الردة أو رحلة الحاج مجدي من المسجد إلى الكنيسة
تحمل كلمة”الردة” معنى اتهاميا تجريميا، ولو كان تطور المجتمع العربي متماشيا مع مبادئ القرن الواحد والعشرين، لانقرضت من القاموس من تلقاء نفسها إذ كيف يمكن اعتبار من يغير رأيه مجرما؟
هل من المعقول أن نجبر من ولد في عائلة مسلمة أن يكون مسلما رغم أنفه؟
ألا يحق له تجاوز الدين الذي ولد فيه؟
هل نرث رؤيتنا للكون والحياة مثلما نرث نعجة أو بئرا؟ كيف يمكن أن نتهم شخصا بالردة وندق عنقه بمجرد أننا نفترض أنه كان مسلما؟ لماذا يكلف ما لا طاقة له به؟ هل نكث عهدا؟
أليس من حقه أن يدافع عن نفسه قائلا : من قال لكم أنني كنت في يوم من الأيام مسلما بإرادتي واختياري؟ ولكن حتى وإن كان مسلما ورعا ألا يحق للإنسان أن يعيد النظر في إسلامه جملة وتفصيلا؟
بماذا يضر غيره إن فعل؟
هل يفكر المسلمون في مصلحة الفرد أكثر من تفكيره هو في مصلحته؟ هل يحبذون أن تكون الجنة مكتظة يوم القيامة؟ هل يريدون غلق باب جهنم؟
اعتاد عرّابو الأصولية أن ينشروا الأخبار السارة التي تحكي عن دخول الكفار إلى دين الله أفواجا أفواجا ثم يستخدمونها في تعبئة الجمهور المبهور بإسلام الأوروبي والأمريكي وإن كان من تُفّه العباد. أذكر قدوم المغني كات ستيفن إلى الجزائر العاصمة وأصبح يوسف إسلام واعتزاله الغناء مؤقتا وكيف استغلت “ردّته” في أسلمة الكثير من الشباب وتجنيدهم في صفوف الجبهة الإسلامية للإنقاذ أولا ثم في الحركة الإسلامية المسلحة.
ألم تنشر “جريدة المنقذ” لسان حال جبهة الإنقاذ ذاتها إشاعة دخول النجم مايكل جاكسون في دين الله على صفحتها الأولى وبالخط العريض؟
حينما يعتنق بعض المسيحيين الإسلام فقد هداهم الله، لكن عندما يحدث العكس ويدخل بعض المسلمين دين المسيح فقد ضلوا ضلالا مبينا. هذا هو التجسيد الصارخ لعبارة الكيل بمكيالين..
يبتهج المسلمون كلما أسلم أحدهم فُيكبرون ويهللون لانتصار كلمة الله لكن يعتبرون كل من ترك دين محمد مجرما مرتدا يجوز سفك دمه. يحتفلون بدخول الآلاف في دينهم كما يزعمون لكن يعز عليهم خروج واحد من ملّتهم والتحاقه بملة عيسى. يرفعون من شأن الداخلين ويمرغون في الوحل شرف الخارجين.
ولكن كل هذا الضغط لا يثني كثيرا من المسلمين عن الخروج من الدين الحنيف سرا وعلانية. يترك الإسلام في فرنسا ما يقارب الـ200 مؤمنا ومؤمنة كل عام، ليعتنقوا المسيحية في العلن.في بلاد لائكية كفرنسا، لا يفهم كل من يريد المغادرة صمت رجال الدين بخصوص مبدأ حرية الاعتقاد وتماديهم في الحديث عن أمر بات متناقضا مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان، يسمونه “ردة”.
أين حرية العقيدة وتسامح الإسلام فيما يخص الزواج المختلط الذي يجد فيه الطرف المسيحي أو اليهودي أو”البِدون” نفسه مضطرا إلى اعتناق الإسلام؟ عايشت في إحدى قرى اللورين الفرنسية قصة ذلك الشاب الفرنسي الذي أحبّ فتاة فرنسية من أصل تركي فلم يشترط أهلها عليه اعتناق دينهم فحسب بل الختان وهو في سن الرابعة والعشرين، وقد بات مختونا من أجل المحبوب.
يعبر مثل جزائري دارج عن مثل هذا الوضع جيدا :” دِيكُكم فوق سطحنا نعم أما ديكنا فوق سطحكم فلا”.
يرحب الأزهر وكل المساجد الإسلامية بالراغبين في دخول الإسلام وتعمل كثير من الجمعيات الممولة من دول إسلامية في ما يسمى مجال “الدعوة” في العالم كله وتُنفق أموالا طائلة في أسلمة المسيحيين وغيرهم ولكن يمنع منعا باتا الدعوة لغير الإسلام في بلاد المسلمين… في وقت تتعالى فيه الأصوات متبجحة بتسامح الإسلام والمسلمين ومستهجنة لاتسامح الغرب والكفار والدانماركيين أجمعين، يتهم المرء بالتنصير في الجزائر مثلا إن ضبط وفي حوزته نسخة مما يسمى كتابا مقدسا. كلمة التنصير ذاتها تحمل معنى تحقيريا، توحي بأن الفرد في وضع المفعول به.
فكأن الإنسان غير قادر على اختيار معتقده بنفسه والغريب في الأمر أن من يُسلم فقد فكر وأعمل عقله وأعانه الله رب العالمين فهو من الفائزين. أما في حالة انتقاله إلى الإيمان المسيحي فقد غرر به وتم تنصيره من قبل المبشرين وأضله الشيطان وجعله من الخاسرين. فهل لعب الشيطان بعقل الكاتب مجدي علام المصري الأصل صاحب الــ55 سنة، المهدد بالقتل لانتقاده الإسلام، ذلك الذي اعتنق المسيحية وتم تعميده من طرف البابا بيندكت السادس عشر ذاته يوم 22 مارس الفارط؟
يقول من درس علم الاجتماع في روما والصحفي في كبرى الجرائد الإيطالية(المانيفستو،الريبوبليكا.. ) : “إن من يعتبرون تغيير معتقدي خيانة يخونون قيم حرية الاعتقاد والتفكير”. لم يكن اختياره للمسيحية وليد صدفة، يقول إنه كان ثمرة تفكير ونضج طويلين. كان لقاؤه مبكرا بالمسيحية . أدخلته أمه التي كانت تعمل في أسرة إيطالية غنية إلى مدرسة كاثوليكية وهو في سن الرابعة .
يقول اليوم أنه تعلم من تلك السنوات أن يتعرف أكثر ومن الداخل على الكاثوليكية. لقد قدّم لي رجال الدين فضلا عن المعرفة قيما وتصورات أخلاقية مبنية على الشعور بالواجب والمسؤولية. لئن كان احتكاكه مبكرا بالكاثوليك، يبقى ككل أبناء جيله من المثقفين المصريين “مسلما ثقافة” و”علمانيا اعتقادا” لأنه كان متأثرا بشكل أو بآخر بالقومية العربية. ورغم أدائه لفريضة الحج بمعية أمه سنة 1991 فقد أصبح معروفا منذ سنة2000 بدفاعه الشرس عن حقوق الإنسان ونقده الصريح للإسلام الذي يراه مناقضا للقيم الكونية.
كان في جويلية 2007 وراء مظاهرة ضخمة في العاصمة الإيطالية نظمت ضد الاضطهاد والتهجير المسلطين على المسيحيين في الشرق الأوسط. عارض بناء المساجد في إيطاليا وندد بأسلمة المجتمعات الأوروبية وقد كان سنة 2004 ضمن وفد”المسلمين المعتدلين” الذين استقبلهم الرئيس الإيطالي إثر نشرهم مانيفستو ” ضد الإرهاب ومن أجل الحياة”. ولكنه سرعان ما أعاد تقييم موقفه، “في الوقت الذي بدأ فيه الإرهابيون يقومون بجرائمهم باسم الإسلام، يقول، لم أعد أؤمن بوجود “إسلام معتدل” . ويفسر لنا موقفه بوضوح : ” أنا أفرق جيدا بين الإسلام والمسلمين.
أعتقد بإمكانية الحوار مع المسلمين المعتدلين . ولكن كيف يمكنهم أن يستحقوا “شهادة الاعتدال”؟ ينبغي عليهم أن ينددوا بالقتل الجماعي للمسيحيين في بلدان الإسلام، أن يدينوا مبدأ الردة والتمييز ضد النساء والإرهاب وأن يعترفوا بحق إسرائيل في الوجود.
ولكن لماذا انتقل الحاج مجدي علام من المسجد إلى الكنيسة؟ “لقد تحررت من ظلامية إيديولوجيا تجيز الكذب والتقية والعنف والانتحار والقتل”، هكذا يتحدث الحاج مجدي عن دينه السابق.
ولئن أغضبت مواقفه كثيرا من الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الدين الإسلامي فقد صبوا جام غضبهم أكثر على البابا الذي أشرف على تعميده. ندد مدير المركز الإستراتيجي للدراسات الإسلامية (الأردن) في رسالته إلى البابا بهذا التعميد واعتبره “فعلا استفزازيا مقصودا”.
أما الإسلامولوجي الجزائري، مصطفى الشريف، فقد استغرب أن يشرف بابا الفاتيكان شخصيا على تعميد شخص معروف بتهجماته العنيفة والحاقدة على الإسلام. أصابني الذعر من الأمر، من قول من لم ينبس ببنت شفة ضد الانسداد الشامل الذي تعيشه بلاده ومن يدعي الإيمان بحوار الأديان وذاك الذي كان وزيرا للتعليم العالي ولم يحرك ساكنا أمام تحول كثير من مقرات الجامعة الجزائرية إلى مساجد طلابية والحرم الجامعي كله إلى مرتع للأصوليين.
يحق لنا ما لا يحق لغيرنا لأننا خير أمة أخرجت للناس نبجّل الآخرين حينما يتركون ملتهم ويلتحقون بملتنا ولكننا نقتل من سولت له نفسه الخروج عن ملتنا والدخول في ملتهم.
ألا يمكن أن يكون تعميد الحاج مجدي علام جهارا نهارا رسالة صريحة من البابا إلى الأزهر وإخوانه، يعلن فيها بداية عهد جديد تصبح فيه الكنيسة أقل تحفظا بل أكثر تحررا في احتضانها للمسلمين الذين يرغبون في دخول المسيحية؟ هل آن أوان المعاملة بالمثل؟
مقالات ذات صلة: تزايد عدد المعتنقين للمسيحيّة في تيزي وزو بالجزائر
