التكفير في التجربة الإسلاميّة
شكل التكفير في التجربة الإسلامية الغطاء الأيديولوجي لتشريع استخدام العنف في إدارة الاختلاف بين المسلمين ..
في الفضاء الثقافي المتشكل حول ظاهرة الوحي المحمدي ،كان من السهل بعيد انقطاع الوحي – وفي سياق الصراع على الزعامة الدينية – الدنيوية ،بعد وفاة النبي – توظيف الاختلاف في تفسير النص المقدس لتبرير استخدام العنف وذر الرماد على الطابع الدنيوي للخلاف” بين بطون قريش في المرحلة الراشدية ولاحقا بين القبائل في العهد الأموي “. حدث ذلك والوحي ما زال ساخنا لم يبرد بعد .
.في وصيّة الإمام علي بن أبي طالب إلى سفيره لخوارج النهروان “عبد الله بن عباس “والذي كرس لاحقا كحبر للأمة: ” لا تجادلهم بالقرآن فهو حمّال أوجه. جادلهم بالسنة “تحسّسا مبكراً بهذه الإشكالية:” وحدة الحقيقة القرآنية وتعدّد وجوهها ” . الغنى الدلالي للعبارة القرآنية دفع الإمام علي بن أبي طالب للمراهنة على قدرة “السنة” – وهي التفسير النبوي للوحي المدوّن في المصحف – على ضبط نص ” حمّال أوجه ” إلى هذا الحد ، من أن يغذي اختلافا بين المسلمين انزلق إلى العنف في “حربي الجمل وصفين “بالمبررات ..سقط هذا الرهان بعد أن تحولت “السنة” نفسها خزان مبرراتٍ يغرف منه الجميع بغير حساب..في هذه المعمعة أجمع المختلفون على تنويس الضوء حول الطابع الدنيوي لخلا فاتهم استجابة لحاجة الجميع للاستقواء بالدين في حسم خلافاتهم ..وبالرغم من أننا لا نعدم في القرآن شذرات تمجد الاختلاف في الرأي وتصفه بأنه رحمة للأمة ، إلا أن هذه الشذرات لم تتحول في الاستعمال إلى ثقافة سائدة ..بل إن نقيضها الأقصى – وهو التكفير – ظل بيضة القبان في الاستعمال السياسي للدين من قبل المسلمين..لا يمكن فهم غلبة سياق ” التكفير” خارج آليات إنتاج السلطة المحكومة بنمط الإنتاج الخراجي،بعد أن طوّع هذا الأخير الإسلام لآليات إعادة إنتاج نفسه ..
هل يمكن فهم عودة التكفير إلى احتلال موضع الصدارة في خطاب السلفية الجهادية راهنا خارج سياق الحلم باستحضار الماضي الذي هيمنت فيه التشكيلة الخراجية ؟
للتأكد من هذه الفرضية هل يكفي تفحص آليات بزل الثروة في أمارة طالبان وفي أدبيات الجماعات الإسلامية التي تستحضر كثيرا في أدبياتها مصطلحات الجزية والخراج ؟
لا أميل إلى ذلك ..فالانطباع الذي تشكله خطابات وممارسات الحركات التي تنضوي تحت راية الإسلام السياسي في الشق الاقتصادي لا تخلو من البلبلة ..
في التحالف بين الفقهاء وبين العصبيات ذات الشوكة” القبلية العربية ولاحقا الفارسية والتركية..الخ ” كانت وظيفة الطرف الأول “الفقهاء ” إلقاء رداء الشرعية الدينية على شرعة الغلبة للطرف الثاني في الشراكة ..قاد هذا الوضع إلى تحويل الصراع السياسي على السلطة بين العصبيات ذات الشوكة ، إلى انشقاقات دينية تتبادل أطرافها الاتهامات بالكفر الصريح ..كان استقواء شرعة الغلبة بالشرعية الدينية كبديل للشرعية السياسية ،في أس هذه الجدلية المتحكمة حتى الآن بالسيرورة التاريخية للمسلمين . لم نعدم في تاريخنا الإسلامي محاولات لشق سياق آخر ..هذا التوظيف الكبير للدين في السياسة، كان لابد أن ’يرد عليه من داخل الدين..فانبثق التصوف .
التروحن- كقناة اتصال فردية بين المخلوق والخالق – كان الآلية التي تعمل على انتشال الدين من براثن النزعات الكلبية للبشر ..على هذه الآلية ” التروحن”راهن التصوف.وفي هذا السياق النقدي لوظيفة الفقيه أنتج التصوف حديثا شريفا منسوبا للرسول “ص” فحواه :” أفت ِ قلبك “..إلا أن التصوف وهو يضع نفسه في مواجهة مع الفقهاء كان تاريخيا يخوض معركة دونكيخوتية مع سيرورة للاجتماع البشري مهووسة بإنتاج سلطة “وزع لما لا يزعه الضمير” ومحكومة .وكإطار تتناغم داخله سلطتا :الدين والمال
..”يزع السلطان ما لا يزعه القرآن “لعل في هذا القول المنسوب للخليفة الراشدي الثالث “عثمان بن عفان ” محاولة مبكرة لتحديد التخوم بين الدين والدولة سمحت للخليفة الراشدي الثالث بالتعبير عنها ، التحولات بعد الفتح التي تجاوزت طاقة ” وثيقة يثرب ” على إدارة الأمور ،وأناخت” أي التحولات ” بثقلها على الصحابة ” النخبة الدينية – السياسية للإسلام المبكر “..بدأت القيود الثقيلة التي حّصن بها القرآن: دم المسلم وماله وعرضه من المسلم الآخر تحتاج لمن يفكها.. وفي هذا السياق برزت الحاجة إلى الفقيه .. سياق حاجة العصبيات ذات الشوكة المتنافسة على السلطة لاستخدام العنف داخل ما اصطلح على تسميته “بدار السلام “..كان التكفير هو الوسيلة لكسر التابو الذي سيج به النص المقدس الإسلامي مال المسلم ودمه وعرضه . وكان الفقهاء الذين انخرطوا في استراتيجيات العصبيات ذات الشوكة المتصارعة لتأسيس سلالات حاكمة : حصان طروادة القلعة التي حصّن بها القرآن دماء المسلمين بعضهم حيال بعض . لم يكن هناك مخرج من إشكالية احتلال الدين حقل السياسة إلا هذا المخرج ..
ورغم إرهاصات تواتر ظهورها على مسار التجربة الإسلامية لرسم التخوم بين البعدين الديني والدنيوي للمسلم،فإن المحنة مستمرة .وقد اشتدت وطأتها في العقود الأخيرة بفعل تضخم توظيف البعد الديني في الصراعات الدنيوية .. مناخ الحرب الباردة شكل الحاضنة الخارجية ” التوظيف الأمريكي للإسلام السياسي في مواجهة الشيوعية وتيار القومية العربية ” ثم ما لبث هذا التوظيف أن التقط ميكانيزمه الداخلي ، فانطلق من عقاله ليجتاح المجتمعات الإسلامية من خليج البنغال إلى جبل طارق ..مع ذلك لا مفر من هذا المأزق إلا بإعادة رسم التخوم بين السياسة “كفن إدارة الصراعات الدنيوية “عن الدين “كبطانة لينة تخفف ارتطام الروح بأسئلة الوجود “..
