من تحديث الإسلام إلى أسلمة الحداثة

قد‮ ‬يكون الأمر صادما بالنسبة للبعض،‮ ‬خاصة القارئ الذي‮ ‬لم‮ ‬يتمرس على قراءة الجوانب المظلمة من التاريخ العربي‮ ‬الإسلامي،‮ ‬حين‮ ‬يتعلق الأمر ببعض الأحداث و الرموز التي‮ ‬صارت تكتسي‮ ‬طابعا ميثيا،‮ ‬فكيف‮ ‬يمكن‮ ‬للإنسان ذي‮ ‬الثقافة المتواضعة أن‮ ‬يتقبل حقائق من قبيل أن الشاعر الأندلسي‮ ‬المعتمد بن عباد كان‮ ‬يلتذ بقطع الرؤوس ويشتلها في‮ ‬حديقته،‮ ‬وإن صلاح الدين الأيوبي‮ ‬كان سكيرا عربيدا،‮ ‬وأن ابن سينا كان‮ ‬يشرب الخمر،‮ ‬وأن خالد بن الوليد ارتكب من الجرائم ما لا يمكن أن‮ ‬يغتفر،‮ ‬وهو ما جعل الخليفة عمر بن الخطاب‮ ‬يحتج لدى أبي‮ ‬بكر ويطلب إقالته،‮ ‬حين قتل مالك بن نويرة،‮ ‬فيما عرف بحروب الردة،‮ ‬وجعل من رأسه ثالثة الأثافي‮ ‬وتمكن من زوجة القتيل في‮ ‬نفس اليوم،‮ ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬اشتهرت بجمالها‮.‬ أذكر هذه الأمثلة،‮ ‬لأبين كيف أن الإنسان العربي،‮ ‬إنسان لا يعرف تاريخه ولا جغرافيته ولا ذاته،‮ ‬وهو لا يتوقف عن انتقاد العالم ومسارات التاريخ المعاصر‮.

‬وأذكر هذه الأمثلة لأكشف عن اختلالات كبرى تزج بالإنسان العربي‮/‬المسلم في‮ ‬عالم من الحقائق المطلقة التي‮ ‬تبدو له،‮ ‬بفعل ترسبات تاريخية،‮ ‬من الأمور التي‮ ‬لا تقبل النقاش وإنها‮ “‬حقائق‮” ‬ورموز‮ ‬يتم تداولها ثقافيا داخل المجتمعات‮.‬ في‮ ‬إحدى الورشات التي‮ ‬تشرفت بتأطيرها حول قضايا مدونة الأسرة‮ -‬والتي‮ ‬أكرر في‮ ‬كل مناسبة تعبيرها عن هيمنة العقلية الذكورية القضيبية‮- ‬وكان المستفيدون منها كلهم نساء،‮ ‬وبينهن بعض‮ “‬المحجبات‮” ‬اللواتي‮ ‬يعلن عن التزام وخلفية مرجعية محكومة بالسلطة الدينية الإسلامية‮ “‬السنية‮”..‬وقد انتهزت تلك المناسبة ووزعت عليهن نصوصا،‮ ‬هي‮ ‬عبارة عن أحاديث نبوية،‮ ‬دون أن أذكر سندها ولا المرجع الذي‮ ‬أخذتها منه‮. .. ‬وبعد وقت من التفكير،‮ ‬طلبت منهن أن‮ ‬يعلقن على ما قرأن من نصوص الحديث،‮ ‬التي‮ ‬اخترتها بعناية ومن خلفية إجرائية محضة‮.‬ كان إجماعهن،‮ ‬في‮ ‬البداية،‮ ‬حول مدى صدقية هذه الأحاديث ومدى صحتها،‮ ‬وقد رددن أنها أحاديث‮ ‬غير صحيحة ومشكوك فيها‮. ‬ كان ردي‮ ‬بسيطا،‮ ‬واكتفيت بالسؤال حول ما‮ ‬يقصدنه بـ”الحديث الصحيح”‬،‮ ‬أجبن بأنه‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون واردا في‮ ‬أحد كتب الصحاح‮…‬أذكر كيف كانت مفاجأتهن قوية وصاعقة حين أخذت بين‮ ‬يدي‮ ‬أجزاء‮ “‬صحيح البخاري‮” ‬وأطلعتهن على‭ ‬النصوص التي‮ ‬كانت بين أيديهن ، ‬وقلن جميعا في‮ ‬ذهول‮ “‬لم‮ ‬يسبق لنا أن سمعنا بها من قبل‮”.!‬ وقد تكرر نفس الحادث مع طلبتي‮ ‬حين انتفض أحدهم،‮ ‬بعد أن قدمت قراءة نقدية للصحاح،‮ ‬انطلاقا من خلفية معرفية،‮ ‬حيث قال طالب‮ : “‬إلا المقدسات‮. ‬إننا لن نسمح لك بأن تناقشها‮”وقد احتد الجدل،‮ ‬لكنني‮ ‬توجهت إلى الطالب المعني‮ ‬وسألته قائلا‮: “‬متى ولد البخاري؟‮” ‬أجابني‮ “‬الله أعلم‮”!‬؟

الظاهر أن التعليم في‮ ‬الوطن العربي‮ـ ‬وبالخصوص في‮ ‬المغرب‮ـ ‬لم‮ ‬يتمكن من خلخلة التصورات المهيمنة على الوعي‮ ‬الاجتماعي،‮ ‬ومن ثم فإن سطوة التقليد مازالت هي‮ ‬المتحكمة في‮ ‬البنى الثقافية الاجتماعية العربية،‮ ‬وإن كانت‮ “‬موجة‮” ‬الحداثة قد عملت على زحزحة‮ “‬الوضع التقليدي‮ ‬المقدس‮” ‬فإنها‮ ـ أي‬الموجة‮ـ ‬لم تتمكن من ملء الفراغ‮ ‬الذي‮ ‬أحدثته تلك الرجة بمضمون حديث وعلماني‮ ‬متجذر،‮ ‬والسبب في‮ ‬ذلك‮ ‬يعود إلى طبيعة المناهج‮ “‬التعليمية‮” ‬ونوعية الثقافة السائدة،‮ ‬وهي‮ ‬مرتبكة ومهلهلة وغير واضحة،‮ ‬بحيث أن التصور منعدم أو‮ ‬يكاد،‮ ‬وفي‮ ‬أحسن الأحوال‮ ‬غير ناضج أو مكتمل الملامح‮. ‬وهو ما نجده حتى في‮ ‬المؤسسات التي‮ ‬من المفروض أن تنتج لنا نخبا عقلانية وعلمانية تعمل على تكسير شوكة اللاهوت والخرافة‮. ‬لهذا السبب نلاحظ ارتفاع المنتمين إلى التيار الديني‮ ‬الأصولي‮ ‬في‮ ‬أوساط التلاميذ والطلبة المنتمين إلى الشعب العلمية‮ ـ ‬العلوم الرياضية والتجريبيةـ ‬وأصبح التيار الديني‮ ‬ينفجر في‮ ‬صلب رحم الوسط الذي‮ ‬كان من المفروض أن‮ ‬ينتج ثقافة مغايرة للسائد‮ .‬ وهو ما جعل الحداثة التي‮ ‬كانت قد ابتدأت مع رواد النهضة ‮ـ ‬ رغم محدوديتهاـ ‬تعرف انتكاسة‮ ‬وتراجعا حادين أدّيا بها إلى الإخفاق والتراجع‮. ‬ فإذا كانت الخمسينات‮ ‬والستينات- حسب عبد الباقي‮ ‬الهرماسي‮- ‬ تعتبر فترة الثقة في‮ ‬الإيديولوجيات العصرية وقدرتها على التنمية والخلاص،‮ ‬فإن السنوات الأخيرة سجلت عودة المقدس وبقوة‮. وهو ما دفع الدولة في‮ ‬مرحلة ما،‮ ‬إلى مقاومة الخصوم والحركات العلمانية من خلال تقوية البنى‭ ‬التقليدية والمواقف الدينية من أجل استمالة شرائح عريضة من المجتمع التي‮ ‬تتسم باستهلاكها للإسلام الشعبي؛ الأمر الذي‮ ‬تحولت معه إلى حضن ومشتل خصب للتيارات الأصولية كي‮ ‬تزدهر وتترعرع،‮ ‬وصارت الهيمنة لإسلام له هوية معينة مؤدلجة،‮ ‬وذي طابع وظيفي،‮ ‬بفعل ما‮ ‬يضطلع به من أدوار داخل المجتمع،‮ ‬وبفعل طبيعة الحقائق التي‮ ‬ينتجها ويسوقها داخل السوق الرمزي‮ ‬الذي‮ ‬تستهلكه جماعات ‮ ‬تتغذى منه‮.‬

لقد ترسبت،‮ ‬مع الوقت،‮ ‬ممارسات وتقاليد حتى صارت تشكل نظاما متكاملا،‮ ‬وحقيقة أضحى من الصعب مناقشتها أو مجرد التشكيك فيها،‮ ‬مما جعل دائرة المقدس تزداد اتساعا لتشمل مكونات أخرى لا صلة لها بالمقدس ولا بالدين،‮ ‬فاختلطت الوقائع الدينية بالوقائع والأحداث التاريخية،‮ ‬وصارت هذه الأخيرة جزءا من دائرة الدين‮. ‬فكيف‮ ‬يعقل أنّنا،‮ ‬مع سيادة المناهج العلمية،‮ ‬والتراكم المعرفي ،‮ ‬مازلنا محكومين بالمذاهب الأربعة؟ وكيف نسلم بإطلاقية صحيح‮ »‬البخاري‮« ‬الذي‮ ‬يستحيل التسليم به في‮ ‬إطلاقيته و”حقيقته‮”‬،‮ ‬وكيف نجعل من التاريخ الإسلامي‮ ‬تاريخ خوارق وقداسة؟ وكيف نسلم بكل الطقوس،‮ ‬والأشكال التعددية الإسلامية،‮ ‬في‮ ‬شكلها الحالي،‮‬ دون أن نعيد النظر فيها وفيما تم التنصيص عليه؟ وكيف نسمح لأنفسنا بأن نتعامل مع التاريخ كخط واحد هادئ‮ ‬يكتسي‮ ‬فيه السابق قيمة ورمزية وحقيقة،‮ ‬تتضاءل كلما تقدم الزمن بالمجتمع؟ وكيف نسمح لأنفسنا بأن نستسلم لخطاب متعال‮ ‬يتسم بالميثية وتقديس الخرافة،‮ ‬في‮ ‬زمن صار فيه العقل حَكما وسلطة‮…‬؟ إن الحداثة لا تؤمن بالحقيقة المطلقة،‮ ‬وهذا‮ ‬يتناقض مع جوهر الفكر الديني‮ ‬الأصولي‮ ‬أو الإسلام الشعبي‮ ‬الذي‮ ‬يجعل من الحقيقة المطلقة الكامنة في‮ ‬النصوص الثواني،‮ ‬مقدسات لا تقبل التطور المستمر ولا تدخل في‮ ‬صيرورته،‮ ‬وهنا‮ ‬يكمن جوهر الإشكال المطروح الذي‮ ‬يمكن اختزاله في‮: ‬هل‮ ‬ينبغي‮ ‬تحديث الإسلام أم أسلمة الحداثة؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This