جغرافيا المصحف إلى الأستاذ فراس السواح
Léon Paul Fargue ,Voir Gérard Dessons , Introduction à l’analyse du poème , Nathan , Université 2000,p.30
ومثال ذلك أيضا ما جاء في مقال الأستاذ، فقد رُوي” أنّ أصحاب ابن مسعود قرأوا في الآية 202 من سورة البقرة: “أولئك لهم نصيب ما اكتسبوا” بدلاً من “أولئك لهم نصيب مما كسبوا” وفي البقرة: “وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم قِبله” بدلاً من “وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره”، وفي الآية 110 من سورة الإسراء: “ولا تُخافت بصوتك ولا تُعال به” بدلاً من “ولا تخافت بها صوتك “39.” وما إلى ذلك ممّا نقله الأستاذ السواح عن السجستاني في كتاب المصاحف حيث أثبت مائة وثلاثين موضعا في القرآن، اختلفت فيها قراءة ابن مسعود عن قراءة مصحف عثمان؛ أو ما جاء في مصحف ابن عباس الذي فقد قرأ ابن عباس في الآية 175 من سورة آل عِمران “إنما ذلكم الشيطان يخوفكم أولياءه” بدلاً من “يخوف أولياءه”، وفي الآية 196 من سورة البقرة: “وأقيموا الحج والعمرة للبيت” بدلاً من “وأقيموا الحج والعمرة لله” وفي الآية 159 من سورة آل عمران: “وشاورهم في بعض الأمر” بدلاً من “وشاورهم في الأمر”، وفي الآية 187 من سورة الأعراف: “كأنك حفيٌّ بها” بدلاً من “كأنك حفيّ عنها” وفي الآية 227 من سورة البقرة: “وإن عزموا السراح” بدلاً من “وإن عزموا الطلاق”…
ـ أولاهما تصحيف غير مقصود، ناجم عن خطأ في القراءة ؛ إمّا لاشتباه الحروف، أو لأنّ النّاسخ حرّفها عن وضعها،أو بدّلها بأشباهها.يقول حمزة بن الحسن الأصفهاني(ت.360ه): “وأمّا سبب وقوع التّصحيف في كتابة العرب فهو أنّ الذي أبدع صور حروفها لم يضعها على حكمة، ولا احتاط لمن يجيء بعده؛ وذلك أنّه وضع لخمسة أحرف صورة واحدة هي الباء والتّاء والثّاء والياء والنّون. وكان وجه الحكمة فيه أن يضع لكلّ حرف صورة مباينة للأخرى حتّى يؤمن عليه التّبديل… وصورة حروف الهجاء إنّما هي علامات تحمل الدّلالات والعلامات كلّما كانت أشهر صارت دلالاتها أوضح،وإذا جاءت الدّلالات أوضح كان الشّكّ فيها أبعد، والفهم إليها أسرع “. ( التّنبيه على حدوث التّصحيف، ت.محمّد أسعد طلس، مطبوعات مجمع اللّغة العربيّة ـ دمشق 1968 ص.27) وربّما ذهب في الظّنّ أنّ القدامى تلافوا هذا التّصحيف الذي تمكّن في الكتابة تمكّنا تامّا، بعد أن وضعت للحروف المشتبهة علامات أو نقط إفرادا وازدواجا، ووفّيت حقوق الكلمة من الإعجام. والحقّ أنّ التّصحيف لم يبطل ولا هو انقطع ـ كما وهم الأستاذ السواح في خاتمة مقاله ـ وإنّما ظلّ يقع في كثير من نصوصهم، مع استعمالهم النّقط وإتباعها بالإعجام،وهو يعرض في الكلمة على مثالين(مثل حديد وجديد) وثلاثة وأكثر(مثل حمرة وجمرة وخمرة). على أنّ بعضه لون من “الجناس المصحّف” الذي كان يستخدم في الأحاجي والمعمّيات البلاغيّة “وله من الجمال ما له في عالم الشّعر والنّثر، لما فيه من إطراف وجرس وغنى لغويّ ومرونة في الاستخدام”( انظر للتّوسّع،صلاح الدّين خليل بن أيبك الصّفدي (ت.764هـ)، تصحيح التّصحيف وتحرير التّحريف ـ مكتبة الخانجي بالقاهرة ط.1/1987.)
ـ وثانيتهما تصحيف متعمّد كان موقعه الشعر خاصّة، لا للإطراف والإلغاز والتّزيين؛ وإنّما يصدر فيه صاحبه عن سوء طويّة ومحاولة للنّيل من الشّاعر والافتراء عليه؛ غضّا من قيمته. وربّما صدر بعضهم عن حسن ظنّ بالشّاعر، أو عن رغبة في تنزيهه عن الخطأ. وسواء اتّخذ التّصحيف هذه الهيئة أو تلك فهو لا يعدو في الحالين كليهما أن ” يقرأ الشّيء بخلاف ما أراد صاحبه، وعلى غير ما اصطلح عليه في تسميته”. ساق حمزة بن الحسن الأصفهاني أمثلة وشواهد على ذلك، ما تزال تثير ضحكنا إلى اليوم. من ذلك قوله إنّ أحد الكبراء قرأ في المصحف “يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والديك”(والصّواب “وعلى والدتك” سورة المائدة، الآية113) وقال:” هو مخالف قول الله عزّ وجلّ “إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب”(آل عمران، الآية59). ومثال ذلك قوله إنّ عبد الله بن أحمد بن حنبل تقدّم قوما يصلّي بهم فقرأ “اقرأ باسم ربّك الذي خُلِقَ” (بضمّ الخاء)، فقال له قائل: أبوك ضُرب بالسّياط على أن يقول كلام الله مخلوق، وقد جعلت خالق الأشياء مخلوقا.” وقيل قرأ مرّة “هو الله الحالق البارئ المصوّر”(والصحيح طبعا”الخالق”). وقرأ آخر ” وفرش مرقوعة”( والصحيح “مرفوعة”)، و”أخذ برأس أخيه يجزّه إليه”(والصواب “يجرّه إليه”). وحُكي أنّ عثمان بن شيبة قرأ “جعل السقاية في رجل أخيه”( والصواب في رحل أخيه).وصلّى الوليد بن عبد الملك بالنّاس، وهو خليفة، فقرأ في أمّ الكتاب “صراط الذين أنعمتُ عليهم”(بضمّ التاء)، وقرأ “يا ليتها كانت القاصية”(والصواب”القاضية”)، فسمعها عمر بن عبد العزيز فقال: “يا ليتها كانت بك”…
يرى النّاظر إذن في النصّ القرآنيّ مواقع غير قليلة، اضطربت روايتها والتبست؛ وربّما أسلمه ذلك إلى ضروب من العنت والكدّ، كلّما رام ترتيب العلاقة بالنّصّ، إذ لابدّ من الاستئناس بمختلف الرّوايات والرّكون إليها، في تحقيق النّصّ وتأديته، ومن تمام المادّة وسلامتها كما أراد لها صاحبها. والحقّ أنّ تمييز ما بها من صادق وزائف ومن صحيح ومدخول ـ كيفما قلّبناهاـ قد لا يكون سهلا سائغا، وقد لا نهتدي إلى بغيتنا إلا بعد عناء وبحث طويلين، بل قد يقعدنا عن هذا الطّلب مهما نجتمع عليه من أكثر من سبيل، ونحتشد له بأكثر من أداة، صعوبة تأتّيه .
ومردّ هذه الصّعوبة، إلى أنّ كثيرا من هذه الرّوايات ـ على ما بها من اضطراب مستحكم وفروق بادية أو خفيّة ـ قد تكون مأثورة عن النبيّ نفسه، أو عن كتبة الوحي. فلا هي كلّها مجهولة النّسب ولا هي متّهمة الأصل، ولا هي ممّا يعوزه التّحري والدّقّة أو ينقصه الضّبط والتّحقيق. وفي الأمثلة التي ساقها الأستاذ، ما يعزّز من وجاهة هذا الأمر، ويلزمنا إعادة وصف الرواية. ذلك أنّ أصحابها(ابن مسعود ـ ابن عبّاس ـ عائشة ـ حفصة …) لم يعوّلوا على الحفظ والمشافهة أو السّماع والقراءة فحسب، وإنّما على الكتابة والتّدوين أيضا ومنهم من كان يتابع تسلسل أسانيده متابعة دقيقة حتى يصل بها إلى النبيّ نفسه ويصلها به؛ وإن لم يأخذوا، في الفترة التي نحن بها، بتلك الأصول من الجرح والتّعديل، والتّصحيح والتعّليل، وقواعد القبول والرّدّ، والتّقوية والتّضعيف، والضّوابط الصّارمة التي أصّلها علماء الحديث والأوائل من رواة الشّعر وجامعيه مثل حماّد والمفضّل وخلف وأبي عبيدة والأصمعيّ.
قد يكون من المفيد إذن أن ندرس مثل هذه المتغيّرات على ضوء النص أو المتن أو الملفوظ منظورا فيه من جهة بنائه أو تركيبه اللّغويّ، وعلى ضوء الخطاب من حيث هو النّصّ منظورا فيه من جهة شروط إنتاجه أو صناعته. وهذا مفهوم نأخذ به ونأنس إليه، لاحتفائه بمظاهر القول أو “التّلفّظ”، لا لأنه يتيح لنا أن نباشر نصّ المصحف من حيث هو خطاب”قلق” في ذاته وفي مراتب تقبلّه أو تلقّيه، إذ أملته إكراهات شتّى (دينيّة وسياسيّة وقبليّة وحتّى كتابيّة، فمصحف عثمان “كتابيّ” لم يرتّب على نحو ما رتّب مصحف عليّ وهو على ما يبدو من وصفه “تاريخيّ”إذ كان يراعي نزول الوحي).
وقد يُعزى الاختلاف إلى اتّساع الرّقعة المكانيّة أي الجغرافيا، وما أدّى إليه من اضطراب في تحديد اللّهجة الفصيحة، واختلاف المادّة اللّغويّة وتشعّبها وتشتّتها، وانصراف النّحاة والقرّاء والمفسّرين عن العامل الزّمنيّ في تطّور اللّغة. فلم يقسّموا مثلا لغة الشّعر تقسيما زمنيّا، واكتفوا بتقسيمها تقسيما مكانيّا في الأغلب الأعمّ، فجمعوا لغة جرير والفرزدق إلى لغة زهير والأعشى، وفرّقوا بين لغات القبائل بحسب قربها من نجد وبعدها عنها.
(محمد شحرور، أسرار اللّسان العربي”الكتاب والقرآن” ص.771نقلا عن الخلاف النّحويّ.)
وكانت لغة القرآن أهمّ هذه الأسباب. وللقرآن فضل كبير في تطوّر المباحث اللّغويّة عند العرب، ولم يحدث حدث في تاريخ العربيّة أشدّ أثرا منه. ونستطيع أن نتلمّح ذلك في سائر مصنّفات اللّغة وهي التي تدور كلّها على حفظ “النّص” وحياطة اللّسان الذي نزل به وتأديته كما لو أنّ اللّغة قانون نافذ على الدّهر؛ فلا ينبغي لعصر يأتي إلاّ أن يكون من جنس زمن الوحي والقرن الأوّل. فلعلّ هذه القداسة المثيرة التي أسبغوها على القرآن ـ وهم الذين جرّدوه من رقّ الزّمان والمكان ـ كانت من أهمّ الأسباب التي صرفتهم عن العامل الزّمنيّ في تطوّر اللّغة بل ربّما حجبت عنهم ما تعكسه لغة القرآن نفسها، من مراحل متفاوتة في تطوّر العربيّة اللّغويّ ومن فروق شتّى بين أداء شفهيّ وأداء كتابيّ، وبين لهجة عربيّة وأخرى، وما إلى ذلك ممّا اشرنا إليه في غير مقال في “الأوان”. أي أنّ تفرّد النص ليس تفرّدا خالصا ولا هو وقف على استقلال ذات متكلّمة تؤدّي اللغة بحرّية مطلقة. فالكلام من حيث هو أداء لغويّ ذاتيّ خطاب اجتماعيّ سواء امتثل لعمل اللّغة التّعاقديّ والإيديولوجيّ أو لم يمتثل.
والمقول (الملفوظ) الأدبيّ، مهما تكن أصالته أو غرابته، إنّما يتأدّى من تلقاء نفسه، على تأليفات قائمة، مثلما هو يتمايز عنها في ذات الآن. وفي سياق كهذا يمكن أن نتقصّى موضوع التحريف أو التصحيف”، وأن نقف على الإكراهات التي تعترض حرّية فعل الذات وتكبح غلواءها. فالكلام هو أداء اللغة الذي تصنع به وفيه ذات ما مقولا مّا، مثلما هو تبادل أو فعل مشترك يتألّف من المظهر المزدوج: مظهر صناعته ومظهر تأويله. وهو من ثمّ، يتيح لنا أن نلمّ بمظاهر الذاتية و”التّذاوت “في النّصّIntersubjectivité. وربّما أسعفتنا “التّداوليّة ” في إظهار الكيفيّة آلتي يعقد بها النص القرآنيّ علائق شتّى بين القرّاء، وهو يجمع ويفرّق، ويجعل القراءات التي تتسابق وتتبارى في الوقوف على دقائقه والكشف عن أسراره، تتجاذب على قدر ما تتدافع. فنحن في سياق كهذا ، إنّما نراعي النصّ في خصيصته الحواريّة: ما هو راجع منها إلى علائقه التخاطبيّة القائمة فيه وبه، وما هو راجع إلى علائقه بنصوص أخرى يجاذبها وتجاذبه على مقتضى التداخل النّصّي.
