ابن خلدون: راهنية النزاعات “العصبوية”
ا يزال تراث وفكر ابن خلدون يثير سجالا ونقاشا في العالم العربي والغربي على السواء بالنظر إلى شموليته وتطرقه إلى قضايا يجد فيها كثيرون موضوعات راهنية تستحق التطرق إليها والتدقيق بها. ورغم مرور أكثر من ستة قرون على غيابه، لم ينقطع سيل الدراسات حول أفكاره ونظرياته، في وقت يجري تكريسه باستمرار واحدا من علماء الاجتماع. ينتسب ابن خلدون إلى جيل المفكرين والفلاسفة الذين تجاوز فكرهم نطاقه المحلي لينتسب إلى العالمية في الزمان والمكان، وهو بما تركه استحق أن يخلّد إلى جانب مفكري اليونان القدماء وغيرهم من العظام الذين يتربعون أحياء في زمننا الراهن.
عندما نستعيد ابن خلدون اليوم، فليس من اجل إعادة تقديم أطروحاته التي عكس بها دراسته ومعاينته للتاريخ والمجتمع في العصر الذي عاشه أو للحقبات التي سبقت، إنما في منظار الحاضر، فننحي جانبا ما يتصل بزمانه، ونفيد من الدروس والخلاصات العلمية التي خرج بها في قراءة معطيات الراهن. فابن خلدون فيلسوف إنساني، كما فلاسفة اليونان، وبهذه الصفة اعترف له علماء الاجتماع المحدثون في العالم بالأسبقية والريادة في آن وتعاطوا مع بعض طروحاته بوصفها متجاوزة لزمنها ومكانها.
إذا كان من الصعوبة بمكان الإحاطة بكل ما أثاره ابن خلدون في كتاباته الغزيرة، إلا أن موضوعات أربعة لا تزال تحتل موقعا أساسيا تضيء الكثير من مجريات مجتمعاتنا العربية المعاصرة وتؤشر إلى عبر ودروس، وهي تتركز على كيفية قراءته للتاريخ والتطور الحضاري، ونظريته حول الدولة والأسس التي تقوم عليها وعوامل نهوضها وانهيارها، ونظرته إلى العلم والتعليم، وأخيرا وجهته في قراءة النصوص التشريعية والدينية.
{{أولا- في التاريخ والتطور الحضاري}}
تتمثل ريادية ابن خلدون في النهج الذي خطه في قراءة التاريخ. خلافا لمؤرخين سبقوه تعاطوا مع التاريخ في وصفه تراكم أخبار وأحداث وحروب ومعارك وسيطرة قوى على أخرى، اعتمد تحليل الوقائع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لعصره ولعصور سابقة، وغاص في عمق التناقضات، مرتكزا على الراهن لفهم الماضي. شكلت نظرية التطور الخلدونية أساسا اعتمده علماء الاجتماع لاحقا في أوروبا، وجرى تصنيفه واحدا من أركان المدرسة التاريخية التي ترفض إسقاط أحداث مرحلة زمنية على مرحلة أخرى، فتدرس التاريخ وفق زمان الحدث ومكانه، واستنادا إلى الشروط الموضوعية لتلك الفترة.
يلخص ابن خلدون نظريته في التطور بالقول: “إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر. إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال”. ويعتبر العمران المدخل الأساسي والحاسم للتطور الحضاري:”الحضارة غاية العمران”. جديد ابن خلدون القديم — الحديث، ذلك الفهم الواسع لمعنى الحضارة بما هي التقدم والتطور على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية. وهو يقارع في هذه الرؤية الشمولية للحضارة، المؤرخين او المفكرين الذين يحاولون اختزال التاريخ العربي- الإسلامي في جانبه العسكري، أو في الدعوة الدينية أو فتوحات الأمصار الأخرى. كما يرد أيضا على تيارات فكرية حديثة تختزل هذا التاريخ في مرحلة زمنية محددة وترى فيها النموذج الذي تجب استعادته وإسقاطه في عصرنا الراهن لا سيما منها التيارات الأصولية والسلفية الدينية.
تميز ابن خلدون باعتماد مبدأ السببية في تفسير الحوادث التاريخية، فاخضع هذه الحوادث لمنطق العقلانية ورفض التفسيرات الغيبية لها، وهذا ما أعطى أحكامه صدقية. استتباعا لهذه العقلانية، دان الانكفاء العربي على التراث ورفض تقديسه، فلم يقبل التزام التراث العربي- الإسلامي بكليته، بل أخضعه للفحص والتدقيق، وقال بوجوب فرزه بما يسمح بالإفادة مما لا يزال حيا فيه ويخدم الراهن، وبما يؤدي إلى التخلي عما تجاوزه الزمن. دفعت هذه القراءة التاريخية للتراث بابن خلدون إلى رفض كثير مما كان يعتبر مسلمات وبديهيات تتصل بصحة أحكام فقهية وأحاديث على لسان الأنبياء والصحابة أو على أخبار مروية بالتتابع. كان ابن خلدون يمهد بذلك إلى اعتماد الشك طريقا إلى اليقين عبر إخضاع هذه “المرويات” إلى التحليل المنطقي والعقلاني وهو نهج سيعرف ازدهاره في مرحلة لاحقة من التطور الفكري في أوروبا والذي وظف هذا المنهج في نقد التراث المسيحي – اليهودي.
تكمن “معاصرة” ابن خلدون في تركيزه على الإنسان ودوره في التاريخ، لكن ابن خلدون “الإنساني”لم ينل حقه من الدراسة الأكاديمية أو البحثية التي غلب الباحثون فيها رؤيته للتطور ولنظريته عن الدولة. كان تشديده على العقل التجريبي واعتماد السببية والعمران كهدف للحضارة، يرمي إلى تعيين موقع الإنسان في هذه المجالات، والذي يسعى، في رأيه،إلى إخراج إنسانيته إلى الحياة من خلال توظيف القدرات والإمكانات والاستعدادات الكامنة في داخله، لان قيمة الإنسان تكمن في ما يصنعه ويكسبه أولا وأساسا. في هذا المعنى يصبح الإنسان محور التاريخ وهدف العمران والحضارة، وهذا ما جعل دارسين يصنفون ابن خلدون واحدا من رواد “المدرسة الإنسانية” التي تبلورت مبادؤها وأفكارها لاحقا في عصر النهضة والأنوار الأوروبيين. كما أن “إنسانية” ابن خلدون تضعه في خانة رواد الحداثة كواحد من أعلامها، مؤسسا لعلم اجتماع شهد تطورا مهما في ما بعد على أيدي اوغست كونت ودوركهايم وكارل ماركس وماكس ويبر وغيرهم.
نجح ابن خلدون في أن يكون رائدا حداثيا للمجتمع الغربي، لكنه فشل في أن تعم أفكاره عالمه العربي والإسلامي. لم يكن لمشروعه الحداثي- الحضاري أن يشق طريقه في مجتمعه نظرا إلى مرحلة الانحدار في الحضارة والعمران والدولة التي كان العالم العربي والإسلامي قد دخلها. تطلب مشروعه التحديثي تطورا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وعلميا ، وقوى تحمل هذه الموجبات، وهي أمور كانت مفقودة في ذلك الزمن. كان العالم العربي –الإسلامي أيام ابن خلدون قد دخل في مرحلة الارتداد عمّا كان حصله من تطور ونهضة أيام العصر الذهبي لحضارته، فتحول هذا الارتداد إلى انغلاق شامل وانحطاط وتخلف امتد قرونا، ولا يزال يمسك بتلابيب الحاضر العربي – الإسلامي. هكذا صار ابن خلدون عنوانا “لنهضة مجهضة”، نستعيده اليوم كعرب في إطار السعي المتجدد للدخول في عالم الحداثة.
{{ثانيا – في نظرية الدولة}}
تكاد غالبية الدراسات تجمع على أن أهم الآثار الفكرية التي تركها ابن خلدون تتركز في نظريته حول الدولة، لجهة ضرورتها والأسس التي تقوم عليها وعوامل نهوضها وانهيارها. أدت مفاهيمه في هذا المجال إلى تصنيفه واحدا من رواد علم السياسة إضافة إلى موقعه المتميز في علم الاجتماع.
يركز على ضرورة الدولة ووجوبها في كل مجتمع كشرط لاستقامة إدارة شؤونه السياسية وسائر حاجاته. يقول في هذا المجال: “الآدميون بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض، فلا بد أن يكون متغلبا عليهم بتلك العصبية، وإلا لم تتم قدرته على ذلك”. يأتي تأكيد ابن خلدون للحاجة إلى “الوازع”، أي الدولة والسلطة، نتيجة معاينته التاريخ العربي ومعرفته الواسعة بحال شعوب أخرى، فيذهب إلى التأكيد بمرور الدولة في أطوار مختلفة وانتقالها إلى حالات متجددة تتصل جميعها بمستوى التطور والتقدم الذي يشهده المجتمع. يمثل ابن خلدون في هذا المجال امتدادا لفلاسفة سبقوه في القول بحاجة المجتمعات إلى الدولة وحتمية تحقق ذلك. في هذا المعنى لم يأت ابن خلدون جديدا، لا ماضيا ولا مستقبلا. لكن الجديد الذي ميزه سياسيا، هو دراسته العميقة للأسس التي تمكّن الدولة من البقاء والتطور أو الانهيار، إذ يرى أن أهم الأسس هي العصبية التي تشكل الشرط الحاسم في قيامها. أتاحت قراءة التاريخ العربي- الإسلامي، وانخراط ابن خلدون في الحياة السياسية العملية، إلى بلورة نظريته حول العصبية. تتكون المجتمعات العربية من عصبيات وقبليات وطوائف متناحرة ومتصارعة على الهيمنة. يلاحظ أن عنصر “النسب” يشكل واحدا من العوامل الجامعة الأساسية التي يمكن أن تدفع سائر القبائل والعشائر للتسليم بالحكم والغلبة لعشيرة ذات نسب متميز. سيكون الانتماء إلى الرسول العربي احد العناصر المرجحة في هذا الصراع، نظرا إلى انحكام الصراعات العربية والإسلامية به، وذلك منذ وفاة النبي محمد وصولا إلى العهود الأموية والعباسية اللاحقة. فغاية العصبية هي الملك، و”الرئاسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم”، كما يقول ابن خلدون.
تنوعت الاجتهادات حول مفهوم العصبية عند ابن خلدون وخصوصا المعاصرة منها. فالقانون الأساسي لنشوء السلطة ولقيام الدولة يعتمد أولا على ظهور العصبية التي تعني، في المفهوم الحديث، المصلحة المشتركة الدائمة للجماعة، وهذا شأن يفتح راهنا على مسائل تتصل بالهوية وشروط الاندماج بالدولة ووسائل تحققها. كان ابن خلدون جازما في ضرورة عصبية تملك مقومات تؤهلها للسيادة على سائر العصبيات. تتوزع هذه المقومات على الانتساب العائلي والقوة العسكرية، إضافة إلى التفوق الاقتصادي لجهة امتلاك الثروة، وعلى شيء متقدم في العلم والثقافة، وهي كلها تعطي العصبية المحددة هالة تجمع بين القوة المادية والقوة المعنوية، بما يمكنها من السيادة على سائر العصبيات وبالتالي احتكار “الملك”.
في نظرة حديثة إلى واقع وطبيعة المجتمعات العربية يتبين أن مقوماتها لم تتغير كثيرا عن زمن ابن خلدون وعن أوصافه التي حملتها “مقدمته”. لا تزال هذه المجتمعات العربية تقوم على بنى عمادها العصبيات القبلية والعشائرية والطائفية والاثنية، كما لا يزال الصراع على السلطة والهيمنة قانونا يحكم مسارها. دار سجال قديم – حديث حول الجامع المشترك الذي يقدم لحمة هذه المجتمعات، بما يوازي مفهوم العصبية الخلدونية، فكانت القومية العربية القائمة على العروبة الأساس لقيام الدولة العربية والحاضن لهويتها، وهو مقوم كفيل بتأمين حد من الاندماج الاجتماعي يسمح بتأطير مكونات المجتمع وبناه. على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، قطعت المجتمعات العربية شوطا في مسار المشروع القومي العربي في بناء الدولة والمجتمع. لكن فشل أو تعثر مشروع الدولة العربية هذا، سواء أكان دولة وحدوية أو قطرية،أعاد بعث العصبيات بحدة، وهو ما جعل مفاهيم ابن خلدون تحتل الواجهة العربية مجددا، يعطيها مجرى الأحداث زخما عمليا هذه المرة بحيث تقترن “النظرية بالممارسة”.
في مجال آخر، تكتسب نظرية ابن خلدون في العصبية راهنيتها عندما نقرأها في سياق حاجة الحكم والسلطة إلى “كتلة مهيمنة”. تتقاطع غالبية النظريات السياسية الحديثة حول الدولة في ضرورة تكون هذه الكتلة المهيمنة كشرط لاستقرار السلطة والقدرة على ممارسة الحكم واتخاذ القرارات. لا تعني الكتلة المهيمنة السيطرة الأمنية والعسكرية، وان كانت هذه احد عناصرها، بل تتحدد عبر غلبة اقتصادية وثقافية واجتماعية تسمح بقبول طوعي لسيطرتها من قبل سائر المجموعات التي يتكون منها المجتمع. تشكل آلية تداول السلطة والصراع السلمي بين القوى السياسية وعلى قاعدة الممارسة الديمقراطية التي تتحدد عبرها أكثريات وأقليات، الوسائل الضرورية لتكوّن هذه الكتلة المهيمنة.
أثارت أفكار ابن خلدون حول المجتمعات العربية والإسلامية نقاشا بين رافض لها ومؤيد لاتجاهاتها، وهو نقاش لم ينقطع سيله حتى اليوم بالنظر إلى اقتحام المفاهيم الخلدونية للواقع العربي بشكل استثنائي. إن مقولة ابن خلدون “في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو اثر عظيم في الدين… والسبب في ذلك أنهم لخلق من التوحش فيهم أصعب الأمم انقيادا لبعضهم البعض..” أثارت ردودا مختلفة، فرأى فيها “عروبيون متعصبون” تحقيرا للشعوب العربية والإسلامية، وموقفا عنصريا “شعوبيا”. لم تجر محاكمة آراء ابن خلدون استنادا إلى ظرفها التاريخي والمشاهدات العيانية للصراعات المندلعة بين القبائل لتي كانت احد الأسباب المهمة لانهيار الدولة العربية وسيطرة القوى الخارجية على أراضيها. لكن الأخطر من ذلك يتمثل في محاولة “مثقفين سلطويين” استحضار هذه المقولة والاستناد إليها في القول باستحالة حكم المجتمعات العربية من دون القوة والسيطرة الاستبدادية. يستعاد ابن خلدون هنا،عربيا، في وجه الدعوات لإحلال الديمقراطية أنظمة للحكم في وجه أنظمة الاستبداد السائدة، بما يجعل هذه الديمقراطية سبيل العرب إلى الاندماج الاجتماعي على قاعدة الاعتراف بالمجموعات وحقوقها، والوصول إلى تحقيق الوحدة العربية والتقدم والنهضة في جميع مستوياتها. يحمّل مؤيدو ابن خلدون “الجدد” مسؤولية الفوضى والحروب الأهلية وانهيار الدولة في بعض الأقطار إلى الخيار الديمقراطي ومطلب التعددية السياسية. يستشهدون بلبنان والعراق ومصر وغيرها من البلدان ليحذروا من تفكك الأقطار العربية إذا ما أزيلت قبضة الديكتاتورية والاستبداد عن مجتمعاتها.
أعطى ابن خلدون حيزا واسعا لمسألة انهيار الدولة والعوامل المساعدة في ذلك.القديم – الجديد في آرائه هو التركيز على أولوية العوامل الداخلية في الانهيار واعتبارها العنصر المقرر له. فهو لا يستبعد الغزو الخارجي كعنصر فاعل في زوال الدولة، لكنه يذهب إلى أن هذا الغزو ينجح بمقدار ما تكون البلاد قد وصلت درجة من التفكك يصعب بعدها على العصبية القائمة أن توحد القوى الاجتماعية والسياسية أو أن تستنهضها لمواجهة الاعتداءات الخارجية. في هذا المعنى تظل أفكار ابن خلدون ذات راهنية يشهد عليها كل يوم مسار الأحداث والصراعات في العالم العربي. وفي هذا المجال، تجب الإشارة إلى أن ابن خلدون لم يكن يستسيغ نظرية المؤامرة على الشعوب العربية والإسلامية التي تسببت في الصراعات الداخلية وانهيار الدولة. وهو في هذا الرفض يظل أمينا على منهجه في تحليل البنى الداخلية للمجتمعات العربية وتعيين أسباب الانهيار، بما يشكل “صفعة” لبعض “محدثينا” الذين ما تزال تستهويهم بقوة نظرية المؤامرة الخارجية على العالم العربي في وصفها السبب المركزي لتخلفنا، واضعين جانبا العوامل البنيوية الداخلية لهذا التخلف المسؤول أولا وأساسا عن الانهيار أو الغزو الخارجي الحديث منه والقديم.
يرى ابن خلدون أن الدولة تمر في أطوار مختلفة، يتحدد كل منها بدرجة التطور والتقدم السائدين. ففي مرحلة الحضارة والعمران، تشهد ازدهارا وتقدما ونعيما، تحتكر خلالها القوى المهيمنة السلطة وتسخر هذا النعيم لصالحها، وتنسى احتياجات غالبية الشعب ومطالبه. تلعب العوامل المؤدية إلى ازدهار الدولة دورا في هرمها وانهيارها، وهو ما يسميه ب”الترف وانغماس القبيل في النعيم”. وإذا ما “نزل هرم في الدولة لا يرتفع”. يعطي ابن خلدون دورا حاسما للطغيان وانتشار الفساد واحتكار السلطة وفرض الضرائب على الشعب، مما يؤدي تباعا إلى هرم الدولة وبداية انحلالها، لان “الظلم مؤذن بخراب العمران”. يتسبب هذا الانحلال بضعف العصبية وزوال الأبهة التي تظلل “الملك”. وعندما تضعف العصبية يتجاسر الرعايا على الدولة، ويتخذ هذا التجاسر أشكالا متعددة، من رفض الطاعة إلى التمرد وصولا إلى اقتطاع المناطق والأقاليم والانفصال عن الدولة المركزية، مما يعني حرمانها من الموارد الاقتصادية. لذا من الطبيعي في هذه الحال أن يتجاسر الأعداء الخارجيون على هذه الدولة ويسعون إلى تقويضها إما عبر دعم حركات الانفصال الداخلية وإما من خلال التدخل العسكري المباشر واحتلال الأراضي. يخلص ابن خلدون في هذا المجال إلى أن إنقاذ “الملك” يحتاج بصورة دائمة ومتجددة إلى إصلاح يطاول مجمل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهي نصيحة مهمة تحتاجها المجتمعات العربية الراهنة بشكل لا يقل إلحاحا عما طالب به ابن خلدون في زمانه.
{{ثالثا – في التعليم والمعرفة العلمية}}
احتل موضوع المعرفة العلمية، ومعه التعليم وطرقه، حيزا مهما في كتابات ابن خلدون، حيث اتسمت آراؤه بالدقة نظرا إلى كونها نتيجة خبرة وممارسة عملية ومعاينة وقائعية أكثر من كونها أفكارا تأملية. لا تزال آراؤه في هذا المجال تحظى بالاهتمام والملاحظة، كما لا يزال قسم واسع منها صالحا للإفادة في عصرنا الراهن.
تميز ابن خلدون مبكرا، من بين العاملين في السياسة، بالربط الوثيق بين النظرية والممارسة، وفق التعبير السياسي الحديث. “فأول العمل آخر الفكرة، وأول الفكرة آخر العمل”، مشددا على ضرورة إدراك الأمور عبر التجربة، عاملا على إنزال الفلسفة من السماء إلى الأرض وسيلة لفهم العالم. بذلك شكل ابن خلدون امتدادا عمليا لأرسطو ومرشدا لعلماء السياسة في العصور اللاحقة.
أعطى ابن خلدون العلم حيزا أساسيا واعتبره “صنعة” من مجمل الصنائع، ورأى أن للعلم قواعد ومبادئ تجب الإحاطة بها واستخدامها، مؤكدا العلاقة الوثيقة بين تطور العلم والعمران. فالتقدم يعني دفعا للعمران والحضارة، والتأخر يوصل إلى الانحدار، مشددا على إصلاح التعليم و”تحصيل الملكة” بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية وإدارة النقاش المفتوح من دون قيود، والاحتكاك بالعلوم الأخرى وترجمة الكتب. لا تختلف “وصايا” ابن خلدون عن موجبات يتطلبها العالم العربي راهنا وبشكل اشد إلحاحا في هذا المجال.
يفتح تشديد ابن خلدون على العلاقة بين التعليم والعمران على قضية التنمية وصلتها بتقدم العلوم. إذ تجمع نظريات التنمية الحديثة على اعتبار مستوى تطور العلم والتعليم عاملا أساسيا في تجاوز التخلف، كما تولي أهمية للإحصاءات الدورية حول مدى تجاوز الأمية في المجتمع في وصفه احد قياسات النمو ودرجة التطور.
حظي التعليم الديني وكيفية ممارسته بقسط وافر من كتابات ابن خلدون، فقد وجه نقدا لاذعا الى مستواه ووصفه بقلة الجودة وانعدام فائدته العملية. رأى أن المبادئ الدينية تلقن بشكل غيبي، فلا تخضع للنقاش أو التفسير، لان الأساس فيها حفظ الآيات والأحاديث عن ظهر قلب، فيتخرج التلميذ من من المعاهد التعليمية عاجزا عن تفسير النص او شرحه للعوام، وهو ما يسمح باجتهادات تتناقض كثيرا تتناقض كثيرا مع مضمونه الحقيقي. قارن بين العصور الذهبية في التاريخ الإسلامي لاسيما زمن المعتزلة والعصر العباسي حيث حرية النقاش والاجتهاد والتفسير، وبين زمنه المتسم بالانغلاق ورفض الاجتهاد وحجز المعرفة. وصنف هذا النمط من التعليم الديني في خانة العوامل المساعدة في هرم الدولة العربية – الإسلامية وعجزها عن الخروج من المآل الذي وصلت إليه.
تميز ابن خلدون بأنه صاحب اجتهادات وأحكام في نظرية المعرفة، فرأى في المعرفة العلمية فاعلية إنسانية تهدف إلى الكشف عن حقائق الكون، لذا يجب رؤيتها في تطورها وليس استنادا إلى لحظة محددة. آمن بقدرة العقل الموضوعي واعتبره المرشد في فهم التاريخ الواقعي، والمساعد في استشراف بناء العمران البشري استنادا إلى الأسس العلمية. فالعقل جوهر الطبيعة الإنسانية، وهو ميزان صحيح لا كذب في أحكامه، ولا وصول إلى اليقين من دون الاسترشاد بتوجهاته، وقد دفعته عقلانيته إلى اعتبار السببية مبدأ الوجود والفكر، كما قال بالطابع النسبي للعلم الإنساني المحدود أصلا بحدود الزمان والمكان. وقد لاحظ ابن خلدون وجود فئة من المثقفين والكتاب والعلماء تمارس مهنة التملق والتزلف للسلطان، فحمّلها مسؤولية الجهل والابتعاد عن قول الحقيقة مما يؤدي إلى ارتكابات خاطئة في ممارسة الحاكم، وذلك “عندما يتقرب الأدعياء لأصحاب المراتب بالثناء والمدح وتحسين الأحوال، فتستفيض الأخبار بها على غير حقيقة”. تكتسب إشارات ابن خلدون إلى “مثقفي السلطان”راهنيتها من مشهد الكثيرين منهم في المجتمعات العربية اليوم، مبررين قرارات الحكام، مشوهين حقائق الأوضاع السياسية والاجتماعية، مزورين المعرفة عبر اختراع الأكاذيب وتلفيق معطيات التاريخ والواقع. إنهم بحق، كما وصفهم الكاتب التونسي الطاهر لبيب “المثقفون المقاولون”.
{{رابعا – في القراءة العقلانية للنصوص الشرعية}}
انعكست عقلانية ابن خلدون على قراءته النصوص الشرعية التي تنظم “الأحوال المعاشية”، فربط تفسيرها بالتغيرات التي يشهدها الواقع والمستجدات التي تطرأ عليه، وميز بين الخبرة الفلسفية التي ترفض الافتراضات المسبقة والأحكام اليقينية، وبين مسلك “المتكلمين” المسلّمين بصحة العقائد الموروثة والإيمان المطلق بها، وسعيهم إلى تدبيج الحجج اليقينية حولها وإقناع الناس بها.
هنا أيضا وقف ابن خلدون واحدا من رواد الحداثة وعلما من إعلام المدرسة التاريخية التي أخضعت النص الديني إلى قراءة تاريخية تتصل بزمان نزوله ومكانه، وصلته بالأحداث والوقائع التي عبرت عنه، وذلك لرؤية مدى ملاءمتها كلها أو بعضها مع الواقع الراهن.
انطلاقا من ذلك، ميز ابن خلدون بين ما هو دين وما هو علم، فقاد حملة على من يخلطون “بين المطلق والنسبي وبين الإلهي والبشري، فتغيب عنهم الحكمة في أصل الدعوات الدينية ومقاصدها”. من الأمثلة المشهورة نقاشه لما دعي في عهده “الطب النبوي” الذي كان يقول به بعض المتكلمين استنادا الى حديث نبوي. يقول “إن النبي إنما بعث ليعلم الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات.. انتم اعلم بأمور دنياكم.. فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة على انه مشروع”. لا شك أن ابن خلدون كان سيوجه النقد نفسه راهنا إلى الذين يقحمون النص الديني في مسائل علمية حديثة تحت عنوان “الإعجاز العلمي في القرآن” مدعين تضمنه كل الأسس العلمية للاكتشافات والاختراعات الحديثة.
جاء تشديد ابن خلدون على إعادة الاعتبار للموقع الحقيقي للدين ورفضه إقحامه في شؤون الحياة اليومية، من اجل تعيين موقع الشريعة الفعلي، التي وجدت، في رأيه، لتعليم الناس أولا وأساسا مسائل التوحيد الإلهي والحياة الآخرة والحساب، وهي أمور يصعب إدراكها ومعرفتها من طريق الاحتكام إلى العقل النظري فقط. ووصلت جرأته الى القول بان الحياة الاجتماعية قد تقوم بغير دين. فالعدل يمكنه أن يعم المجتمع بفضل الدولة والعقل، حتى ولو لم يهده شرع او دين، مستدل على ذلك بعصور قديمة سادت فيها العدالة بين أبنائها فيما لم تكن مجتمعاتها تعرف الأديان.
يبدو ابن خلدون في نقاشه قضايا الشريعة والدين والمجتمع سباقا في التطرق إلى قضيتين تواجهان راهنا المجتمعات العربية، تتصل الأولى بمسألة العلمانية وضرورة فصل الدين عن الدولة، بما فيها إعادة تحديد موقع الدين بما هو علاقة روحية وشخصية بين الإنسان وخالقه، واعتبار شؤون الدنيا خاضعة لقوانين موضوعية وبشرية تعكس حاجات المجتمع المحدد. أما القضية الثانية فتتعلق بانخراطه المبكر في المعركة الحديثة ضد الأصولية الساعية إلى إقحام الدين في كل شيء، والتي توظف النص الديني بما يخدم توجهاتها السياسية بعيدا عن رؤية الجوهر الحقيقي لهذا النص والأهداف التي يدعو إلى تحقيقها.
رغم مرور ستمائة عام على وفاة ابن خلدون، يطل المشهد العربي على مواصفات مشابهة لما كتبه ابن خلدون وقال به، وأحيانا بشكل أفدح، إذ تطرح الأفكار والمفاهيم الخلدونية تحديات على المجتمعات العربية لإعادة قراءة مستوى الحداثة والتحديث الذي حصلته في القرون والعقود الماضية، نظرا إلى “الوحشية والتخلف” اللذين لا تزال تتسم بهما. إن مقارنة بسيطة بين ما استطاعت المجتمعات الأوروبية أن تصل إليه من تقدم وتطور، وهي مجتمعات كانت مشابهة لمجتمعاتنا، وبين الواقع العربي، تفرض على العرب إعادة قراءة تاريخهم قراءة نقدية لتعيين مواطن الأعطاب المستعصية وتحديد سبل الخروج من نفق لا قعر مرئيا له حتى الآن.
