في مفهوم الحكم الشّرعي: الخطاب والحكم

يثير السّؤال عن الحكم الشّرعي قلقا وجدانيّا ومعرفيا حادّا في ضمير المسلم المعاصر الذي يجتهد في تنظيم حياته وفق ما يفترض أنّه أحكام الشّرع الإسلامي وذلك في منعطف تاريخيّ يشهد استقطابا حادّا بين الشّريعة الإسلاميّة والمنظومة الحقوقيّة الدّوليّة. كما يطرح قلقا بنفس الحدّة لدى النّخب التي تخشى على المكاسب التّشريعيّة المعاصرة من أيّ ردّة لصالح تطبيقات تشريعيّة إسلاميّة قديمة تتنافى مع القيم الإنسانيّة والحقوقيّة المعاصرة. هو قلق يثير جدلا قانونيّا و سياسيّا حادّا عن المشروع المجتمعيّ المنشود.

ويطرح ذلك القلق على الضّمير التّشريعي الإسلامي أسئلة مصيريّة حول معنى شرعيّة الأحكام ويمكن اختزالها في ثلاثة مستويات:

1- هل العلاقة بين خطاب التنزيل وما يفترض انّه حكم شرعي علاقة تماه وتطابق بحيث تكون صيغة الأمر أو النهي مثلا هي الحكم عينه فيكون بذلك الحكم قديما قدم الخطاب عند من يقولون بقدم خطاب التنزيل فيكون من صفات الله المتلبسة بذاته وما يؤدي اليه ذلك من تبعات على مستوى تمثل الحكم الشرعـي ووظيفة الاجتهاد؟

2- أية علاقة بين الدلالة اللغوية والدلالة الشرعية ( ما يكون به الحكم الشرعي حكما شرعيا)
و هل تؤدي قطعيّة الدّلالة اللغوية بالضّرورة إلى قطعية الحكم الشرعي ؟

3- هل الأحكام إلهية أم بشرية وأية علاقة بين مقصود صاحب التنزيل ومقصود صاحب التأويل واجتهاده في تحصيل المقصود الإلهي ؟ و هل صفة الشّرعيّة التي تنسب إلى الحكم تعني أنّ الحكم المستفاد مطابق للمقصود الإلهي أي هو عين حكم الله في تلك المسألة ؟

هذه الهواجس و الأسئلة ليست جديدة أو مبتدعة فقد وقع إثارتها بالقوة او الفعل والإجابة عنها ولكن في غالب الأحيان بأيسر السبل واقلها مجهودا وذلك ضمن مقاربتين :

* أمّا المقاربة الأولى فتعتبر أن لا صلاح لهذه الأمة إلا بما صلح به أولها وهو العضّ على الكتاب والسنة بالنّواجذ. وعادة ما يفهم بها العض الارتهان إلى الألفاظ وحرفيتها وعدم السقوط في مهاوي الجدل وعدم الانخراط في متاهات التأويل إلا في حدود بما يسمح به سياج الاستعمال التداولي للغة فالنّص بيّن بذاته وإلا ما استقام قوله تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبيّن لهم) إبراهيم 14/4 أو قوله في تعريف القرآن انه أُنزل ( بلسان عربي مبين) الشّعراء 26/195.فاللفظ هو الأفق الاستراتيجي الذي تتشكل من خلاله المعرفة الدّينيّة والقاع الأنطلوجي للحقيقة عقائديّة كانت أو شرعيّة و ليس التأويل حسب هذه المقاربة هو المنهج المشروع لمعرفة الأحكام لأنّ المعاني موجودة في النصّ بالقوّة و ما على الفقيه إلا استخراجها.

وسبب الأزمة الحضارية الراهنة حسب هذه المقارنة تكمن في انحراف الواقع عن مقتضيات النص الذي وصفه منزلة قائلا( ما فرطنا في الكتاب من شيء) الأنعام 6/38.

* أمّا المقاربة الثانية فتعتبر أن لا حداثة و لا تقدم إلا بالتخلص النهائي و الحاسم من تدخل الدين في الشأن المدني العام و فك الارتباط بشكل كليّ و حاسم بين المنظومة الدينية والمنظومة التشريعية و الانخراط الكامل في فلسفة القانون المدني المعاصر و استراتيجيا عولمة التشريعات.

وسبب الأزمة الحضارية الراهنة حسب هذه المقارنة يعود إلى تردد الثقافة العربية المعاصرة بين الرّوحانية الوسيطة المشبعة بالرموز الميثية والمخيال الديني والروحانية المعاصرة القائمة على العقلانية الوضعيّة التي أفرزتها الثورة العلمية الحديثة.

ولسنا معنيين في هذا المقال بنقد هاتين المقاربتين، ولكن ما نسجّله أن لا جدوى عند كليهما من تأسيس أفق ابستملوجي جديد لإعادة تفعيل دور النص المؤسس لهذه الثقافة للمشاركة في الجواب عن أسئلة الواقع الراهن. إذ تعتبر المقاربة الأولى أن عادة التأسيس خيانة للأصالة ولإجماع السلف الصالح و ردّة عن قيم الإسلام الحقّ بينما تعتبر الثانية أن إعادة التأسيس خيانة للحداثة و قيم التنوير وردة عن المنهج العقلاني العلمي.

ونحن نروم تفكيك بنية الخطاب الأصولي ” نسبة إلى أصول التّشريع الموسوم بأصول الفقه ” دون مصادرات إيمانية مسبقة لانّ العوائق المعرفية الراهنة لا تكمن حسب تقديرنا في الإيمان بقدسية النص أو إنكار هذه القدسية و لكنّها تكمن أساسا في الإيمان بقدسية التأويل وممارسة دور المراقبة والمعاقبة والحجر على المؤولين سواء تحت لافتة المقاربة الأولى أو الثانية.

فكيف تفاعل الأصوليّون القدامى مع الأسئلة سالفة الذّكر ؟

{{الأصوليون والحكم الشرعي}}

{{1}} الأصوليون الفقهاء

كانت مقاربة الأصوليين الفقهاء أقرب إلى التمثّل الواقعي للحكم الشرعي وذلك لاشتغالهم على الأحكام وتخريجهم الأصول على الفروع وتداخل النظري والعملي في مباحثهم. فاعتبروا تبعا لذلك أنّ الحكم الشّرعيّ هو ما ثبت بالخطاب لا الخطاب عينَه. و استقرّ عند الأحناف أنّ الحكم الشرعي هو (أثر خطاب الشارع المتعلّق بأفعال المكلفين). فميّزوا بذلك بين الحكم ودليله أو مصدره وجعلوا الحكم أثرا للخطاب بينما الخطاب هو الدليل والطريق إلى الحكم. ومن الطريف أن بعض الحنابلة على تشدّدهم في اعتبار المنقول أقرّوا هذا الرأي (1) فما هو تصوّر المتكلّمين و خصوصا المعتزلة لهذا الإشكال وما هو موقفهم من هذا الجدل الذي لا تغيب عنّا خلفياته الكلاميّة ؟

{{2}} الأصوليون المتكلّمون

–الأشاعرة
يكاد يجمع الأصوليون من المتكلمين الأشاعرة على أنّ الحكم الشّرعي هو ” خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين ” وخطابه هو” كلامه النفسي” الأزليّ. وهذا التّعريف الذي ارتضاه جمهور الأصوليين يطرح ثلاثة إشكالات :

أ /إشكال كلاميّ

إن الاعتقاد في تطابق الحكم والخطاب وذات الله بحيث يكون كلامه صفة لذاته بل عين ذاته يقارب ما في اللاّهوت المسيحي من اعتقاد في أنّ عيسى الأقنوم الثاني أو كلمة الله تجسّدت في التاريخ عبر حلول اللاّهوت في النّاسوت. فيكون الكتاب تبعا لذلك الحقيقة المطلقة التي تطابق إلى حدّ التّماثل والتّماهي الذّات الإلهية وتستغرق علم الله الأزلي وما يؤدّي إليه ذلك من تضارب مع التّوحيد .

ب/إشكال معرفي:

إنّ اعتبار الأحكام الشرعيّة هي عين خطاب الشارع يعني أنّ الأوامر والنّواهي أحكام في ذاتها فيكون الحكم الشرعي ودليله ومصدره والخطاب المعبّر عنه صور متماهية لعين واحدة هي الحكم. وإذا علمنا أنّ جمهور الأصوليين على قول جمهور المتكلمين من الأشاعرة بقدم القرآن صار الحكم متّسما بالقدم والأبديّة ممّا يؤدي إلى الجمود على المنقولات ليكون النّظر التشريعيّ كشفا عن الأحكام القديمة في الخطاب لا إنشاءً لها وفق مدلولات الخطاب وغيره من الأدّلة.

ت/ إشكال إجرائي

إنّ تعارض مدلولات الخطاب تبعا لمقتضيات الحوادث يفيد تغير الأحكام بتغير الأحوال إن على مستوى التّأويل أو التّنزيل. بينما التّماهي بين الخطاب والحكم يَحْمِل على الخلط بين الدّلالة اللّغوية والّدلالة الشرعية، فإذا تعارضت دلالات النصّ أُشكل على الأصولي فاحتاج لدرء التعارض إلى التبرير لنفي تهمة الاختلاف والتناقض على كتاب الله.
بينما يؤكّد الانخراط العملي في الاستنباط أنّ الانتقال من مستوى اللغة إلى مستوى الحكم ليس عملية آلية تمرّ عبر طريق سالك بل عبر بحث متشعّب في عموم الخطاب و خصوصه ومجمله ومفصّله وإطلاقه وتقييده ومتشابهه ومحكمه ومجازه وحقيقته وناسخه ومنسوخه ودلالة الأمر والنّهي وأسباب النّزول وقطعيّة الدّلالة وقطعيّة الورود… وغيرها من المسائل التي فصّل فيها الأصوليّون فضلا عن البحث في مقتضيات التّنزيل من استحضار مآلات الأحكام وتحقيق المناط ودرء المفاسد وجلب المصالح…

–المعتزلة:

اعترض المعتزلة على المماهاة بين الخطاب والحكم استنادا إلى التّناقض الذي ارتأوه بين القول بقدم الخطاب وحدوث الحكم لأنه صفة لفعل المكلّف الحادث ومعلَّّل به. ويمكن أن نستشفّ موقفهم من خلال كتاب المعتمد لأبي الحسين البصري ت 463 هـ الذي يكشف عن وعي حادّ بـأمرين :

1- الفصل بين الحكم الشّرعي ودليله

2- حدود دلالة الخطاب على الأحكام

عرّف البصري الحكم الشرعي في كتابه المعتمد بأنه(ما رجع أهل الشّريعة في العلم به إلى الشّريعة،إما بأن يستدلوا عليه بأدلة شرعية مبتدأة أوبإمساك الشّريعة عن نقله)(2) عن حكم العقل فيَعُدُّ بذلك أحكام العقل غير المنقولة بالشّريعة شرعيّة وتندرج ضمن الشّريعة وإن لم تستفد بنص الشريعة ، فيكون وصف الحكم بأنه شرعي تبعا لذلك إذا حصل

أ ـ بالاستدلال بنصّ الشريعة

ب ـ بإمساك الشّريعة عن نقله عن مقتضى العقل

لذلك يُدرج البصري الحظر والإباحة العقليين إذا لم ينقل عنهما الشّرع ضمن طرق أصول الفقه. فيكون كلّ حكم شرعيّ عقليا لأنه ثمرة النظر العقلي في النّصوص، ويكون كلّ حكم عقليّ شرعيّا إذا لم تصرف عنه الشّريعة. والجامع بين الحكمين أنهما ثمرة للنظر البشري .

ـ الأحكام بشريّة أم إلهية ؟

نستشفّ رأي البصري في هذه القضية من ثنايا مناقشته لإشكاليّة ” هل الحقّ في واحد من الاجتهادات أم أنّ كل مجتهد مصيب ” و القول بـ “الأشبه”.

وقد اعترض على قول من جعل لله على كلّ حادثة حكما معيّنا لديه هو مطلوبُ المجتهد وما عداه خطأ. واعتبر في مقابل ذلك أن ” الأشبه ” هو الحكم بأقوى الإمارات (وقد جعل الله لنا طريقا إلى أنّ الأمارة هي أقوى الأمارات لما نصبه من وجوه التّرجيح) (3) بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث اعتبر أنه (لو نصّ الله على حكم لنصّ على حكم أشبه الأمارات فيجب أن يكون هو الأشبه). ممّا يفيد أن النّظر الشرعي يمكن أن يفضي إلى إمكان مقاربة المقصود الإلهي (فالطريق إلى الحق ممكن … وكيف يُظَنُّ بمن يجدّد الاجتهاد عند حكمه وفتواه أن لا يظفر بالحق مع إمكان طريقه).(4)
فلا حكم تكليفي لله على النّاس في ما يطرأ من أقضية إلاّ ما رجّحه النّظر الشرعيّ المستند إلى الأدلّة التي نصبها الشّارع في الخطاب والعقل ، ولو كان لله حكمٌ لما كان إلاّ ذلك. وليس في ما يطرأ على البشر من حوادث حكمٌ مفارق للتاريخ اختصّ الله به ذاته وانفرد بعلمه دون البشر ثمّ تعبّدهم بالعمل على مقتضاه بعد أن أوجب عليهم تحصيله بعينه وإن لم يَدُلَّ عليه دليل أو تُوجِّه إليه أمارة ، فذلك حسب البصري عبث وتكليف لما لا يطاق نزّه عنه المعتزلة الله بعد أن أوجبوا عليه العدل.

أمّا ما رجح بالدّليل أو الأمارة فهو حكم الله من وجه اعتباريّ ويتمثّل له بحال المجتهد في تحصيل القبلة فـ ( ليس مطلوب المجتهد القبلة بعينها ولا الجهة التي القبلة فيها قطعا، وكيف يطلب القطع على ذلك من يعلم أنه لا طريق إلى القطع. وإنّما مطلوب الأوّل أن يظُنّ جهة القبلة بأقوى الإمارات و أشبهها … كذلك نقول في الحوادث أنّ مطلوب المجتهد أن يظنّ علّة الأصل بأقوى الإمارات).(5) ويذهب إلى أبعد من ذلك فيعتبر القبلة التي تَمثّلَ بها للحكم الشّرعي (ليست هي مطلوبَ المجتهد الذي كُلّف الصّلاة إليه بعينه، فلم يمتنع أن تكون في غير الجهة التي يطلبها فيها، بل مطلوبه الذي كُلِّّف هو الصّلاة إلى الجهة التي يظنّ القبلة فيها لا القبلة بنفسها).(6)

ولكن هل يمكن أن يوجد حكم مفارق لإدراكنا ومواز للحكم الذي أدّى إليه النّظر في الأدلّة والإمارات مثل وجود ” القبلة الجغرافية ” إلى جانب ” القبلة الشرعيّة ” المستفادة بالنظر الشرعي ؟ يجيب عن ذلك بأسلوب تقريري ( ولسنا نمنع أن يكون ما لم يكلّف المرء إصابتَه ـ بنصب الأدلّة عليه ـ غيرَ موجود بحيث نظنّه، أمّا حكم الحادثة الذي هو مصلحة المكلّف فقد كلُّف الوصول إليه فلابدّ أن يكون ذلك الحكم إمّا مقتضى دلالة أو مقتضى أمارة قويّة أو ضعيفة).(7)

وأهم ما نخلص إليه بعد هذا التّحليل :

* أن أحكام الوقائع في الأرض لا في السماء، ولا يسوغ لها أن تكون متعالية عن اعتبارات الواقع من حيث جلب المصالح ودرء المفاسد ومراعاة ملابسات التّنزيل ولا يجوز أن يتعبَّد الله الناسَ بأحكام ويُكَلِّفَهم بتحصيلها إلاّ بنصب الأدلّة والأمارات عليها وتيسير سبل الوصول إليها.

* المعرفة الشّرعيّة بشرية بما رُكِّب في العقول من حقائق تميّز بين الضّرر والنفع وتمكّن من النّظر والتّمحيص في دلالة الوحي وفق قواعد أصوليّة تحتاج إلى المزيد من الضّبط

* لا مجال للحديث عن أحكام إلهية خالصة يتحاكم بها النّاس في ما بينهم، بل أحكام الشّرع وضعيّة بمعنى أنها ثمرة النّظر البشري في خطاب التنزيل. أمّا صفة الإلهية التي توسم بها فهي اعتبارية مجازيّة كما أنّ الأحكام ليست ماهيات جاهزة و لا القيم التشريعية جواهر ثابتة.

* يبدو الانخراط في البحث عن تراتبيّة الأدلّة التّشريعيّة مسألة وهميّة تزيف واقع النّظر الشرعي، لأنّ الحوار بين الشرعيّ و العقدي و الحاجة الاجتماعية والمصالح إنما هو حوار مشترك تلازمي و متداخل بشكل معقّد ويصعب أن نميّز فيه بشكل حدّي بين عنصر مُؤَثِّرٍ وعنصر مُؤَثَّرٍ فيه، وذلك لأن الدّين تشريعا كان أو فلسفة للوجود هو في نفس الوقت اعتقاد وتعبير عن الواقع ونزوع نحو التأثير فيه.

* عادة ما يؤدّي التعبير بالمعجم الديني ذي الكثافات المجازية والرّوحية والعاطفية إلى الالتباس بين قضايا أصلها تاريخي محايث للواقع ثم تغلّف بغلاف ديني ّيضفي عليها صفة القداسة والمفارقة و ذلك لتحقيق الوظيفة الإعلائية التبريرية سواء قصد بها دعم الثوابت والمحافظة على الموجود أو الإعداد للتغيير والتّسويغ له.

* الدلالة الشرعية إمكان للمعنى يستفاد بالقوة من نصّ التّنزيل وحوافّه وسياقاته ومن نصّ الوجود النابض بإيقاع الحياة المتجدّد ولا تستفاد قطعيّة الأحكام بمجرّد ارتباطها بقطعيّة الدّلالة اللغويّة للنصّ .

* لا معنى لصلاحية النصّ لكلّ زمان ومكان في ظل الالتصاق بحرفيته بل تتوقّف كونيّته على انفتاحه على آفاق أرحب للدّلالة وانخراطه ضمن استراتيجيا مغايرة للتأويلية الوسيطة تُحِلُّ قطب الواقع والعقل والمصالح منزلتها اللائقة بها في بناء المنظومة التشريعية

* لا يمكن أن تنحصر مطالب الوجود في نظرية مغلقة أو نص محدود مهما علا شأنه وشرُف مصدره إلا إذا انفتح على الممكن الدّلالي الموزّع على مصادر المعرفة المتعددة وأبعاد الحقيقة المبثوثة في ثيابا الوجود و نبض الحياة ومنعطفات التاريخ و هكذا نعتقد القرآن نصّا مشروعا لا تنتهي عجائبه ولا يَخْلًق من كثرة الدّرس .

* لا يمكن أن يكون نصّ التنزيل مطابقا لذات الله كما المسيح كلمة الله المتجسدة في التاريخ حسب الاعتقاد المسيحي فالقرآن كلام الله وليس الكلام الإلهي بإطلاق وهو كلمة الله وليس كلمات الله التّامات ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربّي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربّي ولو جئنا بمثله مددا) الكهف18/109 (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام البحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله إنّ الله عزيز حكيم) لقمان31/28 فالوجود كلّه كلمات الله والقرآن إحدى هذه الكلمات.

* تستفاد الدلالة الشرعية التي تهدف إلى تنظيم الوجود البشري من جماع تلك الكلمات حسب مقتضيات المسائل المنظورة ، وهذا الأفق التأويلي يتجاوز حسب تقديرنا الأفق المقاصدي الذي يبقى مرتهنا إلى سياح اللفظ وسياقاته .

* تكون المقاربة المقاصدية أرحب لو انفتحت على الواقع السّوسيوثقافي والحاجة الملحّة اليوم لتحقيق إنسانية الإنسان وحرمة ذاته وحقه في الحرية والكرامة لتبحث عما يدعم هذه القيم في النصّ فتؤسس عليها الأحكام.

وليس هذا الأفق السوسيولوجي الذي تلح عليه ارتكاسا إلى التفسير الميكانيكي للمادية التاريخية بل ينطلق من تحسّس العلاقة الجدلية المعقدة والتأثر المتبادل بين الفكر والواقع.

وعلى حدّ تعبير يحيى محمد (جدلية النص والواقع) (لا بدّ من إعادة ترتيب العلاقة بين النص والواقع وسوقها في الطريق السليم وقلب التصور التقليدي الذي يجعل النص أصلا يلجأ إليه في فهم الواقع وحلّ معضلاته إلى تصور آخر مضاد يكون فيه الواقع مرجعا يحتكم إليه في فهم النّص وحلّ إشكالياته. الأزمة حسب المعادلة الأولى هي أزمة واقع وليس للنصّ فيها دور أمّا التصور الثاني فيذهب إلى أنها محددة أساسا في فهم النص ومن ثم أفضت إلى أزمة الواقع.)
المشكلة إذن حسب تقديرنا هي الوعي التاريخي الحادّ الذي يفتقده الفكر العربي الإسلامي المعاصر في تمثله لقضايا التراث والمعاصرة . هذا الوعي اللاّتاريخي هو الذي تتأسس عليه مقاربة أسلمه الحداثة أو تحديث الإسلام . بينما المطلوب كما تتصور هو إبداع شروط حداثة جديدة تسحيب للحاجات المستجدة و تتجاوز الحداثة الإسلامية الوسيطة والحداثة الغربية التين كانتا استجابة موضوعية لحاجيات الزمان والمكان في سياقهما التاريخي .

كما يبدو لنا أنّ الجدل الدّائر حول التّعارض بين العقل و النقل قديما و تعارض منظومة الأحكام الموسومة بالشرعيّة و منظومة حقوق الإنسان حديثا ليس جدلا في المسار السليم، لأنّه لا يكشف عن الخلل الحقيقي في العقل الأصولي. ذلك أنّ التّعارض كما نتصّور ليس بين العقل و النقل، لأنه لا وجود لعقل محض لا يستند في مرجعياته إلى النّقول، ولا وجود لنقل محض مستغن عن تأثير العقول والوقائع ابتداءً أثناء إنشائه وكذلك أثناء تأويله وتنزيل أحكامه. لكنّ التعارض الفعلي حسب تقديرنا هوّ بين عقل متحرّر من القداسة وعقل مرتهن إلى القداسة.

إنّ الإيمان بقداسة النصّ و علويّته وفق ما يتراءى لنا لا يحول بالضّرورة دون حيويّة النظر التّشريعي وتجدّد الأحكام طالما أنّ تلك القداسة لا تنسحب على فهم النصّ ومختلف المقاربات والقراءات التي تتناوله بالدّرس أو ما أصبح يعرف بالنّصوص الثّواني، وطالما أنّ هذه القداسة كذلك لا تشكّل عائقا ابستيمولوجيّا أمام النظر الموضوعي وحاجزا نفسيّا إيمانيا أمام تشريح النصّ وتفكيكه وإعادة تركيبه من جديد دون سلطة سياسيّة أو أخلاقيّة تمارس دور الحجر والتكفير والعقاب.

لذلك نقدّر أنّ حل معضلات التّشريع المعاصر في العالم الإسلامي لا يكمن في الفصل الحدّي بين الدّين والتشريع والانقطاع الكلّي عن المصادر التي ترسّخت حجيّتها في الوعي الجمعيّ ولا يزال الاجتماع البشري في هذه المناطق مؤسَّسا على أحكامها.

لكنّ الحلّ كما نرى يتوقّف على الفصل الكلّي وبشكل نهائيّ وحاسم بين النّظر الشرعيّ الاجتهاديّ في الأحكام والنّزعة التقديسيّة التماميّة. بل يجب نزع القداسة désacralisation عن مسائل الدّين نفسه لصالح مقاربة موضوعيّة تاريخيّة لقضاياه تفصل بين العلم والاعتقاد والذات والموضوع. فضلا عن أنّ الأصولي والمجتهد في استنباط الأحكام ليسا معنيين بقداسة النصّ لأنها مسألة كلاميّة إعتقاديّة لا تأثير عمليّ لها على النظر التشريعي. فمدار التّشريع ومناط الأحكام هو ما يحقّق مصالح النّاس وينظّم العمران من نصوص وقيم وأعراف مهما كان مصدرها ومرجعيتها وصفتها وهويّتها. لذلك صرّح ابن القيّم تـ 751 هـ أنّ (الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلّها ورحمة كلّها ومصالح كلّها وحكمة وكلّها. فكلّ مسألة خرجت عن العدل والجور وعن الرّحمة إلى ضدّها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتّأويل) (8) وهذا التصوّر بدوره على طرافته لا يستقيم إلاّ إذا كان الأصوليّ والمجتهد على وعي بأنّ العدل والرّحمة وإن كانا قيمتين مطلقتين، فإنّ ترجمتهما إلى الواقع الاجتماعي العمليّ تخضع لملابسات التاريخ والجغرافيا. فما عُدّ عدلا ورحمة في سياق تاريخيّ ما قد لا يُعَدّ كذلك في محطّة تاريخيّة أخرى. ممّا يعني أنّ ” الشريعة الإسلاميّة ” أو أيّ منظومة قانونيّة أخرى لا يمكن أن تكون صالحة لكلّ زمان ومكان إلاّ إذا اكتسبت صفة الحيويّة وقابليّة التجدّد. ويدلّ ذلك على أنّ النصّ التأسيسي نفسه لا تمتلك دلالته الشرعيّة صفة الإطلاق والصلاحيّة لكلّ البشر على اختلاف الأحقاب والمواضع إلاّ إذا تخلّصت إستراتيجيا التأويل والفهم من الحرفيّة والارتهان إلى الألفاظ المتذرّرة والخطاب مقطع الأوصال والمقطوع عن سياقاته النصيّة الكبرى وكلياته المعنويّة ومقاصده العليا وعمقه الثقافي والاجتماعي الذي تنزّل فيه.

ويطرح هذا التّحليل على المنظومة الأصوليّة والتشريعيّة وعلى الفكر الإسلامي المعاصر عموما سؤالا جوهريّا إشكاليّا طرحه من قبل محمد إقبال:

هل الشّريعة الإسلاميّة قابلة للتطوّر ؟

ويتفرّع عن هذا السؤال أسئلة أخرى لا تقلّ عنه إشكاليّة وتعقيدا من قبيل:

* ما هي الثوابت وما هي المتغيرات في المنظومة التشريعيّة الإسلاميّة؟

* ما هي المعايير النظريّة الأصوليّة التي نميّز بها بين المجالين؟

* هل إذا تجدّد النّظر الأصوليّ و تطوّرت مفاهيمه وأدواته الإجرائيّة وتغيّرت معطيات الواقع المنظور تبدّلت بالضّرورة قائمة الثوابت المرتهنة إلى ما عُدّ نصوصا قطعيّة من حيث دلالتها وطرق ورودها؟

هذه الأسئلة ليست خاصّة كما قد يتوهّم بالمنظومة التّشريعيّة الإسلاميّة إنّما تطرح نفسها على الضّمير التّشريعيّ العالمي ولا سيما في الثّقافة الغربية في سياق تاريخي خاص يتّسم بفوضى القيم والمعاني ويشهد جدلا حادّا في فلسفة القانون بمناسبة طرح قضايا من قبيل القتل الرّحيم والحقّ في الإجهاض واستنساخ البشر وزواج المثليين وحقّهم في التبنّي والتّوارث وحقّ المعاشرة الجنسيّة خارج الزّواج والحقوق الثّقافيّة للأقليّات …

ولعلّ القضيّة المركزيّة التي تثيرها أوضاع التّشريع الإسلامي وأوضاع التّشريعات الغربيّة هي تلك المعادلة الصّعبة بين جمود التّشريعات وثباتها في ظلّ تجدّد الواقع وحاجاته من جهة، والنّزوع من جهة أخرى إلى ضرب من التّفلّت من أيّ ضابط والسّير في نسق من التّشريع المتجدّد بتجدّد الوقائع تقتصر فيه وظيفة القانون على إضفاء المشروعيّة على أوضاع اجتماعيّة وثقافيّة مهيكلة وضاغطة بقطع النّظر عن القيم التي تعبّر عنها.

وتلك قضيّة تتجاوز التّشريع إلى الفكر الفلسفي المعاصر الذي يثير منذ عقود مشكل افتقاد المعنى وعدميّة الحقيقة بعد موت الإلاه… فهل بين الجمود والعدميّة من مقاربة حيويّة للحقيقة ولاسيما التّشريعيّة تحافظ على إنسانيّته الإنسان وتستجيب لحاجاته؟

{{الهوامش:}}

1 ـ أشار إلى ذلك عبد الله الوزان شارح كتاب تيسير الوصول إلى علم قواعد الأصول للإمام عبد المؤمن البغدادي الحنبلي ت 739 هـ وذلك في معرض شرحه لقول المؤلف في تعريف الحكم (أنه قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقا أو استنباطا) فيقول الشارح (عرف الحكم في الاصطلاح بأنه قضاء الشارع وكأن المصنف يميل إلى ما مشى عليه الفقهاء من أن الحكم هو أثر الخطاب ومدلوله وليس الخطاب نفسه كما فعل جمهور الأصوليين وذلك ليسلم التأليف من كثير من الاعتراضات التي وجهت لتعريف الأصوليين وهو مسلك سديد فإن هذا التعريف ميز بين الحكم الشرعي وبين دليله وجعل الحكم ما ثبت بالخطاب والدليل” الخطاب نفسه” ). الشرح ص 30 م 1 دار ابن حزم بيروت ط 2001 وقد ردت جلّ كتب الأصول على هذا الاعتراض . انظر نهاية السول مصدر سابق م 1 ص ص 36-42.

2 – المعتمد ص 994 ج 2

3-المعتمد ص 983 ج 2

4- المعتمد ص 978 ج 2

5-6 المعتمد ص 985 ج 2

7- المعتمد ص 986 ج 2

8- أعلام الموقعين عن ربّ العالمين ج 3 ص 3 ط بيروت دار الجيل 1973 تعليق طه عبد الرؤوف.

{سامي براهم: باحث بالجامعة التّونسيّة }

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This