الحارقون
مشهد أوّل :
سَمّها ما شئت.. قوارب الموت أوالحلم أو العار، وليكن من فيها حارقين أو محترقين أو “حرّاقة” أو مهاجرين خلسة أو غير شرعيين أو “مازقري” ..فالوجهة واحدة.
تغادر هذه القوارب كلّ ليل موانئها السريّة وفي أحشائها شباب الجنوب العطشان ومعهم قليل من الماء وكثير من النّار في القلب المغمور باليأس.
نقرأ أخبارهم ونسمع سرّا وعلانية عن شبكات التهريب وما يدفع إليها هؤلاء من مال كثير وقليل مقابل رحلة إلى شطآن الشمال البارد قد تنتهي بمجرّد الإبحار في قيعان المتوسّط لتلتهم ذاكرة النسيان جسد هؤلاء المعطّلين عن الحياة ولتعود توابيتهم فارغة إلى قرى متناثرة في جنوبنا…
تبدأ الرحلة وقد ترسي ألواح الأمل في ضفّة أخرى من هذا الجنوب ليفيق هؤلاء الحارقون مع انبعاث أوّل خيط للفجر على غروب أملهم بين أيدي محترفي الاحتيال وبيع الأوهام…. وربّما أرست أيضا في مخافر الحرس الحدودي هناك بعيدا عن سجون الشرق الكبيرة فتغرق الأحلام مرّة أخرى بين ركام محاضر التحقيق الفارغة إلاّ من إجابة واحدة:الصّمت… قانون الحارقين. ففي المخفر تُطبَّق قاعدة التنصّل من الاسم واللّغة والجنسيّة بعد التنصّل من الأم والوطن وأناشيد النخوة والاعتزاز التي ردّدها هؤلاء في مقاعد الدراسة واستمعوا إليها في إذاعات الوطن… ومهما كان المصير فهم حارقون، وكلمة السرّ في جميع الأحوال هي المقامرة بالجسد وتقديمه قربانا للبحر أو سجون المخافر الضيّقة أو لسماسرة اليد العاملة غير الشرعيّة.
ولسنا ندري أيّة عبقرية كانت وراء وضع هذه التسمية :الحارقون… ما الصّلة بين الماء والبحر من جهة، والنار والاحتراق من جهة أخرى؟
والأكيد أنّ الأمر لا يعود إلى مجرّد ألاعيب بلاغيّة من باب حمل الأسماء على المجاز تورية أو إلغازا أو من باب الحيل البديعيّة التي تقرّب بجناساتها بين الألفاظ وتباعد بين المعاني: حريق/غريق، حارق/غارق،،، حارق/حالم،،، ولسنا ندري هل لهذه التسمية أصل استعاري له منابت في قاع ذاكرة من وضعها ليعيدنا إلى طارق بن زياد (القادم بقواربه من الجنوب) وهو يوجّه أسنّة رماحه إلى شبه الجزيرة الأيبيرية (الشمال) ويحرق السّفن ليعلن اللاّعودة : “العدوّ أمامكم والبحر وراءكم”.
ولسنا ندري على وجه التحديد إن كان هؤلاء الحالمون قد مارسوا سياسة الأرض المحروقة عندما ألقوا بفقرهم هناك وبأوراقهم الثبوتية في البحر وببقايا ذاكرة يائسة في تلك القوارب وأشعلوا شموع الأمل الذي قد لا يأتي ، شموع الأمل التي قد يحترق بها اللّوح واللحم…
وعلى اليابسة في صحارى الجنوب باحثون جادّون في علمهم وعملهم يتلقّفون النزر القليل من أسرار المعرفة القادمة من بلاد “تموت من البرد حيتانها” على حدّ عبارة الطيّب صالح في موسم هجرته إلى الشمال.
وعلى اليابسة عقول مغلولة تحتال على فقر البرمجة وغياب المشروع وركام المناشير المعطّلة على الانطلاق والمساعدة على التقهقر دائما،،، عقول تحتال على خطابات ملأى بالزيف والمخاتلة المبشّرة بمعرفة لن تأتي ما دام ذوو الرؤوس المتصلّعة من الدّاخل يحرصون على الإخصاء..
وبين جدران هذه القلاع وشوشة وأصوات خفيضة ومرتفعة تحدّثك عن رغبة أدمغة في الهجرة الرّمزية أو الفعلية إلى الشرق الآخر الغني/ الفقير أو إلى الغرب الغنيّ/الغني… هجرة مع تأجيل التنفيذ،،، أدمغة راحلة وهي مقيمة غريبة بين أهلها تقتات من الحدّ الأدنى الماديّ والقيميّ،،،
هؤلاء هم كذلك حارقون في هجرة سرّية وعلنية،، يحلمون بعبق الحريّة ونسمات المعرفة الحق، يريدون طلاق الهنا والآن…
نحتاج إلى نسمات باردة تحرّك أشرعة مراكب الأمل وتطفئ نار المحترقين…
