مقاربة في حال الثقافة العربية ومآلها
يحصي أحد الباحثين وهو(بول جونسون) في كتابه (المثقفون) – الصادر عن دار شرقيات بالقاهرة 1998، ترجمة طلعت الشايب – نقلاً عن إحدى الببلوجرافيات، أن الفيلسوف البريطاني (برتراند رسل) صدر له حتى بعد وفاته عام 1973 ثمانية وستون كتاباً تتوزع مواضيعها بين “الهندسة والفلسفة والعدالة وإعادة البناء الاجتماعي والفكر السياسي والتأمل والمنطق والبلشفية والعين والعقل وألف باء الذرة والحرب النووية والنسبية والشك والزواج والتاريخ والسلطة والحق والنفوذ والمواطنة والإلحاد والمستقبل ونزع السلاح والحرب والجريمة…إلخ”، إلى جانب عدد كبير من المقالات في الصحف والمجلات “تناولت كل ما يخطر على الذهن من موضوعات، لا نستثنى منها استخدام أحمر الشفاه، و أخلاق السواح، و اختيار نوع السيجارة، وضرب الزوجات”. وكثيراً ما اصطدم مع السلطات، وتظاهر مع الجموع، ودخل السجن نتيجة ذلك.
وبذات المستوى يمكن مقاربة فهم معاصره الفيلسوف الفرنسي (سارتر) الذي كان له تأثير كبير على عقول الشباب في زمانه مع تأثرهم “بفلسفته الوجودية”، التي يرى فيها البعض النسخة الأكثر (شعبية) لهذه الفلسفة، وهي تعود بجذورها العقلية إلى هيجل وكيركجارد وهيدغر، وشارك معهم في ثورة 1968 الطلابية، وتقلب في العديد من المواقف السياسية إلاً أنه في أغلبها كان إلى جانب المضطهدين في العالم، وإلى جانب الثورات التي عاصرها. وكتب أعمالاً كثيرة بعضها في الفلسفة وبعضها في الأدب والمسرح.
هكذا نجد أن هذين الفيلسوفين كانا يريدان إلى جانب احترافهما وإخلاصهما إلى الفلسفة، أن ينقلاها من برجها العاجي إلى الناس في الشوارع، وهنا بالضبط تكمن مأثرتهما الكبرى.
فالشأن العام عندهما، وبكل تفاصيل الحياة اليومية فيه، هو المجال الحيوي للفعل الثقافي المبدع فعلاً. وهذا ما افتقدته الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة على ما يبدو، وربما لهذا السبب بقيت الثقافة العربية ذات طابع نخبوي حتى اليوم. طبعاً مع وجود استثناءات هامة لكنها قليلة ومحدودة التأثير.
صحيح أن مجتمعاتنا العربية بدأت منذ أوائل القرن التاسع عشر، بعد الحملة الفرنسية على مصر عام1798، تستفيق بتأثير الصدمة الحضارية مع الغرب الأوروبي. وطرحت على ذاتها السؤال الهام والموجع: ما سر تقدمهم، ولماذا تخلفنا عنهم كثيراً. لكن نقطة الضعف في محاولة الإجابة عن هذا السؤال تكمن في أنه بينما كنا نكشف عن سر تقدمهم، كنا نستمر في الدفاع عن ماضينا لنثبت أن فيه ما يكفي لنهضتنا من جديد. فكان الرأي السائد منذ ذلك الوقت وحتى اليوم يقول: نأخذ من الغرب ما يناسبنا، ويتلاءم مع قيمنا الروحية وعاداتنا وتقاليدنا، وننبذ ما يخالف ذلك. وقياساً على هذا الرأي التوفيقي الواهم، كانت المحصلة العامة في لحظتنا العربية الراهنة، أن تربت أجيال عربية عديدة ومتتالية على عقلية استهلاكية شرهة في ظل علاقة تبعية كاملة اقتصادياً وسياسياً للغرب، مؤسسة على استيراد السلع والمنتجات، والحذر من الأفكار التنويرية التي كانت وراء نهضة الغرب وثوراته الصناعية والتقنية المتتالية. لذلك فمنذ البداية، لم يستطع رجال الإصلاح النهضوي الأوائل كالشيخ رفاعة الطهطاوي والإمام محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني إنجاز حركة إصلاح ديني كاملة، بمعنى ( تحرير النص من النص ) كما حدث في أوروبا على يد اللوثرية. وربما لهذا السبب أيضاً لم يتمكن المثقفون والمفكرون العرب تالياً من تحرير ( العقل من النص ) حسب تعبير جورج طرابيشي، كما فعلت فلسفة عصر الأنوار الفرنسية الأوروبية.
وصحيح أيضاً أن مجتمعاتنا العربية بدأت منذ أوائل القرن العشرين تندرج في إطار (العملية التاريخية العالمية) للنظام الرأسمالي العالمي الذي كان قد اكتمل في أوروبا منذ الربع الأخير للقرن التاسع عشر ومن ثم بدأ توسعه العالمي. لكن من موقع المسيطر عليه من قبل المراكز الأساسية الكبرى لهذا النظام الذي أعاد العالم العربي إلى ( مجال الفعل التاريخي ) بعد غياب طويل منذ أن فقد أهميته الإستراتيجية مع اكتشاف رأس الرجاء الصالح والقارة الأمريكية. لكن مغزى هذه العملية وسقفها، تلخصا فقط، في ( إدراج المجتمعات العربية، كمجتمعات بدوية وفلاحية كلها بريفها ومدنها في النظام الرأسمالي المديني المنتشر والمسيطر. بدءا من أوروبا ) كما يلاحظ الكاتب والناقد السوري محمد كامل الخطيب في كتابه ( تكوين النهضة العربية 1800 – 2000 )، أي اندراجها مع كافة الشعوب الفلاحية الفقيرة والمتخلفة في العالم في إطار السيطرة والسيادة التامة للنظام الرأسمالي العالمي الجديد. ولذلك فإن عملية الاندراج تلك لم تؤت ثمارها التحديثية الكاملة لسببين: أولهما أنها كانت مجرد تكيف لبنى وهياكل المجتمع البدوي الفلاحي المتخلف، فرضه النظام العالمي الأقوى بما يخدم مصالحه، وبالتالي فليس ثمة إرادة تغيير شاملة، جذرية وقوية.
وثانيهما عدم وجود حامل اجتماعي قوي وكبير ( طبقة برجوازية وصناعية ) قادر على قيادة هذا التكيف والاندراج الحاصل وتحويله إلى عملية نهضوية شاملة. فالحامل الاجتماعي للتغيير المنشود ضعيف أو غير موجود.
واليوم يتراجع هذا الحوار إلى مستوى التأثيم والتكفير ومن ثم فتاوى القتل.
يمكننا القول إذاً أن لحظة الانبهار بالحداثة كانت وما زالت طاغية. سواء في مستوى الدعوة لها والأخذ بأسبابها، أم في مستوى الدعوة لرفضها والانغلاق على الذات، تراثا وتقاليد وأصولا. لأن الحداثة بالنسبة للمثقفين العرب، بقيت فكرة في الأذهان، تصورا منقول من مجتمعات أخرى، وعيا مفارقا لخصوصية الواقع المتخلف الذي يعيشون فيه. لذلك نجد أن أغلب أفكار وتيارات الحداثة التي دخلت مجتمعاتنا العربية منذ منتصف القرن العشرين، سرعان ما دخلت طور الأزمة والإحجام عنها، بعد الحماس الكبير الذي استقبلت به من قبل المثقفين العرب في البداية. ( الوجودية، فلسفة اللامنتمي، الفرويدية، الوضعية المنطقية، الماركسية، البنيوية..الخ ). وذلك دون أن تترك أثراً تنويرياً فاعلا في المجتمع إلاّ في أوساط بعض النخب الثقافية التي تأثرت بها. وإن ظهر لبعضها بعض التأثير في قطاعات أوسع، ففي مستوى وعي أيديولوجي جامد ومغلق، عجز عن مقاربة الواقع بشكل علمي صحيح فدخل بدوره في طور أزمة أشد من غيره.
لذلك يمكن القول أن الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، ورغم أنها أنجبت الكثير من الأسماء الكبيرة والهامة على صعيد الأدب والفكر، لاسيما في فترة عصر النهضة، فإنها لم تنجب حتى اليوم أسماءً أدبية إبداعية بوزن الأسماء الأدبية التي نقرأ لها في آداب أمريكا اللاتينية، وأوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية التي اجتهدت واجترحت تيارات ومدارس أدبية عالمية جديدة غاية في الإبداع، كنا لها مستهلكين، وفي أفضل الحالات مقلدين، – نجيب محفوظ ويوسف إدريس هما الاستثناء وليس القاعدة- . كما أنها لم تنجب مفكراً أو فيلسوفاً حديثاً أو معاصراً بوزن (برتراند رسل) في بريطانيا، أو (جان بول سارتر) في فرنسا، على سبيل المثال لا الحصر.
