبداد في العالم العربي، حيث وجد في تكريسها وحمايتها أنجع الوسائل في حجز تطلعات الشعوب العربية إلى الوحدة. يضاف إلى ذلك رعاية هذا الاستعمار لصراعات الأنظمة بعضها مع بعض بما أتاح له التدخل استجابة لطلب من هنا أو هناك.
أتى مشروع إقامة دولة إسرائيل في سياق اندفاعة المشروع الامبريالي على المنطقة العربية. وأنيط بهذا الكيان منذ إقامته أن يكون البوابة الأمامية في حراسة المشروع الامبريالي والمخفر الأمامي لحراسة التجزئة، وان يكون العصا الغليظة الرادعة لأي مس بالمصالح الإستراتيجية لهذا الاستعمار. مارست إسرائيل هذا الدور بامتياز من خلال الحروب التي خاضتها ضد العالم العربي وتسببت في هزيمته وإقامته في التخلف طويلا ، كما ساهمت في تعثر نهوضه الاقتصادي والاجتماعي وأي إمكانية للتكامل بين أقطاره، كما تآمرت على كل مشروع وحدوي كانت ترى فيه إمكان نهوض عربي في هذا لقطر أو ذاك. لعبت دورا مهما في الحرب الباردة لصالح المعسكر الغربي وتولت نيابة عن الاستعمار استخدام العصا العسكرية ضد أي قطر عربي بدا أن سياسته تمس هذه المصالح. وما تزال إسرائيل ملتزمة هذه السياسة بما يجعلها الدولة الوحيدة الموحدة القوية فيما تستمر سائر البلدان العربية مكبلة بحبال التفكك والتشرذم.
{{شروط سؤال الوحدة}}
انحسرت المشاريع الوحدوية العربية دون أن تزول الرغبات في حصولها، وهو أمر سيظل مطروحا بشكل مستمر. لكن تجديد البحث في ضرورة الوحدة مشروط بمراجعة التجارب الوحدوية التي طرحت وظلت نظرية أو بتلك التي تحققت على الأرض ثم انفرط عقدها. لا بد لأي مراجعة أن تطال مفهوم الوحدة وعوامل تعسرها والايديولوجيا التي حملتها ودرجة التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي بين البلدان العربية. إن النقاش ضروري اليوم، فوضع اليد على المعوقات وإدراك أسبابها من العناصر المساعدة في تلمس طريق وحدوي جديد.
لا يضير العالم العربي ونخبه السياسية أن تدرس التجربة الأوروبية في الاتحاد المتكون منه حتى الآن. في مقارنة بين العالم العربي وأوروبا، يمكن القول إن العرب يملكون من الروابط التاريخية والثقافية أكثر بكثير مما تملكه الدول الأوروبية. لم تتوقف الحروب بين دول أوروبا إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وتسببت حروبها بين بعضها البعض في ملايين الضحايا الذين سقطوا على امتداد قرون. لكن القرار السياسي الأوروبي دفع في ضرورة تجاوز الماضي وبناء قارة جديدة أساسها الوصول إلى وحدة أوروبية كاملة. انطلقت أوروبا وبالتدريج في سلوك التوحيد الاقتصادي عبر اتفاقات متوالية في كل مجال إلى أن وصلت إلى الوحدة الاقتصادية التي توجتها بالعملة الواحدة. حرصت الدول الأوروبية على إشراك شعوبها في كل خطوة توحيدية، وأخضعت الاتفاقات إلى استفتاءات شعبية، بما جعل طريق التوحيد يمر “من تحت”. تلازم هذا التوحيد الأوروبي مع تحقيق مجتمعاتها حدا كبيرا من التحديث والحداثة بما سمح بقيام دولة القانون والمؤسسات والمساءلة وتكريس المواطنة وحقوق الفرد، وفصل الدين عن الدولة وإخضاع المواطنين لسلطة القانون، وهي امرر جرت كلها على قاعدة تحقيق الديمقراطية في هذه البلاد.
إذا كانت الديمقراطية في أوروبا العنصر الحاسم في تحقيق وحدتها، فان غياب الديمقراطية في العالم العربي يشكل العنصر الأساس في فشل توحد أقطارها. إذا كان تعسر الوصول إلى أشكال من الوحدة مرتبطا بهيمنة بنى ما قبل الدولة من عشائرية وقبلية وطائفية واثنية، فان هذا يستدعي تحديد النقطة المركزية التي يصعب من دون تحققها التفكير في أي شكل وحدوي. إن بناء الدولة القطرية بشكلها الحالي بما يتجاوز البنى التقليدية السائدة وعلى قاعدة بناء مؤسسات القانون وتكريس المواطن الفرد والاعتراف بالخصوصيات السائدة وحقها في المساواة مع سائر المجموعات، كله على قاعدة الديمقراطية التي تكفل حقوق الأفراد والجماعات وحقها في التعبير عن آرائها وأفكارها، هو المدخل لمقاربة مسألة الوحدة العربية. فالتحدي اليوم في العالم العربي الوصول إلى الدولة، بعدما تآكلت تحت وطأة انبعاث الأفكار ما فوق الوطنية وما فوق القومية، بما يهدد باندلاع حروب أهلية ذات طابع طائفي ومذهبي وقبلي، وهو أمر يشهده أكثر من قطر عربي في الزمن الراهن.
رغم الصعوبات التي يعيشها العالم العربي، فان سؤال الوحدة يصعب تجاوزه. في هذا المجال بمكن للعالم العربي أن يستوحي من التجربة الأوروبية بعض الأمثلة. إذا كان تحقيق الوحدات الاندماجية سياسيا بين أقطار عربية يبدو مستحيلا اليوم ولا تصب مثل هذه الدعوة في خدمة المشروع الوحدوي العام، فان وسائل متعددة يمكن سلوكها ولو بشكل تجريبي تبدأ من إيجاد سوق عربية مشتركة تشكل قاعدة أساسية للتبادل الاقتصادي بين الأقطار العربية، وإقامة علاقات ثقافية مشتركة وإيجاد المؤسسات اللازمة لها، إضافة إلى إيجاد مؤسسات تكاملية في المجالات التقنية والعلمية وغيرها، وإلغاء الحواجز الجمركية وفتح الحدود بما يتيح تنقل الأفراد بحرية ودون قيود قانونية على حرية الحركة. كما يمكن انجاز اتفاقات كثيرة في ميادين متعددة.
إن انجاز مشروع الدولة في كل قطر عربي وتحقيق التوحد الداخلي فيه على قاعدة إقامة الديمقراطية، وقيام مؤسسات الوحدة في الميادين غير السياسية، وعلى قاعدة إشراك جماهير كل قطر في كل خطوة وحدوية مهما كانت طبيعتها، أمور تسمح بالتطلع إلى التوحيد السياسي. إلا أن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب أن تكون الدول العربية قد قطعت أشواطا في تكريس علاقات ديمقراطية بين بعضها البعض وتجاوزت مفهوم الوحدة بالمعنى الانقلابي أو الإلحاقي واعترفت بعضها ببعض باستقلالية كل قطر وخصوصياته. إن هذين الشرطين، التوحيد الداخلي لكل قطر وتطور العلاقات الديمقراطية بين الأقطار العربية، يسمح بالانتقال إلى البحث في الوحدة السياسية بين الأقطار العربية، بل إن مطلب الوحدة يصبح عندها مطلبا تقول به شعوب جميع الأقطار العربية لما تؤمنه هذه الوحدة من إمكانات التقدم في جميع الميادين والإفادة من ثروات المنطقة العربية الموظفة في خدمة هذا التقدم.
في عالم ينحو نحو التكتلات الإقليمية لمواجهة معضلاتها، بما فيها التضحية بالمصالح المحلية لصالح المدى الأوسع،وفي ظل عولمة زاحفة تفرض تحديات على المجتمعات البشرية في كل مكان، يصعب على العالم العربي القفز فوق مسألة الوحدة بين أقطاره، بل إن معضلات المجتمعات العربية المتفاقمة يوما بعد يوم تستدعي إعطاء قضية الوحدة زخما بما يضعها على السكة الصحيحة في مسارها. إن التجارب الوحدوية العربية والدروس المستفادة منها تفرض جمعا في مسيرة متعرجة تضع حدا فاصلا بين برامج اقتصادية وسياسية تتسم بالواقعية وتستند إلى العياني والمباشر بما يسمح بخطوات متدرجة في هذا السبيل، وبين مشاريع وحدوية قائمة على الوهم وتحل الايديولوجيا محل الوقائع على غرار ما يزال سائدا في الفكر القومي والذي لم يكف عن عقد المؤتمرات الدائمة واجترار المقولات إياها التي عفا عليها الزمن وثبتت لا صلاحيتها عندما اختبرت على ارض الواقع.
