أطروحتان خاطئتان حول التنوير
{{1- فكر التنوير وليس فلسفة الأنوار}}
الغالب في التسمية هو فلسفة الأنوارla philosophie des lumières مقابل تسميات أوروبية أخرى:enlightenment بالإنكليزية وaufklarung بالألمانية مثلا.
و في الواقع فالمصطلح الألماني هو الأكثر دقة: إنه عبارة عن أن فلسفة الأنوار (لأن هناك ما يسمى بفلسفة الأنوار) هي موجودة كفكر وقيم ليس بحكم الواقع ولكن بحكم التحقق والصيرورة.
بتعبير آخر:التنوير هو مشروع وليس بعقيدة. و بالتالي، فالأصح هو الحديث عن فعل قيد التحقق (= صيرورة) وليس عن مصدر نافذ الفعل والتحقق.
فالثورة الفرنسية (1789) تحققت وحققت منجزات تنويرية عظمى في مقدمتها “إعلان حقوق المواطن والإنسان”.وكان ثمة فلاسفة فرنسيون عظماء مهدوا–بمعنى من المعاني- لهذه الثورة: فولتير، روسو، ديدرو، كوندورسيي …وهكذا فالثورة الفرنسية هي منجز تنويري ضخم قدر حجمه التاريخي الفلاسفة الألمانيون بالخصوص (كانط وهيجل) وليس الفرنسيين!
ولكن الثورة الفرنسية العظيمة غرقت في الإرهاب (1793) لأن “الحرية والمساواة والإخاء” –شعار الثورة الفرنسية والتي هي قيم تنويرية بامتياز- تحولت إلي عقيدة تسلطية بعد أن كانت مثلا عليا زاهية.
فمن المسؤول إذن: فولتير وروسو (كما جاء لاحقا على لسان احدى شخصيات رواية البؤساء لفيكتور هيجو الشهيرة ) أم “أنوار” الفلاسفة العظام المذكورين؟
لقد غرقت الثورة الفرنسية العظيمة في الإرهاب، وأنتجت شخصيات تاريخية مهزوزة مثل روبسبيير (في إبانه) ونابليون بونابرت (لاحقا)لأن فلسفة الأنوار ( وليس صيرورة التنوير) كانت “عقيدة” النخبة ولم تكن “دين” الجمهور (أنظر في هذا الصدد التحليلات النافذة حول الثورة الفرنسية لFrançois furet و خاصة كتابه: Penser la révolution française ).
وبالتالي،يحق (لاحقا) محاكمة عقيدة “فلسفة الأنوار” التي هي شعارات تنويرية بامتياز تحولت في مجرى الثورة الفرنسية المعقدة والمركبة إلى إيديولوجية إرهاب وعنف وإرغام ولكن لا يحق محاكمة التنوير الذي هو فعل وممارسة وصيرورة ما تزال منفتحة على المزيد من الحرية والعقلانية والتقدم …وهذه هي فلسفة التنوير (وليس الأنوار) بامتياز!
{{2- التنوير مشترك إنساني عام وليس إرثا أوروبيا خاصا}}
لم تنجز أوروبا (من النهضة إلى الحداثة) ثورتها الضخمة التي هي علامة التقدم الإنساني الباهر اليوم لأنها (أي أوروبا) تتميز بماهية جوهرانية خاصة: هذه عقيدة عنصرية ساذجة وخطيرة ( المحافظون الجدد) وتحليل سوسيولوجي وتاريخي سطحي وتسطيحي (تأويلات مغرضة منسوبة إلى السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر)، بل إن أوروبا حققت النهضة أو Renaissanceفي القرن الخامس عشروالإصلاح الديني أو Réformeفي القرن السادس عشر ثم سلسلة الثورات العلمية والفلسفية و السياسية على امتداد القرون اللاحقة لأن عوامل تاريخية شتى (أنظر بالخصوص كتاب: La naissance du monde moderne لC.A.Bayly ) لعبت دورها المتكامل والشامل في حصول التقدم الأوروبي الباهر.واليوم بعد أن انقشعت غمامة الاستعمار وملحقاته الإيديولوجية الإثني-فكرية ، وأجرت أوروبا ذاتها (أو هي تجري) ما يمكن اعتباره “تطهيرها الذاتي” على الأقل فلسفيا (في هذا السياق يمكن مثلا ذكر فيلسوف في حجم الألماني يورغن هابرماس) فيمكن الإقرار بالواقعة التالية: إن الحضارة المهيمنة اليوم فكريا (والفكر كما هو معلوم ليس هو الواقع) هي حضارة الإقرار ( ولو أن هذا الأمر ما زال مطروحا على مستوى المثال وليس الواقع!) بضرورة سيادة الإنسان من حيث هو حرية وعقل وتقدم… وهذه هي قيم التنوير بامتياز!
وعليه –وهذا مجرد مثال- فالتنوير الذي من رحمه خرجت أوروبا المعاصرة (وملحقها الأنكلو-ساكسوني) لم يتأسس بفعل فيض عقلي أوروبي مزعوم، بل إن هذا العقل هو مشروع إنساني شامل: من كونفشيوس الصيني إلى فولتير الفرنسي ومن ابن رشد الأندلسي إلى هابرماس الألماني!
وبالتالي فلا يمكن نسبة التنوير تخصيصا إلى أوروبا ولكن الإقرار بأنها هي الحيز الجغرافي الذي من داخله انطلق مشروع التنوير مشروعا إنسانيا كونيا.وأوروبا كجغرافيا خانت قيم هذا المشروع الأساسية ( انظر كتاب الفرنسي جان كلود كييبو المعنون بLa trahison des lumières )لما غلبها منطق التسلط (الاستعمار والامبريالية) وهوى الميتافزيقا الجديدة (التقنية وإيديولوجيا العلموية) ولا عقلانية التقدم وجموحه… فانكسر مشروع التنوير الذي هو مضمون الحداثة الضمني ولم يكتمل (هابرماس: الحداثة مشروع لم يكتمل). ومن هنا ففكر التنوير لم ينته أو تم تجاوزه كما يزعم فلاسفة ما بعد الحداثة … ولكن هو فقط في حاجة إلى إعادة بناء.
