التابو والتابو مقلوباً في السجال حول النص الجنسيّ العربيّ
في موضوع ذي صلة بملفّي الأوان الأخيرين “المرأة والفعل الثقافي – تابو البكارة” نشرت بوابة الأوان، نقلاً عن جريدة السفير بتاريخ 6/6/2008، مقالاً لعباس بيضون بعنوان “التحريم”، كتوطئة لملف عن الجنس والكتابة. وكما نلاحظ تتقاطع هذه الملفات بوقوعها تحت هاجس التحريم الاجتماعيّ، ولعلّ في النصّ الجنسيّ المعاصر ما يصلح مثالاً على التجاذب بين مؤيّد ومعارض، ويغري بتفحّص السّجال الذي أُثير على أكثر من منبر مؤخّراً. ومن الجدير بالملاحظة أنّ الكتابة عن المحرّمات قابلة للانزلاق إلى النمطية، تدلّنا على ذلك طبيعة صياغة الأسئلة التي تقتضي أجوبة قطعية سريعة، فتبدو لكل طرف من طرفي السجال بديهياته التي لا تقبل النقض، وإذا كان ذلك مفهوماً لجهة الأصولية الفكرية فإنّه ينذر بنصّ مضادّ مستقرّ، خاصّة فيما إذا تخلّى عن أدواته النقدية الكفيلة بالمضيّ به قدماً.
هل استنفدنا حقاً الموضوع الجنسيّ وبات علينا أن نعود فيه القهقرى؟ يوجّه عباس بيضون هذا السؤال الاستنكاريّ في زاويته، وكما نلاحظ تفرض صياغة السؤال إجابةً محددة بنقيضين، وإذ لا جدال في أنّ لأيٍّ كان الحرية في الكتابة عمّا يشاء، وبالطريقة التي يشاء، ومن ذلك الجنس، فإنّ وضع الكتابة الجنسيّة تحت التفحّص لا يعني دائماً الدعوة إلى أن نعود عنها، وإلا نكون قد وضعنا أنفسنا تحت حدّين تحريميين. نحن لم نستنفد الموضوع الجنسيّ، وما زلنا في البداية، وبرأيي هنا تكمن المشكلة؛ أي أن نكون في البداية، ونفرح بأننا في البداية، وتلقى بعض التجارب المتواضعة التشجيع على أننا في البداية. ثمة وهم هنا عن “ريادتنا” ينتزع مبرّراته من الظرف الاجتماعيّ، مع معرفتنا بكتب التراث العربي السابقة، ومعرفتنا أيضاً بالتراث العالميّ، حيث نجد في الاثنين كتابة جنسية تبزّ بوضوحها، ونضارتها أحياناً، ما نكتبه الآن.
بصياغة أخرى سأتجرّأ على الإجابة بنعم؛ لقد استنفدنا الموضوع الجنسي كما تم تناوله حتى الآن، ولكن هذا لا يحتّم علينا أن نعود القهقرى، بل هو أدعى إلى التقدّم والتعمّق في شأن ما زلنا نلامس سطحه. مرّ عقد من الزمن على شيوع الكتابة الجنسية عربياً؛ هذا زمن كاف لانقضاء الموجة الأولى وبداية موجة تالية. الموجة الأولى أخذت مشروعيتها أولاً من التضادّ مع الاجتماعيّ التقليديّ، ولا بأس في أن يصرّح أحدنا بأنّه علينا عدم التوقف عند هذا الحد، وبأنّ “التضادّ” يمكن أن ينتقل إلى حقل الكتابة الجنسيّة نفسه، لا من خلال نفي الجنس وإنما عبر كتابة جنسية مغايرة، وبالتأكيد لن تكون “مهذّبة”.
من المؤسف أن تتحوّل الكتابة عن الجنس لدى البعض إلى نوع من سياسة، أو نوع من تبشير، بالمعنى المبتذل للكلمة، فنقع تحت إرهاب جديد هو خوفنا من نقد هذه التجارب لئلا نُتّهم بالأصوليّة، وتغيب البديهيات وهي أنّ الكتابة عن الجنس، أسوة بغيرها من الكتابات، تحوي الجيّد والرديء. لم تكن الجرأة بمؤدّاها الاجتماعي كافية يوماً للتأسيس لجرأة فنية، وهناك الكثير من “شعر” الشتائم في التراث العربي لا يمكن نسبه إلى الشعر إلا إذا ساوينا بين النظم والشعر. وقد سقت المثال الأخير تماشياً مع الذين يصرّون في كل مناسبة على التذكير بأنّ التراث العربي غنيّ بالكتابة الجنسية، فالسؤال الذي يراودني في هذا الصدد: وماذا لو لم يكن هناك أي نصّ جنسيّ عربيّ قديم؟ أيعني هذا انتقاصاً من مشروعية الكتابة الجنسية الراهنة؟ ولماذا، إن كنا جريئين حقاً، نضطر إلى البحث عن مشروعية في الماضي، وكأن حاجاتنا الراهنة غير كافية لمنحنا هذه المشروعية؟
لنعترف بأنّ بعض الأدب الجنسيّ يتغذّى من نقيضه، أي التّحريم، ولا يتغذّى من تربته المفترضة وهي الحرية. القائمة تطول إذا شئنا استعراض الأعمال التي لقيت الرّواج بسبب من تحريمها أو منعها، سواء تعلق الأمر بالكتابة الجنسية أو السياسية أو الدينية، حتى أضحى المنع تجارة رابحة تتكسّب منها فئة من الكتّاب. ولا بأس في الاعتراف بأنّ الوسط الثقافي، شأن أي وسط آخر، يحتوي على الانتهازيين أيضاً فقد وصل الأمر ببعض الكتّاب إلى التصريح خارج بلدانهم بأنهم ممنوعون، والاعتراف بالحقيقة في إعلامهم المحليّ وهي أنهم لم يُمنعوا. ولأنّ التحريم نمط فقد أثمر نمطية في الكتابة المضادّة له، كما في نمطية القراءة، ويندرج هذا حتى على قراءة التراث الجنسيّ، وعلى سبيل المثال يُشار إلى الشيخ النفزاوي وكأنه فنان إيروتيكي من عصرنا، ويُختزل كتابه “الروض العاطر” إلى الجزء المتعلق بوضعيات الجنس فقط، وتُهمَل الفصول الأخرى المتعلّقة بالجسد، والأكثر فداحة أن يُشار إليه على أنه أدب جنسيّ، بينما هو كتاب تعليميّ غير مشغول بالصنعة الفنية.
لا تسلم الأعمال المعاصرة العالمية من نمطية القراءة أيضاً، ولعل رواية ماريو بارغاس يوسا “امتداح الخالة” من أكثر الأعمال التي يُنوَّه بها في سبيل الدفاع عن الأدب الجنسيّ الجيّد، ومع ذلك يتمّ الانشغال فقط بالحدث الجنسيّ فيها، وقلّما يُشار إلى مواطن فرادة هذه الرواية، ومن ذلك اعتمادها على إرث حسّيّ بصريّ عميق يستولد الإثارة من الفنّ، مثلما يستولد الفنّ والإثارة من الجسد الواقعيّ. ولعلّ الأهمّ من ذلك هو البحث في جماليات الجسد خارج الأنماط الجمالية المسبقة، فجسد دون ريغوبيرتو يبدو دميماً قياساً إلى “أبطال رواياتنا”، لكن علاقته بجسده ومشهد استحمامه يظهران كم أنّ الجسد غنيّ بالتفاصيل التي تصنع فرادته، ويعيدان الاعتبار إلى جسد الرجل بأكمله في حين يختزل الأدب الجنسيّ السطحيّ الرجلَ إلى “فحل”. أما السؤال الأهم فهو عمّا يضطرنا إلى الاستدلال بنص عالمي في سبيل الدفاع عن النصوص العربية؟
“هذه الرواية أشبه بفيلم بورنو رديء، لكنني أخشى من نشر رأيي فيها” هذا ما أسرّت به إحدى الكاتبات في معرض حديثها عن رواية رائجة. ومن المستغرب أننا، عندما نقرأ أدباً جنسياً متواضعاً، لا يحق لنا التساؤل عمّا يقدّمه بالمقارنة مع أفلام الإيروتيك أو البورنو السائدة! أنوّه بأنّني لست ضدّ هذه الأفلام إنتاجاً ومشاهدةً، فبعض هذه الأفلام يتفوق بجدارة على الأدب الرّديء، ولهذه الأفلام درجاتها ومعاييرها الفنية التي يعرفها المختصّون، ولا تُنتَج باعتباطية على طريقة مثيلاتها العربية. وربما تصحّ المقارنة الأخيرة نسبياً على الأدب الجنسي العالمي وبعض الأدب الجنسي العربي؛ فأفلام البورنو العربية تُنتج بمعايير متدنية فنياً، ومع ذلك تلقى الرّواج على أرضية التحريم، بما أنّ النظرة الشائعة تضع الجسد “العربي” بمرتبة أكثر تحريماً من مثيله الأجنبيّ، أو بالأحرى تنظر إلى الأخير كجسد دنس. من ناحية أخرى نعلم جميعاً مدى تأثير الفنون البصرية، وخاصة السينما والتلفزيون، على الرواية عموماً، إذ أزاحت الكاميرا عن الرواية عبءَ الوصف والتصوير الخارجيين. لذا عندما نقع على كتابة جنسية تعتمد على الوصف البرّاني الشائع سيكون من حقّنا المقارنة مع المنجز البصري في الحقل نفسه، ودون انتقاص أخلاقيّ قد يتخلّل المقارنة.
السؤال الأساسي الذي تطرحه الكتابة الجنسية هو عمّا أضافتْه هذه الكتابة من خبرات حسّية أو فنية؛ أستثني هنا ما يُمكن أن يُقال عن دورها في تجاوز عتبة الحياء العام. مثلاً ما الذي يعنيني في رواية مليئة بالأفعال الجنسيّة النمطيّة التي يعرفها الجميع؟ أين هي الخبرات التفصيليّة التي تميّز كلّ نصّ ما دام الفعل معروفاً بعموميته؟ أليست بعض الكتابات أشبه بالممارسة الأولى للجنس، من حيث توفّر الرّغبة العارمة التي لا تلقي بالاً إلى التفاصيل، ولا تدع وقتاً للتعرّف العميق على الجسد؟
ولكي لا تبقى الأسئلة في العموميات يجدر بنا أن نلاحظ الأنماط التي استقرّ عليها الأدب الجنسيّ، وما تكرّسه هذه الأنماط من قيم. على سبيل المثال أغلب الأفعال الجنسية في هذه الأعمال يدور خارج الزّواج، وكأنّ الزّواج بطبيعته منافٍ للفعل الإيروتيكي، وهذا ما يلاقي النظرة التقليدية التي ترى في الزواج مؤسسة طهرانية للإنجاب فقط، أما المتعة فسبيلها هو العلاقات الخارجية. بالطبع الجنس يتم داخل وخارج الزواج، وأحياناً تتيح علاقات المساكنة، بما فيها الزواج، هامشاً أفضل لاكتشاف الجسد بتفاصيله وغناه، وهذه العلاقات أصبحت أمراً واقعاً في المجتمعات العربية التي ينمو فيها الأدب الجنسيّ، لذا من المستغرب أن يستقرّ الأدب على نمط تقليديّ أو قسريّ من الزواج، ما يعني تكريساً لذلك النمط، مع الإشارة إلى أن هذه الكتابات لا تقدّم نقداً جذرياً لمؤسسة الزواج.
عندما تُفتح ملفات ذات بعد اجتماعيّ مباشر، كالجنس، فمن المتوقّع أننا نسعى إلى محاورة المختلف، لا محاورة أشباهنا فقط، وهذا يتطلب استعداداً لاستخدام أدواتنا النقدية في نصّنا أولاً. أما الركون إلى المنجز، تحت الضغط الاجتماعيّ، فسيكون من شأنه تحويل الإنجاز إلى نمط مغلق على نفسه، وربما يستدعي الارتداد عنه. لا ينبغي للتشجيع والحماس أن يحجبا النقد بأيّ حال؛ ثمّة نصوص تستحقّ التقدير بسبب شجاعتها، لكن الشجاعة نفسها تصلح لمرّة واحدة، وإلا لا تكون قد أدت دورها في التمهيد لجرأة أكبر. لقد كُتبت أغلب النصوص الجنسية العربية المُشار إليها تحت ضغط الخطاب المهيمن، وهي صرخة احتجاج محقّة وضرورية، وأعتقد أنه قد آن الأوان لنصغي إلى الخطاب الشخصيّ المقموع الذي تضمره أجسادنا ورغباتنا، ففي المحصلة لا يكفي أن نمتحن قدرتنا بالتغلّب على الحياء العام، بل علينا أن نختبرها في اختراق حيائنا الخاصّ أيضاً.
