” قرن ” سيرة شبه حقيقية في هجاء حداثة ما

سنة 1908، أي قبل قرن من الآن، كنت مواطنا في الدولة العثمانية. في دولة تمتد حدودها من أواسط القارة الأوربية إلى المغرب العربي . كنت حرا في الانتقال حيثما أشاء في أطراف تلك الدولة المترامية الأطراف، لغرض العمل أو السياحة أو التجارة . فلم أكن أحتاج إلى جواز سفر أو تأشيرات أو موافقات أمنية، لممارسة حقي الطبيعي ذاك، في التنقل حيثما أشاء . فالدولة التي كانت تحكمني لم أكن أحس بوجودها، إلا مرات قليلة حينما كنت أشارك أهل قريتنا صلاة الجمعة، فحينها كان الخطيب يدعو بالنصر للباب العالي، الباب العالي الذي لم أفهم أنه يعني السلطان، إلا حينما قارب عمري الثلاثين .

بعد قرن من ذلك الزمان، أصبحت مواطنا في دولة، تقارب مساحتها الواحد بالمائة من مساحة دولتي العثمانية تلك. ومع ذلك، أحس نفسي مراقبا من رجال المخابرات ( العيون الساهرة لدولتي العتيدة هذه ) حيثما أحل، أراهم يراقبونني حينما أكون في المقهى وفي المطعم، أراهم وأتخيلهم حين تراودني فكرة ما عن الحرية والديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان. حتى باتت تلك القيم مرتبطة تخيليا في ذاكرتي بصورة واحد من رجال المخابرات. فكل الذين عرفتهم يتكلمون عن هذه القيم، محبوسون في فروع المخابرات حاليا، أو قضوا فيها سنوات طويلات، أو ما زالوا ينتظرون دورهم ليسعهم المكان هناك. كما أن الدولة التي أنا مواطن بها الآن حاضرة في جزء من حياتي اليومية. الدولة بشعاراتها وقراراتها، بصور زعمائها وعائلاتهم. بطلباتها وأوامرها. أراها في الأزقة والملاعب في الحدائق العامة والمدارس في السيارات والبيوت في الأحلام وفي النكات وفي كل شيء. لدرجة أني لا أتصور نفسي للحظة بدون حضور الدولة في أحاسيسي. حتى أن ذاتي ذائبة فيها. فلا وجود لـ ” أناي” مقابل طغيان أناها هي . طبعا هي ( الدولة التي أنا مواطن بها ) لا تنكر هذه العلاقة بيني وبينها. ففي دستورها وشعاراتها في رؤيتها لنفسها وفي سياستها، تقول وتصرح: ( أنت العابر وأنا الخالدة، أنت الطرف وأنا المركز، أنا الغاية وأنت الوسيلة). هي بما هي من شعارات وزعامات وعقائد. وأنا بما أنا، رقم ليس إلا .

قبل قرن من الآن، كنت في الإمبراطورية العثمانية، حيث مواطنوها المسلمون والمسيحيون اليهود واليزيديون . المسلمون منهم من مذاهب شتى، شيعة وسنة علويون ودروز … الخ. كما أنها كانت دولة لمواطنيها العرب والكرد والترك والبلغار واليونان والأمازيغ . كنت مواطنا في دولة مترفعة عن التصرف كطرف في تفاعلات الطوائف والمذاهب والقوميات التي تشكل بنيانها الإنساني.

بعد قرن من ذلك، بات المسيحيون في المنطقة مهددين بالانقراض من المكان الذي أحيا به، فالمجازر فتكت بهم من الموصل إلى بيروت ومن أزمير إلى البصرة . مجازر كانت أحيانا على شاكلة قتل، وأحيانا أخرى على شاكلة تهجير . طبعا الكلام الذي ينطبق على المسيحيين لم ينطبق على اليهود لأنهم لم يبقوا أساسا كناس من هذه البقعة من العالم، والذين بقوا منهم تجمعوا في كيان عنصري لا يرى نفسه ولا يعي العالم إلا كميدان لغايات كامنة في قلب التاريخ، أو قل كميدان لأوهام التاريخ . طبعا الأمور أكثر بهاء في الحديث عن الأديان الكبرى لو قورنت بحال الأديان الأقل عددا، فاليزيديون بات قتلهم الجماعي هواية لعصابات همجية دموية، والهواية تلك لا تلقى من يشجبها في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه . والشيعة والاسماعيليون والدروز والعلويون باتوا مصدر نعوت السوء من قبل نجوم الفضائيات الملتحين . وفي الطرف الآخر تكاد العلاقة بين الكرد والعرب وبين الترك والكرد وبين الفرس والعرب والكرد والفرس ….. الخ . تشابه العلاقة المعقودة بالكراهية بين القط والفأر منذ فجر التاريخ . بالمجمل باتت المكونات البشرية للمكان الذي أحيا به تصطف في كانتونات مسلحة، يريد كل منها دولة لنفسه، غير مبال أن تكون هذه الدولة في مدينة أو قرية، في حي أو شارع أو حتى في شقة . فرغبة الانفصال عن الآخرين المختلفين معه عقيدة ومذهبا وعرقا تساوي عندنا رغبتنا في الحياة ذاتها .

قبل قرن من الآن، كانت يومياتي تنقسم بين الحقل والمنزل ومضافة القرية، كان فطوري الصباحي إما كأسا من الحليب كامل الدسم مع حبات من التين الطازج، أو بعض العسل ممزوجا بالسمن العربي ( غير المهدرج بالطبع ) . وطوال فترة عملي في الحقل لم تكن رائحة الياسمين والفل البري تفارقني. في الليل كنت أبقى لساعات وساعات أتأمل نجوم السماء وبهاء الخلق، أتفكر في الوجود والعدم، أقلب مقاصد الخير والشر، معاني الجمال والإنسان والكون يمينا ويسارا. حتى أنها تكاد أن تكون جزء من ذاتي وتكويني. قبل قرن من الآن كنت أعمل في السنة ثلاثة أو أربعة أشهر فقط. قبل قرن تزوجت في السابعة عشرة بعد شهرين فقط من نظرة الشهوة التي رأيتها في عين ابنة الجيران. وبعد شهر من الزواج ذلك تداعى أهل القرية في يومين متتاليين ليبنوا لنا مسكنا من اللبن والطوب، وبذا بات لي بيت وعائلة بعد شهرين من اشتعال الرغبة في صدري. قبل قرن لم أكن أخاف أن يسلبني أحد مالي أو أن يظلمني أو أن يعتدي علي. فعشيرتي كانت تتكفل بحمايتي من الجوع والظلم …..

بعد قرن من ذلك، أمضيت أثني عشر عاما في الدراسة العامة وخمسة أعوام في الدراسة الجامعية، كي أحصل على مهنة ما، استطيع من خلالها أن أحصل قوتي اليومي .في تلك السنوات الطويلة درست مواد وموضوعات كنت أشمئز منها، وعرفت مئات الفتيات اللواتي كانت الرغبة في معاشرتهن تحرقني، لكن دون أن أحظى بواحدة منهن . بعد كل تلك الدراسة بقيت لسنوات في الخدمة الإلزامية في الجيش، حيث مزقت في تلك السنوات براءتي في فهم العالم والمجتمع . وحين أنهيت كل ذلك بات هم الحصول على البيت المناسب والزوجة المتفهمة يؤرقني . وحين تم ذلك كنت في اليوم الواحد أمضي ساعتين في انتظار وسائل النقل في الذهاب لمكان العمل والعودة، وكنت أعمل في اليوم الواحد وظيفتين كي أستطيع تدبير حاجيات أطفالي في الدراسة والنقل والاتصالات. بعد قرن من ذلك كانت أخبار الحروب والعواصف والبرامج النووية تلاحقني في كل صوب وحدب. كما أن الأنواع الجديدة من الأمراض التي تولد بين يوم وآخر تصيبني بعصاب الخوف من كل المأكولات تقريبا، فجلها أما مصنعة في البيوت البلاستيكية أو معدلة جينيا أو مسقية بمياه ملوثة …الخ . كما أن ضجيج السيارات وصخب الأحياء العشوائية يبقى حاجزا بيني وبين أية رغبة في التأمل أو الشاعرية ………الخ..

قبل قرن من الآن كنت أكثر رومانسية في علاقتي مع الناس والعالم، كنت أكثر هدوءا، مليئا بالأمل محاطا بالرغبة في الحياة. بعد قرن أصبحت أكثر قلقا من الغد وأكثر رهبة وتوجسا من العالم، أكثر غرقا في العنف والكراهية. باتت روحي أقل حياة .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This