ألف ليلة وقوت الأرض : المتع الأرضية وعصيان الوصايا – شهادة عن المؤثرات الأدبية وأوّل الكتب..
مع أوّل كتاب لمسته يداي- غير كتب المدرسة – فغمت أنفي رائحة التبغ الخام، ممتزجة برائحة الكتب الصفراء – الورق الهشّ والطباعة الحجرية، مزيج من روائح كانت تفور من نبع سرّيّ في حجرة معتمة تسلّلت إليها ذات ظهيرة صيف أنا الصبية الصغيرة التي تتصبّب عرقا وترتعش وهي تعبر الغرفة إلى كشوفها الأولى لتمزق أوّل الحجب ..
كانت السماء سندي في الانغماس بالخطيئة الأجمل : استراق قراءة الممنوع والمحظور.
أبي كان ماركسيا حالما باليوتوبيا والعدالة موهوما – شأنه شأن الكثيرين- بالنظرية التي سحرتهم وعودها الفردوسية .
هو وصحبه كانوا يتداولون كتبا ومجلات وصحفا تعذر عليّ- وأنا ابنة التاسعة- أن أعي مضامينها، وكانوا يتعمدون إغوائي بقراءتها، وما كنت أحفل بها آنئذ، أقلبها بعجالة وأهجرها إلى أحلامي وقصصي الطفولية التي كنت اكتبها وأرسم أحداثها في الصفحة المقابلة وأتمتع بخلق شخصيات لا وجود لها في عالم الكبار المقنن، حتى ملأت دفاتري المدرسية كلها بالحكايات والرسوم ونلت عقابا من معلماتي وزجرا من الوالدين ..
مقابل ضلال أبي الماركسي -كما كان يقال – كان زوج خالتي تاجر التبغ المتدّين يحظى باحترام العامة ونفور المتعلمين والمثقفين، ومقابل كتب أبي التي تتخطّى فضاء المقدس إلى مدى حرية الفكر وتفنيد ما هو مستقرّ وثابت من الأحكام – كان زوج خالتي يقيم أذكارا دينية كل ليلة جمعة في داره أو في خان البلدة القديم، ويؤمّ الذكر دراويش ومشرّدون ومتصوّفة ومشايخ وجياع ولصوص يتقمصون توبة لليلة واحدة -وكان يرقي المرضى والمصروعين ويعوّذ الأطفال بالأحجبة ويقوم هو وجمع من المريدين وعوائلهم بزيارات لمراقد الأولياء لتقديم الولاء والصدقات وفك أسر المأخوذين واستنزال الخصب لأرحام النساء العواقر..
في الوقت ذاته كان إحساسي بالانفصال عن العالم الواقعي يدفعني إلى تصور نفسي طفلة ضالة أتت من عالم آخر لا تعرفه هي نفسها، كنت أحّسنيّ بلا أب ولا أم ولا أهل وأعدو في النهارات إلى البساتين وضفاف الأنهار بعد الدروس، وفي الليل أرقب نجوما بعيدة وأحاور أصدقائي من الشجر والطير والزهور والقطط..
في هذه البرهة الخارجة من سياق زمن الطفولة، كنت أتعرّف إلى لذّة المحرّم المجهول وأنا أقلب صفحات سفر الحكايات وألج باب الخيال والرؤى في مطاردتي لطائر صغير وأنغمر في لجج من روائح متنافرة : عبق التبغ المرّ وخفة شذى ماء الورد ورائحة الجلد والخشب وأوراق الكتب العتيقة وغبارها الشهيّ ورائحة البسط الصوفية المنقوشة بموتيفات سومرية وبدوية ..
أصابني الدوار وأنا أتوغل في النص ورائحة التبغ تفغم حواسي ..
كنت قد شهدت ليلة الأذكار الصوفية بالأمس وأرهفت السمع للأناشيد الدينية ينشدها مغنّ ضرير مع بطانته من المنشدين على إيقاع نقر الدفوف، كان الدراويش ينودون برؤوسهم ويتحركون على الإيقاع المتواتر المتسارع ويهمهمون بكلمات مبهمة، حتى إذا تعالى صوت المنشد بالمدائح النبوية وهاجت مشاعر المنصتين وقفت مجموعة منهم وتحركت الأجساد النحيلة حركات مترنحة وتمايلت على وقع النقر في سماع روحاني، بغتة رأيت أحد الدراويش مأخوذا بحالة الوجد-يسقط وسط حلقة الرجال الذاهلين في الغياب، حملت خالتي مرشاشا من الفضة ونثرت ماء الورد على وجهه الشمعي وانحنى عليه أحد الدراويش وصاح : حيّ .. حيّ .. أفاق المأخوذ من غيابه وتعالت ضربات الدفوف فنهض الرجل بعينين ذابلتين وفم راعش وهو يحدق في العدم بنظرات مما وراء الوجود.
من تلك اللحظة أدركت ماهية السماع وقوة الموسيقى التي ارتبطت لاحقا مع النص الغرائبي لألف ليلة، وكان مصير الكاتبة اللاحق قد بدأ يشكل بذرته الأولى على نواة صغيرة
من المجازفات والاندهاش بالسماع الذي صيرني عاشقة للموسيقى من طراز خاص..
كان أبي يحذرني من الانجراف في لذة الخرافة والكتب التي توقف اشتغال العقل ويحضر لي كتبا من مكتبة صديقه عبد الوهاب الرحبي مؤسس التنظيم الشيوعي في بلدتنا (بهرز ) التي تحولت الآن إلى مقر قيادة فصائل (القاعدة )في زمن الاحتلال الأمريكي للعراق..
كنت أهرب بين قراءاتي المتناقضة للكتب الدينية والتراثية في بيت خالتي وبيت جدي لأبي وكتب والدي إلى اللعب مع صديقتي اليهودية دوريس وأختيها مادلين ونادرة، نمضي الظهيرات على شاطئ نهر ديالى نصطاد أسماكا وسلاحف صغيرة ومحارا ونبني من الرمال الرطبة بيوتا وجسورا ونغيب عن زمن الآخرين مأخوذات بأحلام وتخيلات، وسرعان ما يتذكرنا الكبار ويبحثون عنا فيجدنا شقيقهن ( باروخ) مدرّس اللغة الإنكليزية ونحاول هربا، لكنه يصحبنا بنظرة آمرة من عينيه الزرقاوين إلى بيتهم مقابل بيت خالتي ويدير جلسة لتعليمنا مقتطفات من لينين وأناشيد ثورية ومقولات لكتاب وشعراء، وبعدها يذاكر لنا درس اللغة الإنكليزية ويوزع علينا كتبا صغيرة ويخصص جائزة لمن تقرأها وتفهمها منا، جوائزه كانت أقلاما ملونة وثمار رمّان شهية وقطع حلوى، كان باروخ يحاول صنع نواة من البنات الصغيرات لتنظيم شيوعي فتيّ سوف يغير من أوضاع النساء في القرية كما كان يردد أمامنا، لكن مشروع تثقيفنا انهار فجأة عندما أعتقل باروخ وأبي وعبد الوهاب وطالب الطب نبيل يعقوب ومثقف القرية الأشهر حميد ناجي، ووالد صديقتنا حنة، إسحق الخياط ومدرس آخر هو يوسف عبد المسيح ثروة الذي صار مترجما مشهورا ..
وعندما لم أحتمل كشوفاتي الممتعة الصادمة الغريبة ولبثت أنوء تحت وطأة السر، اعترفت لأمي بأمر الكتاب الغريب ودخولي إلى الغرفة المحظورة .. دعت أمي صديقاتها إلى بيتنا وهيّأت الشاي والكعك وطلبت مني أن أروي لهن كل مساء حكاية من ألف ليلة وليلة بعد أن هربّنا الكتاب سرا من غرفة المحرمّات في غفلة من رقابة خالتي الصارمة ..
ارتبطت معرفة خفايا النساء والجنس وحكايات العشق العجيبة بين غزالة وفتى وبين قرد وأميرة وإوزة وملك بروائح التبغ ونقر الدفوف وأشذاء ماء الورد والزعفران، وكلما ذكر كتاب ألف ليلة وليلة فغمت أنفي تلك الرائحة واستعادت حواسّي غبطة الكشف الأول لمعارفي الجديدة عن النساء والرجال والجنس والسلطة والمكائد والحيل العجيبة للعشاق وهشاشة الملوك ووحشية السيّاف مسرور وترف هارون وغنج زبيدة وزوال الدول وخراب البلدان أمام
“هادم اللذات ومفرق الجماعات : الموت.. ”
بعد سنوات وأنا في سنّي مراهقتي أتعرف إلى توفيق الحكيم وطه حسين وجبران خليل جبران واسكار وايلد وأكتب دراسة جريئة عن رواية توفيق الحكيم ( الرباط المقدس) وأنا في المرحلة المتوسطة أنال عليها أوّل جائزة في حياتي هي كتاب للحكيم أيضا .
قبل أن أنغمس في هوس القراءات الوجودية – أهداني الشاعر الراحل رشدي العامل كتاب
( قوت الأرض ) لأندريه جيد الذي تحول لدى جيلنا إلى إنجيل يبشر بالمتع الأرضية والرؤية الصوفية الممتزجة بالنزوع المادي لاقتناص المتع من سخاء الطبيعة، من الشجرة والزهرة والجسد والعطر والشذى البري ومذاق التوت والثمار التي بوركت بكشوف الإنسان لملذاتها.
.
سارتر وألبير كامو وسيمون دوبوفوار كانوا يشكلون الثالوث المقدس لبناة الحرية ورعاتها..وكانت المسرحيات الشهيرة والروايات التي ترجمت لهؤلاء الكتاب – زادنا اليومي.ومدار أحاديثنا وأحلامنا، نمط عيشهم وأفكارهم وطروحاتهم طبعت بطابعها المشهد الثقافي بأكمله تقليدا أو اعتناقا حرا، (قوة الأشياء ) لدوبوفوار مع (الإنسان المتمرد) لكامو و(سجناء التونا) لسارتر مع رواية ( المثقفون) لدوبوفوار و(كاليغولا ) كامو…
تعرفت بعدهم إلى همنغواي ويوجين أونيل وهنري ميللر واليخاندرو كاسونا وشارلز ديكنز وتوماس هاردي وفولكنر وإفتشنكو واللورد بايرون ود.ه. لورنس ولوركا وبوشكين وتولستوي وأراغون وأنطونيو غالا وأزوالد اشبنغلر وهيغل وغرامشي، وبين كل هؤلاء كان أنطوان دي سانت أكسوبيري يتألق بروائعه: الأمير الصغير وأرض البشر وطيران الليل وبريد الجنوب والقلعة ..ومازلت أحتفظ في مكتبتي المهجورة ببغداد بنسختين من الأمير الصغير بالعربية والإنكليزية..
أعود بحميمية جارفة إلى قراءة التراث العربي والإسلامي والكلاسيكي العالمي وأقتني ألف ليلة وليلة بجزأين مجلدين ضخمين – طبعة بولاق الشهيرة، وأبدأ بالجاحظ والتوحيدي وابن عربي والسهرودري وإبن سينا وإبن خلدون وابن رشد والفارابي والكندي ورسائل إخوان الصفا وتراث المعتزلة وفريد الدين العطار ودوستوفسكي وتوماس مان وهيرمان هيسة وغوته وأعيد تشكيل شخصيتي من مجموع هذه المؤثرات كلها وانعكاساتها على وعيي وأعمالي ..
وكتبت مسرحية (الليالي السومرية ) بقراءة معاصرة للملحمة ورؤية من منظور نقدي نسوي، قدمت مرتين في عامين متتالين 1994 و 1995 على مسارح بغداد وأوقف عرضها في المرة الثانية بعد الليلة الأولى، إذ أثارت شخصية المستبدّ الدمويّ في قناع كلكامش ردود فعل على السماح بعرضها ..
وحتى اللحظة لا يزال للملحمة السومرية العظيمة تأثيرها الفلسفيّ في أعمالي وموقفي من الوجود الإنساني إزاء معضلة الموت والحياة الإنسانية ، فهي نصّ حيويّ محرّض يصلح لكل عصر ..
(يتبع)
