الانتخابات في بعض مؤسّسات النخبة : الولاء، العشيرة ، خطوات إلى الوراء في مسالك التحديث
وأنا أتابع أحيانا ما يجري حولنا بمناسبة أغلب الاستحقاقات الانتخابيّة في المنظّمات الأهلية والتنظيمات المهنية والنقابية يشدّني تكرار المفارقة التالية: فمن جهة بيانات تكثّف ببلاغتها شعارات دمقرطة المجتمع والتداول السلميّ على مراكز القرار والقطع مع العقلية الواحدية والرداءة إلخ… ومن جهة أخرى انخراط بالقول والفعل في ما يضادّ هذه الشعارات: إعادة إنتاج أشكال التسلّط التي كانت هذه المؤسّسات – ولا تزال – ضحيّة لها، وانغماس إلى حدّ النخاع في خطاب لا يؤسّس إلاّ لشروط وأد أجنّة التحديث.
وأستحضر من جملة ما أستحضر ما يردّده أحد أصدقائي بلا كلل – وهو يحدّثني عن استقالته عن الانخراط في هذه التنظيمات- ليس ثمّة أيسر من لعن الامبريالية وما صنعته وليس ثمّة أسهل من مقاطعة هذه البضاعة الأجنبيّة أو تلك ومن اتّهام هذا النّظام أو ذلك بالعمالة… لكن ليس ثمّة ما هو أشدّ عسرا، من تحرير مربّع صغير أمام بيوتنا ممّا يعشّش فيها من أعراض الأمراض التي تكاد تفتك بنا. فالمهمّ عنده تثوير اليوميّ، الاهتمام بـ”الميكرو” (الجزئي) الذي سيفضي لا محالة إلى خلخلة “الماكرو” (الكلي) ودحر أركانه.
ومهما تكن العلاقة متينة بين ما عليه هذه المساحات الضيّقة من وهن وما يشكو منه الشأن العام الواسع الرّحب من إكراهات ونغص شامل، فإنّ الالتفات إلى ركام العفن المكدّس أمام حدائقنا يبدو ملحّا في كثير من الأحيان.
كلّنا على علم أنّه ليس عسيرا أن نجد المبرّرات الضرورية والكافية لما تعاني منه أغلب تنظيماتنا وتجاربنا الاحتجاجيّة من انفصالات وانشقاقات وانسلاخات وتذرّر بفعل استشراء موجات الطرد والمحاكمة والتجميد وغيرها من الممارسات الحامية للخطّ الديموقراطي جدّا في هذا الحزب أو ذاك… كلّنا يعلم أنّه بعيدا عن منطق المؤامرة والمكائد والأيادي الخفية والظّاهرة فمن أسباب هذا وذاك ضعف ما نتلقّاه في جميع مؤسسات مجتمعاتنا بدءا من العائلة وصولا إلى هذه التنظيمات مرورا بالمدرسة والشارع والملعب، من تربية أصيلة على الديموقراطية التي ما زالت إلى يومنا هذا في عرف البعض افكارا هدّامة وافدة لم تمكّن نفسها بعد في أرضنا…
وليس خافيا كذلك أنّ شعوبا لم تعرف بعد سنوات الاستقلال أو إنشاء دولها إلاّ ربّانا واحدا لسفينتها لا غير يوجّه شراعها كيفما شاءت رياحه عملا بالمثل الشعبي التونسي الذي مفاده : “الذي تعرفه خير ممّن لا تعرفه” لا يمكنها– أي هذه الشعوب- في أغلب الأحوال إلاّ أن تعيد إنتاج هذه الممارسة وإن بصيغ مختلفة في مختلف تنظيماتها الجماهيرية والشعبية بل حتّى النخبوية.
ما دعاني إلى هذه التوطئة القائمة على كثير من البديهيات التي لا تحتاج إلى تسمية الشواهد عليها في واقعنا هو أنّ هذا الوضع البائس تحكّم كذلك على نحو يحتاج إلى أكثر من سؤال في النخبة العالمة وتحديدا في مؤسّساتنا الجامعية. يكفي أن نشير إلى ما يسود البقية الباقية من فرص انتخاب ممثّلي الجامعيين في بعض الهياكل التي تُستَشَار- صوريا في أغلب الأحوال – أو تساهم – إن استطاعت إلى ذلك سبيلا- في الإعداد المحتشم لصنع القرار الذي يهمّ مهنتهم ومستقبل الجامعة والمعرفة فضلا عن المساهمة في التربية على قيم المواطنة والدفاع عن قيم الحداثة والعقلانية.
فمع انحسار هامش الاحتكام إلى صناديق الاقتراع في المؤسّسات الجامعية مقابل توسّع دائرة اعتماد التعيين والتزكية طريقةً لتسيير هذه الهياكل (انتخاب عميد الكلية وأعضاء المجلس العلمي ومديري الأقسام ولجان الانتداب والترقية واللّجان المتناصفة…) نسجّل ما يلي :
وأستحضر من جملة ما أستحضر ما يردّده أحد أصدقائي بلا كلل – وهو يحدّثني عن استقالته عن الانخراط في هذه التنظيمات- ليس ثمّة أيسر من لعن الامبريالية وما صنعته وليس ثمّة أسهل من مقاطعة هذه البضاعة الأجنبيّة أو تلك ومن اتّهام هذا النّظام أو ذلك بالعمالة… لكن ليس ثمّة ما هو أشدّ عسرا، من تحرير مربّع صغير أمام بيوتنا ممّا يعشّش فيها من أعراض الأمراض التي تكاد تفتك بنا. فالمهمّ عنده تثوير اليوميّ، الاهتمام بـ”الميكرو” (الجزئي) الذي سيفضي لا محالة إلى خلخلة “الماكرو” (الكلي) ودحر أركانه.
ومهما تكن العلاقة متينة بين ما عليه هذه المساحات الضيّقة من وهن وما يشكو منه الشأن العام الواسع الرّحب من إكراهات ونغص شامل، فإنّ الالتفات إلى ركام العفن المكدّس أمام حدائقنا يبدو ملحّا في كثير من الأحيان.
كلّنا على علم أنّه ليس عسيرا أن نجد المبرّرات الضرورية والكافية لما تعاني منه أغلب تنظيماتنا وتجاربنا الاحتجاجيّة من انفصالات وانشقاقات وانسلاخات وتذرّر بفعل استشراء موجات الطرد والمحاكمة والتجميد وغيرها من الممارسات الحامية للخطّ الديموقراطي جدّا في هذا الحزب أو ذاك… كلّنا يعلم أنّه بعيدا عن منطق المؤامرة والمكائد والأيادي الخفية والظّاهرة فمن أسباب هذا وذاك ضعف ما نتلقّاه في جميع مؤسسات مجتمعاتنا بدءا من العائلة وصولا إلى هذه التنظيمات مرورا بالمدرسة والشارع والملعب، من تربية أصيلة على الديموقراطية التي ما زالت إلى يومنا هذا في عرف البعض افكارا هدّامة وافدة لم تمكّن نفسها بعد في أرضنا…
وليس خافيا كذلك أنّ شعوبا لم تعرف بعد سنوات الاستقلال أو إنشاء دولها إلاّ ربّانا واحدا لسفينتها لا غير يوجّه شراعها كيفما شاءت رياحه عملا بالمثل الشعبي التونسي الذي مفاده : “الذي تعرفه خير ممّن لا تعرفه” لا يمكنها– أي هذه الشعوب- في أغلب الأحوال إلاّ أن تعيد إنتاج هذه الممارسة وإن بصيغ مختلفة في مختلف تنظيماتها الجماهيرية والشعبية بل حتّى النخبوية.
ما دعاني إلى هذه التوطئة القائمة على كثير من البديهيات التي لا تحتاج إلى تسمية الشواهد عليها في واقعنا هو أنّ هذا الوضع البائس تحكّم كذلك على نحو يحتاج إلى أكثر من سؤال في النخبة العالمة وتحديدا في مؤسّساتنا الجامعية. يكفي أن نشير إلى ما يسود البقية الباقية من فرص انتخاب ممثّلي الجامعيين في بعض الهياكل التي تُستَشَار- صوريا في أغلب الأحوال – أو تساهم – إن استطاعت إلى ذلك سبيلا- في الإعداد المحتشم لصنع القرار الذي يهمّ مهنتهم ومستقبل الجامعة والمعرفة فضلا عن المساهمة في التربية على قيم المواطنة والدفاع عن قيم الحداثة والعقلانية.
فمع انحسار هامش الاحتكام إلى صناديق الاقتراع في المؤسّسات الجامعية مقابل توسّع دائرة اعتماد التعيين والتزكية طريقةً لتسيير هذه الهياكل (انتخاب عميد الكلية وأعضاء المجلس العلمي ومديري الأقسام ولجان الانتداب والترقية واللّجان المتناصفة…) نسجّل ما يلي :
* إمّا استقالة اتّسع مداها من المشاركة بالترشّح لهذه الخطط والمواقع أو المساهمة بالانتخاب. وربّما يردّ البعض ظاهرة “الغيبة” أو “التغيّب ” – طوعا أو كرها- إلى دوافع شتّى منها على سبيل الذكر لا الحصر: فقدان الثقة في جدوى مثل هذه العملية بعد تكرّر مؤشّرات الفشل وشواهده بحيث لم يعد الجامعيون يأبهون لهذه الهياكل التي أُفرغت من محتواها وأضحت فاقدة لمعنى وجودها في ظلّ نزعات التسلّط عليها وإغراق حياة المؤسّسات الجامعية بالأوامر الملزمة بالتنفيذ، وبالاستشارات الصوريّة والقرارات الردعيّة، مع سابقية الاصرار على الانفراد بالرأي وعدم الانصات إلى المشاغل الفعلية للجامعة والجامعيين.
* وربّما أمكن ردّ هذه الاستقالة إلى فقدان الجامعيين الثقة في بعض ممثليهم كذلك إمّا لمحدودية آفاق مشاريعهم ورؤيتهم للمهنة ومستلزماتها. وإمّا لعدم قدرة هؤلاء على الدفاع عن استقلاليتهم ومن وراء ذلك استقلالية الفضاءات الجامعيّة عن كلّ ارتهان مهما كان لونه أو جهته. وإمّا كذلك بسبب تدنّي الوعي لدى جيل من الجامعيين بأهميّة هذه المكاسب وغيرها من وجوه التعبير عن الرأي وفرض الذّات ونشر ثقافة الاختلاف، وهذا مشكل آخر يتهدّد نزعة الوعي بضرورة المشاركة في الشأن العامّ. وأمام سياسة الكراسي الفارغة يجد المناهضون للممارسة الديموقراطية المبرّر للتشكيك في جدوى العملية الانتخابية فيقع اللّجوء إلى التعيين والتزكية مرّة أخرى في ظلّ عدم توفّر النّصاب ترشّحا وترشيحا.
* وإمّا مساهمة وتعبئة “لجماهير النخبة” تتجاوز أحيانا سقف التوقّعات كمّا وتنحدر دون سقف بعض التوقّعات نوعا إلى قاع يكشف عن هشاشة مشاريع التحديث في أقطارنا العربيّة بلا استثناء تقريبا. ويهمّنا من هذه الناحية أساسا أن نشير إلى أنّ مردّ هذا هو أنّ التحوّلات الاجتماعية والثقافية عامّة مسار بطيء فعلا في أصله وأنّ مسالك التحديث تعترضها عوائق موضوعيّة وذاتية شتّى لعلّ أبرزها واقع التخلّف الشامل نتيجة لسنوات الاستعمار المباشر وغير المباشر الذي جعل ما يتّصل بمنزلة الفرد – حرّا مختلفا وفاعلا – من خطابات لا تخرج عن دفّتي المصنّفات وبالكاد تمثّل طلاءً نُحَليّ به واجهات مؤسّساتنا. أمّا أن يخترق كلُّ هذا صميم كيانَنَا ويقتلع الصدأَ الجاثمَ على عقولنا وقلوبنا فذلك ما زال في أغلب الأحوال بعيد المنال نسبيّا. فالمواكبة العجلى للأجواء التي تجري فيها الانتخابات في أوساط النخبة (الجامعة على سبيل المثال) تؤكّد أنّ جميع مراحلها (الحملات الدعائية، البيانات المكتوبة والشفوية، سيرها، لحظة التصريح بالنتائج وما يتخلّلها ويليها،،) تشكّك إلى حدّ كبير في القدرة على صياغة خطاطة غير زائفة لمشروع تحديث البيت الصغير لهذه النخبة ناهيك عن مشروع مجتمعي برمّته.
فمثل هذه الأجواء تبيّن بوضوح الخوف من الإصداع بالرأي أو إعلان اختيار مّا أو الامتناع عن الحضور يوم الانتخابات حتّى لا يُحاسبُ الفرد على اختياره. كما نتبيّن هيمنة نزعات الإقصاء المتبادل بين الفرقاء من الموالاة أو المعارضة وفيما بين المحسوبين على المعارضة من الحاملين للواء التحديث. ويترجم عن هذه النزعة خطابٌ قلّما تحرّر من منازع القذف والبذاءة والاتهام والتشكيك في الذمة والتهديد وتجاوز ذلك إلى المسّ بالحرمة المعنوية والجسدية أحيانا لهذا الفرد أو ذاك.
ويتعزّز هذا الاقصاء بتفعيل معايير الانتقاء العشائري بدءا باستدعاء القبيلة والانتماء الجهوي وصولا إلى توظيف الانتماءات السياسية والعقائدية مرورا بإنفاذ مقاييس الرتب الجامعية والاختصاص وبتحكيم المصالح الانتهازية الضيّقة استجابة في بضع الحالات لتعليمات “جماعات الضغط” (اللّوبيات) ممن لها اليد الطولى في الترقية المهنية والبيداغوجية أو الانتداب وغير هذا كثير من وسائل الترغيب والترهيب. وبين الخطاب الذي تلقيه هذه النخبة أمام الطلبة بمناسبة الدرس الجامعي والسلوك السياسي بالمفهوم العام داخل أسوار الجامعة وخارجها نجد اليوم وفي أغلب الأحوال بونا بائنا. وبين ثقافة الاحتجاج والرفض والمعارضة وممارسة الحدّ الأدنى منها مع الذّات والآخر في المدرج والسّاحة والشارع والبيت هوّةٌ تكاد تكون سحيقة.
ليس هذا الانفصام إلاّ إشارة على مأزق من المآزق التي تعترضها المجتمعات التي شرعت في وضع القدم في مسالك التحديث. إنّه انفصام ذات وتشظّ لها، هذه الذات التي يبدو أنّ زمن الاعتراف بوجودها لم يحن بعدُ في ثقافتنا التي لا تعترف بصوت الفرد إلاّ وهو يردّد مع جوقة العشيرة والقبيلة والمصلحة العامّة،،، إلخ.
للجامعة مشاكلها المتضخّمة يوما بعد يوم في ظلّ التفويت فيها لرأس المال على قاعدة سلعنة المعرفة وضرب ركائزها باعتبارها المعبر لدمقرطة القيم الكونية الانسانية ونشرها وإعمالها فضلا عن كون الجامعة هي المصعد الذي ظلّ لعقود الطّريق الأنسب تاريخيا للترقية الاجتماعية لفئات مهدّدة مستقبلا في وجودها اليوميّ. وإنّ في استمرار قيادتها بعقليات أُعدّت للماضي إسهاما في القضاء عليها وإمعانا في تعميم اليأس من التحديث في مجتمعاتنا البائسة. تحتاج الجامعة وغيرها من منتديات المجتمع المدني إلى الحوار الفعليّ وإلى الانصات كثيرا وإلى قدر كبير من التخلّي عن نرجسيتنا حتّى يترسّخ الوعي بالمؤسسة في حدود لا تسلب الفرد فرديته وروح المبادرة فيه ولا تخنق الحلم الكامن فيه لأنّ انعدام ذلك كلّه إعلان مرّة أخرى لآستلاب الذّات وتدجينها وتبعا لذلك ضرب لشروط التحديث. لسنا بحاجة اليوم إلى أن نردّد مرّة أخرى ما قاله سلفنا المصلح التونسي أحمد بن أبي ضياف ذا مرّة في باريس في القرن التاسع عشر منبهرا بما وصله الإفرنج من نهضة وعمران “إنّ القوم قد سبقونا إلى الحضارة بأحقاب”.
