انتفاضتان و… ثلاث حروب: القضية الفلسطينية.. الظاهرة الأصولية، وأزمات الخليج
..حمل عام ( 1979) إلى الشرق الأوسط سلسلة من الأحداث الهامة ما تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم. فقد عاد الإمام الخميني إلى إيران، وعندما هبط على سلم الطائرة الفرنسية في طهران استقبله هتاف ملايين الإيرانيين بعد أكثر من عام على المظاهرات العارمة التي اجتاحت كل المدن الإيرانية وأدت إلى سقوط الشاه… ومن جهة أخرى احتل الجيش السوفييتي أفغانستان مما ولد- على الفور – مقاومة مسلحة قادها المجاهدون حتى النهاية. في العام نفسه تم التوقيع النهائي على اتفاق الصلح بين إسرائيل ومصر بموجب اتفاقيات (كامب ديفيد ) وأعلن الرئيس المصري محمد أنور السادات عهدا من الانفتاح الاقتصادي والسياسي. وكان الجنرال (ضياء الحق ) الذي استولى على السلطة في الباكستان بانقلاب عسكري قبل عامين وأعاد إسباغ الطابع الديني على الدولة، قد أصدر حكما بإعدام رئيس الوزراء المدني (ذو الفقار علي بوتو). هذا كله أضيف إلى الحدث الرئيسي القديم الجديد في الشرق الأوسط وهو الصراع العربي الإسرائيلي حيث كانت المقاومة الفلسطينية وحليفتها الحركة الوطنية اللبنانية تناضلان ضد إسرائيل انطلاقا من جنوب لبنان : المنطقة الأخيرة لآخر الحروب مع إسرائيل.
كانت إسرائيل قد اجتاحت جنوب لبنان في العام السابق ( آذار 1978) ردّا على عملية فدائية قادتها ( دلال المغربي) من منظمة فتح، فدخل ثلاثون ألف جندي إسرائيلي إلى لبنان تحت : (الصنوبرات الصغيرة) -وهو اسم العملية العسكرية- التي أبعدت المدفعية الفلسطينية مسافة إلى الشمال وأقامت دويلة ( سعد حداد) العازلة على الحدود.
– الصحوة الإسلامية :
عززت تلك الأحداث على تناقضها الظاهريّ شعارا واحدا هو الشعار الحماسيّ الجديد : ( الصحوة الإسلامية)، بالإضافة إلى أن تناقضها لم يكن كاملا: فقد قدمت الولايات المتحدة الأمريكية دعما للمجاهدين الأفغان دون مواربة، في ظل توازنات الحرب الباردة ؛ بينما وقفت مترددة أمام الثورة الإيرانية بعد سقوط الشاه الذي كان يجاهر بعدائه للدول العربية وتأييده لإسرائيل. وباقتحام السفارة الأمريكية واحتجاز موظفيها كرهائن في طهران ازدادت لهفة الرأي العام الأمريكي وترقبه للرد. أما في مصر فقد تم إطلاق التيار الديني بعد عقود من العمل السري والملاحقة فوجد التيار التقدمي نفسه بين مطرقة الأجهزة الأمنية وسندان الجماعات الأصولية.
وما سمي بـ( القوات المشتركة ) المؤلفة من منظمة التحرير الفلسطينية والأحزاب التقدمية اللبنانية، تبين أنها تقف – في جنوب لبنان- على أرض من الرمال المتحركة تخفي تحتها قوة كامنة :هي قوة ( الشيعة) التي سوف تنبثق بعد سنوات قليلة وتقلب معادلات الحرب الأهلية رأسا على عقب.
وعندما أعلن الإيرانيون العثور على حطام طائرتين عسكريتين أمريكيتين في الصحراء الإيرانية ومقتل الجنود الذين كانوا على متنهما، ضمن عملية كانت تهدف إلى تحرير الرهائن الأمريكيين في طهران، بدا أن إدارة الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر ) ليست مترددة فقط، بل عاجزة عن الرد بأكثر من عملية كوما ندوس فاشلة.. أو أن الرد سيكون في مكان آخر وبوسيلة أخرى!
-الحرب العراقية الإيرانية:
وبينما كانت الشعوب العربية ما تزال منتشية بالانتصار الإيراني الذي حوّل مبنى السفارة الإسرائيلية في طهران إلى مبنى للسفارة الفلسطينية، في إشارة رمزية إلى انقلاب الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، تلقّى الرأي العام العربي صدمة قوية حين قام الجيش العراقي باجتياح الأراضي الإيرانية في أيلول ( سبتمبر) عام /1980/ بعد مضيّ أشهر على حملات إذاعية متبادلة، ومضيّ أيام فقط على تبادل إطلاق النار بين حراس الحدود العراقيين والإيرانيين وسرعان ما سقطت مدينة (خرَ مْشهر ) الإيرانية الحصينة بيد العراقيين. وفيما عدا مقالة كتبها الصحفي: رياض نجيب الريّس، نشرها في مجلة المس أطول حروب القرن العشرين.
وفي العام التالي قام الطيران الإسرائيلي في أيار/1981/ بتدمير المفاعل الذري العراقي، وفضل العراق أن يلعق جرحه ويواصل انهماكه بالحرب الضارية مع إيران. ومنذ ذلك الوقت سوف يصبح الحديث عن القدرات النووية العراقية أتقبل –التي كانت تصدر في باريس حينذاك- تحت عنوان: (عر بستان،دعوة إلى التدخل)، لم يظهر في الأجواء ما يمهد للرأي العام هذا التطور الدراماتيكي لما سوف يعرف لاحقا بـ( حرب الخليج الأولى) غير أن الإذاعة العراقية أعلنت أن (خرّمشهر) هي مدينة (المحمرة) العربية (!) وانطلقت حرب لم يعرف أحد أنها ستكون منسطورة سوف تتلقفها الولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد، لكن في تلك الأثناء بدأ الإسرائيليون يعلنون عن ارتياحهم من استمرار الحرب العراقية الإيرانية ومن أن تعبير( أزمة الشرق الأوسط ) قد تغير محتواه فلم يعد يعني : احتلال إسرائيل للأراضي العربية، بل صار يشير إلى حرب الخليج والحرب الأهلية اللبنانية. في الوقت نفسه (أيار/1981)، صعّدت إسرائيل من غاراتها الدموية على جنوب لبنان ووقعت اشتباكات خطيرة مع القوات المشتركة ، وأدى الضغط الدولي -لأول مرة- إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين وكان بمثابة اعتراف متبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير، وشنت المنظمات الصغيرة هجوما لاذعا على رئيس المنظمة ياسر عرفات، لكنها سوف تقاتل إلى جانبه في الحرب القادمة. وكسبت المنظمة احترام المجتمع الدولي، ولاحت في الأفق الأوروبي إشارات اعتراف بمنظمة التحرير على طريق التسوية السلمية فوضعت إسرائيل – التي خشيت من قوة منظمة التحرير الدبلوماسية- خطة لتدمير القدرات العسكرية للمنظمة على أن يتم تنفيذ الخطة في الصيف التالي.. ونظرا لتوفر المهلة الزمنية الكافية، استطاع رئيس الوزراء الإسرائيلي (مناحيم بيغن ) أن يختار اليوم المحدد وهو: الخامس من حزيران عام /1982/ .. من اجل تكريس ذكرى هزيمة/ 5/ حزيران عام /1967/ في الوجدان العربي. وعندما تعرض السفير الإسرائيلي في لندن (شلومو ارغوف) إلى محاولة اغتيال في بداية حزيران /1982/ قبل أيام فقط من الموعد الذي كان (بيغن) قد حدده مسبقا، أعلنت إسرائيل أن منظمة التحرير تتحمل مسؤولية العملية الإرهابية. وبدأت تلوح في الأفق رؤوس (الصنوبرات الكبيرة)، رغم قيام منظمة التحرير الفلسطينية بإدانة محاولة الاغتيال.
في هذا الوقت، كانت الحرب العراقية الإيرانية في ذروة اشتعالها وكانت القوات الإيرانية بدأت في صد العراقيين (الذين قالوا إنهم انسحبوا من مدينة خرمشهر الإيرانية)(!) وأخذت تضغط باتجاه الأراضي العراقية، ومن جانب آخر كانت القطيعة كاملة بين سوريا والعراق ولم يكن التأييد السوري لإيران ضد عدوان النظام العراقي إلا أحد أسبابها، أما العلاقات الأردنية السورية فقد وصلت إلى أسوأ مراحلها، وفي مصر لم يكن قد مضى سوى شهور قليلة على وصول حسني مبارك إلى سدة الرئاسة بعد اغتيال الرئيس أنور السادات في حادثة المنصة الشهيرة على يد(إسلاميين) ولم يكن مضى شهران على انسحاب إسرائيل من سيناء بحسب ما تنص عليه اتفاقيات (كامب ديفيد). وكانت الدول العربية ماتزال مقاطعة للنظام المصري، ويضاف إلى هذه العوامل العربية، عاملان دوليان محبطان بالدرجة نفسها هما:
– وصول (رونالد ريغان) إلى الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية واتباع سياسة يمينية هجومية ضد خصوم أمريكا.
– انزعاج سوفييتي من النجاحات التي كانت منظمة التحرير قد حققتها مع أوروبا الغربية دون الرجوع إلى الاتحاد السوفييتي الذي كان حليفا للمنظمة يوم كان الغرب يرفض الاعتراف بالفلسطينيين، والآن، قرر السوفييت –كعقوبة- أن يتركوا منظمة التحرير لمصيرها أمام الغزو الإسرائيلي المرتقب.
هذه المواقف العائدة إلى كل الأطراف عرفها الجميع وراحوا يجرون حساباتهم على أساسها بحسب موقع كل طرف داخل شبكة السياسات الإقليمية والدولية قبيل اللحظة الحاسمة التي لم تكن إسرائيل تحلم بمناخ أكثر ملائمة لها.
– غزو لبنان عام 1982:
وحين عرض (أرييل شارون) – وزير الدفاع آنذاك- خطته الحربية أمام مجلس الوزراء الإسرائيلي، أصيب الوزراء بالرعب من حجم الهجوم الذي لابد أن يقود إلى الاشتباك مع القوات السورية المتواجدة في لبنان، الأمر الذي جعل (شارون) يؤكد أن الغزو الذي يقترحه لن يستغرق سوى ثلاثة أيام قبل أن تنهار منظمة التحرير(!) وما كان يضمره (شارون) هو أنه ما إن يصل الجيش الإسرائيلي إلى بيروت حتى تجد منظمة التحرير انعدام جدوى المقاومة.. وتستسلم، غير أن جهاز الاستخبارات (الموساد) قال:”..هذه الحرب ستدوم ثلاثة أشهر لا ثلاثة أيام وسوف تكلف إسرائيل ثمناً معنويا وماديا وإذا ما حاول الجيش الإسرائيلي اقتحام بيروت على مقاتلي القوات المشتركة فسوف تقع مجزرة رهيبة للطرفين …”
وتلك كانت نبوءة ..
ولأسباب فنية بيروقراطية ، تأخر إعطاء الأوامر للجيش الإسرائيلي مدة يوم واحد، وبدلاً من /5/ حزيران، قام تسعون ألف جندي إسرائيلي بالتقدم داخل الأراضي اللبنانية في 6حزيران 1982، بينما كان سلاح الجو الإسرائيلي يقصف مواقع القوات المشتركة في بيروت. واحتاجت قوات (شارون) الرقم السحري : 3 أيام.. من أجل الوصول إلى العاصمة بيروت، لكن بينما كان الإسرائيليون يحكمون الحصار من حول العاصمة، كان الفدائيون يقبضون على الطيار الإسرائيلي الذي أسقط الفلسطينيون طائرته الـ (f-16 ) ويعودون به الى بيروت أسيرا، وكان قائد القوات المشتركة في مدينة (صور): عزمي الصغير، يحاول الوصول إلى بيروت وبحوزته سبعة عشر أسيرا إسرائيليا، وعلى عكس ما توقعه (شارون) لم تكن الحرب قد بدأت..
في النهاية بعد ثلاثة أشهر وبإشراف دولي ،خرجت منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان إلى الشتات العربي، ولم يزد وقوع مذبحة (صبرا وشاتيلا) بإشراف الإسرائيليين سوى الإحساس بالشلل العربي إلى حد الصدمة.. وبدا كأن القضية الفلسطينية قد دخلت في نفق العتمة من جديد.
-2-
-الانتفاضة الأولى:
احتل النزيف المستمر للحرب العراقية الإيرانية مركز الأحداث وتم تسليط الضوء على جانب من المسرح الشرق أوسطي تم اختياره بعناية: الخطاب الإسلامي الشامل ضد الغرب وظهور الحركات المتشددة التي أطلق الإعلام الغربي عليها اسم الحركات (الأصولية/ fundamental). انسحب الجيش الإسرائيلي على مراحل : من بيروت..ثم من الجبل، وفي الأثناء(1983) وقع الهجوم الانتحاري الكبير على مقر مشاة البحرية الأمريكية ( المارينز) في بيروت وأدى إلى مقتل مائتين وخمسين جنديا أمريكيا وشاعت المخاوف من حرب جديدة في لبنان عندما جاءت حاملة الطائرات الأمريكية (نيوجرسي) إلى قبالة ميناء (بيروت) لكن (نيوجرسي) اكتفت بتوجيه ضربات محددة لمواقع عسكرية سورية وفلسطينية ثم-لدهشة اللبنانيين- انسحب الأمريكيون من لبنان ولم تتبنى أية جهة مسؤوليتها عن الهجوم الذي جعل الولايات المتحدة تدفع ثمنا فادحا يفوق ما تدفعه في تدخلات مماثلة لكن الاتهامات الموجهة لـ(حزب الله) الناشئ كانت بمثابة ولادة مدوية للحزب ولا تزال إشارة الاستفهام حول من نفذ الهجوم معلقة؟. وانسحب الإسرائيليون من صيدا..ثم من مدينة (صور) والجنوب اللبناني إلى حدود (دولة) انطوان لحد، وكان من نتيجة الاشتباكات الدامية بين حركة أمل والمسلحين الفلسطينيين والتي عرفت بـ (حرب المخيمات)؛ عودة آلاف الفدائيين إلى لبنان وهو ما أطاح بنتائج الغزو الإسرائيلي، أو ما تعارف اللبنانيون اليائسون على تسميته : (عودة أوضاع ماقبل عام1982 ). في العام / 1987/ عقد مؤتمر قمة عربية في (عمان) وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي قراراتها بقوله : ” إنها المرة الأولى التي يبدي فيها العرب هذا المقدار من العقلانية..”! بينما اعتبرها الفلسطينيون قمة تخلت عنهم، و في الأيام الأخيرة لعام /1987/ انطلقت ثورة فلسطينية مدنية جارفة داخل الضفة الغربية وقطاع غزة أعادت الشرق الأوسط إلى مركز الحدث : احتلال إسرائيل للأراضي العربية ورفض الشعب الفلسطيني أن يضيع نضاله بدون نتيجة، وأصبحت كلمة (انتفاضة) (INTIFADA) تعني الثورة الفلسطينية في كل لغات العالم واستقطبت الاهتمام العالمي الشعبي والرسمي وظهرت لأول مرة مواقف أوروبية قوية ضد إسرائيل، وغدا واضحا لكل المراقبين أن الشعب الفلسطيني سوف يحصل من خلال انتفاضته على أهدافه الوطنية التي ناضلت منظمة التحرير طوال عشرين عاما من أجل تحقيقها، وتردد بعد ستة أشهر على اندلاع الانتفاضة اسم (حماس) كحركة مقاومة في غزة.
وفي (آب/1988) خرج الإمام (الخميني) من فراش المرض لكي يعلن نهاية الحرب العراقية الإيرانية بينما كانت الانتفاضة تحتل نشرات الأنباء، أما غزو/1982/الذي اقتلع منظمة التحرير من لبنان، وفيما عدا أكثر من عشرين ألف ضحية من المدنيين.. فقد ذهبت نتائجه العسكرية والسياسية أدراج الرياح وظلت منظمة التحرير تسيطر على المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان كما أن بقايا الحركة الوطنية اللبنانية استطاعت أن تنظم مقاومة مسلحة للإسرائيليين تحت اسم ( المقاومة الوطنية) في الفترة الفاصلة بين خروج الفلسطينيين وقيام الانتفاضة(1982 – 1987) قبل أن تغرق في التهميش والنسيان حين سيطرت المقاومة الإسلامية على ساحة الجنوب اللبناني.
في تلك الأثناء كان الـ (طالبان) مجرد طلاب أفغان في المدارس الدينية في باكستان، ولم يكن(بن لادن) قد ظهر في أفغانستان بعد كما لم يكن قد تم تقليب صفحات القاموس من جديد لاختيار كلمة : (القاعدة/ FUNDAMENT: ) (!)كاسم لتنظيم بن لادن أما الظواهري فكان معتقلا إسلاميا في مصر بعد اغتيال الرئيس (السادات)، وقد سجلت كاميرا التلفزيون في حينها الظواهري وهو يخطب بالإنكليزية من خلف القضبان خطبة نارية دفاعا عن الإسلام في قاعة المحكمة،وهي صورة سوف تعرض بعد أكثر من عشرين عاما على المحطات الفضائية باعتبارها عمقا تاريخيا لنضال القاعدة..
-3-
– حرب الخليج الثانية / النظام العالمي الجديد:
مات(ضياء الحق) مع نخبة من ضباط جيشه في تحطم مروحية عسكرية في باكستان؛ وعندما توفي ( الخميني) في حزيران/1989/ كان العراق قد خرج من الحرب منهكا و منتصرا، وانسحب الجيش السوفييتي من أفغانستان.. وبدل أن تستولي فصائل المجاهدين الأفغان على السلطة في كابول، تعرضت للهزيمة واحدة إثر الأخرى أمام منظمة جديدة قادمة من باكستان هي ( الطالبان) وظهرت (القاعدة) و( بن لادن) ودمرت العاصمة كما لم تدمر أثناء الحرب مع السوفييت وسقط جدار برلين، وحين كان مواطنو أوروبا الشرقية يتظاهرون ضد الدكتاتورات الاشتراكية كان شبان أوروبا الغربية يتظاهرون ضد إسرائيل على خلفية صور الانتفاضة الفلسطينية، في هذا العام ذاته أخذ الإعلام الغربي يركز على قوة العراق العسكرية من خلال أنباء متواترة مثل: بلوغ تعداد الجيش العراقي: مليون جندي وعثور البريطانيين على أجزاء متفرقة لمدفع يبلغ طوله (30) مترا كان يجري تهريبه من بريطانيا إلى العراق سراً وامتلاك العراق خمسة آلاف وخمسمائة دبابة بالإضافة إلى وجود أسلحة كيماوية وقد احتضن الرأي العام الأنباء التي حولت العراق إلى القوة الخامسة..في العالم ، إلخ..ثم فرخت الشائعة:
في صبيحة 2/آب/1990 وبعد خلافات بين البلدين؛ أفاق العالم على اجتياح العراق للكويت, وتعاطف (…) الشارع العربي ومن ضمنه الشارع الفلسطيني مع العراق مما جعل ( عرفات) يتملق الرأي العام الفلسطيني بإعلان تأييده لـ( صدام حسين)! وقادت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفاً دوليا لإخراج الجيش العراقي من الكويت مع وعد بتسوية القضية الفلسطينية إذا وقف العرب معها ومعاقبة كل من يقف مع العراق.. وللمرة الأولى يتماهى المثقفون العرب مع الشارع في تأييدهم للنظام العراقي وأصدرت مجلة عربية مرموقة ومحكمة هي مجلة (الوحدة ) التي كانت تصدر في المغرب؛ عددا خاصا بأقلام كتاب من كل الوطن العربي يعلنون فيها تأييدهم للعراق وضرورة الوقوف ضد الهجوم الغربي المعلن عنه وباستثناء مقالتين تضمنتا شكا بنوايا النظام العراقي وعدالة قضيته فإن عشرات المقالات الأخرى التي احتواها العدد لم تتطرق إلى مشاعر المواطنين الكويتيين أو العراقيين في تلك المحنة، بالإضافة لصفحات كانت بمثابة إعلانات عن التضامن والدعوة إلى رص الصف العربي مع العراق(!) ووقعت حرب أنموذجية في النظام الدولي الجديد ألحقت دمارا هائلا بالعراق وانتهت بفرض حصار عليه وانشغل العالم- بحرب الخليج الجديدة وصور الديكتاتورية العراقية السوداء – عن الانتفاضة الفلسطينية وظن العراقيون أن النظام العراقي آيل للسقوط لكن توقف قوات التحالف عن ملاحقة الجيش العراقي أتاح لقوات صدام حسين سحق انتفاضة شعبية في الجنوب وأخرى كردية في الشمال؛ وأتاحت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون للنظام العراقي أن يحكم شعبه من قلب الحصار القاسي.. لكن القرار الدولي كان قد اتخذ بضرورة تسوية القضية الفلسطينية ورغم أن إسرائيل حاولت أن تبعد عنها هذه الكأس بتذكير العالم بتأييد رئيس منظمة التحرير الفلسطينية لغزو الكويت إلا أن الغرب تجاهل الرغبة الإسرائيلية ولم يضع عرفات على قائمة المعاقبين غير أن الكويت قامت بطرد نصف مليون فلسطيني نتيجة موقفهم المرحب بالاحتلال العراقي..
وعقد مؤتمر (مدريد) حول سلام الشرق الأوسط واضطرت إسرائيل للاعتراف بمنظمة التحرير وقامت السلطة الفلسطينية بعد اتفاق(أوسلو) فعادت منظمة التحرير إلى الضفة وغزة بعد ثلاثين سنة من القتال في المنافي وحققت الانتفاضة أهدافها . في الجزائر على الجناح الغربي للوطن العربي وعلى إثر إلغاء انتخابات كانت جبهة الإنقاذ الإسلامية قد فازت بها؛ انتشرت أعمال عنف ظن المتابعون أنها نتيجة طبيعية لتعسف النظام الجزائري بإلغاء اختيار الشعب الجزائري، لكن العنف أخذ شكلا سرياليا من خلال أنباء ذبح الناس في الريف بوتيرة لم يسبق للمواطنين العرب أن شهدوها، وبلغ عدد الضحايا عشرات الآلاف ونسي الجميع انتفاضة تشرين عام/1988/ التي سقط فيها عشرات القتلى حين خرج الجزائريون في تظاهرات عارمة مدنية وشعبية وليست إسلامية، وكان الصبية يلقون الحجارة على أفراد الشرطة الجزائرية في محاكاة للانتفاضة الفلسطينية (!).
بدأ يتبلور داخل المناطق الفلسطينية خطاب (حماسي) عن المقاومة في مواجهة السلطة و(إسرائيل) بينما كانت (المنظمة/ السلطة) منخرطة في المفاوضات الصعبة مع الإسرائيليين ومنذ عام 1995 بدأت المنظمات الدينية القيام بعمليات استشهادية في وسط المدن (الإسرائيلية) واكتسبت تأييدا شعبيا بسبب تراخي إسرائيل في تنفيذ اتفاقاتها مع السلطة ، وبدا كأن (حماس) تمثل النضال الفلسطيني مع إسرائيل وعلى المستوى الإقليمي تبلورت مواجهة بين إسرائيل و(حزب الله) الذي أصبح يمثل النضال العربي ضد الكيان الصهيوني وعلى المستوى (الدولي) قادت (القاعدة) ما يبدو أنه نضال (العالم الإسلامي )ضد الهيمنة الغربية.
وفي أفغانستان استولت الطالبان على السلطة وأقامت دولة دينية أعلنت الحرب على الغرب ثم شنت هجوما مسلحا على تماثيل بوذا التاريخية في الأراضي الأفغانية(!).
* * *
-الانتفاضة الثانية وحرب الخليج الثالثة:
وصلت المواجهة (الإقليمية) إلى انسحاب إسرائيلي من الجنوب اللبناني أمام (حزب الله) في/25/أيار عام (2000) وفي28أيلول من العام نفسه اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) وعادت القضية الفلسطينية لتحتل محور الاهتمام العالمي والتعاطف الدولي، وفي بداية لقاء بين الرئيس الفرنسي (جاك شيراك ) مع رئيس الوزراء الإسرائيلي (إيهود باراك) قال الرئيس الفرنسي: ” إنكم تقصفون المتظاهرين الفلسطينيين بالعتاد العسكري.. نحن نشاهد ذلك في التلفزيون” (!) فما كان من باراك سوى أن قال:” ليس على رئيس دولة أن يحكم على الأمور بما يشاهده في التلفزيون” لكن بلوغ نشاط ( القاعدة) أوجه بالهجوم على (نيويورك وواشنطن) في الحادي عشر من أيلول 2001 ووصول(شارون) إلى رئاسة وزراء إسرائيل ألقت سحابة كثيفة فوق الانتفاضة لاسيما حين نقلت التلفزة الإسرائيلية والغربية صور الفلسطينيين وهم يوزعون الحلوى تعبيرا عن البهجة بسقوط برجي (نيويورك ) ومقتل آلاف الضحايا المدنيين وبعضهم كان يسقط من نوافذ البرجين أمام عدسات الكاميرا.. وأصدر ( عرفات) أمرا متأخرا يقضي بمنع المصورين الأجانب من دخول مخيمات اللاجئين وتصوير المحتفلين بتدمير البرجين.. حيث الناس يحكمون على الأمور بما يشاهدونه في التلفزيونات..
شنت الولايات المتحدة وحلفاؤها حربا على أفغانستان انتقاما لتدمير برجي نيويورك مما أدى إلى اختفاء الطالبان وهروب القاعدة وبقاء الشعب الأفغاني حائرا بما يدور حوله بعد تعرضه لقمع الطالبان والقاعدة ولم يبد مقاومة تذكر للاحتلال الأجنبي على غير ما كان يحدث في تاريخه الطويل حين لم تستطع قوة أجنبية السيطرة عليه..
وفي فلسطين أدت العمليات الاستشهادية-لحماس والجهاد الإسلامي- إلى اجتياح إسرائيلي للضفة الغربية مع انعقاد القمة العربية في بيروت2002 ومهاجمة قوات الاحتلال لمركز المقاطعة في (رام الله) حيث مقر (عرفات) الذي كان محاصرا من قبل وانتهت حملة (شارون) بمذبحة في (جنين). وجرفت إسرائيل في حربها على (حماس ) مؤسسات السلطة الفلسطينية ومقرات(فتح) وحازت حماس شعبية كبيرة (أدت إلى فوزها في الانتخابات لاحقا ) داخل وخارج فلسطين وصار على الرأي العام الأوروبي الذي تعاطف مع انتفاضة الأقصى أن يقوم –هو بنفسه- بالعثور على الفوارق بين نضال حركة(حماس) التي اعتمدت العمليات الاستشهادية أسلوبا شبه وحيد ضد الاحتلال وهجمات الحركات الإرهابية خارج فلسطين لاسيما تدمير برجي (نيويورك) وهي فوارق أخذت تتضاءل في عيون الغربيين بتأثير الدعاية الأمريكية/ الصهيونية. ومن قلب الحصار المتطاول واظب النظام العراقي على قمع الشعب العراقي والهتاف للقضية الفلسطينية (…) وتم تشكيل ما يسمى بجيش القدس وتعداده سبعة ملايين متطوع (…) وكان يقوم بتقديم عروضه في بغداد أثناء المناسبات الوطنية(!) وتلقفت وسائل الإعلام ما يمكن اعتباره دعما عراقيا لـ( المقاومة الفلسطينية) ووقع الرأي العام الفلسطيني من جديد في حفرة الوهم وكان المتظاهرون الفلسطينيون الذين يصدون الآليات الإسرائيلية بأجسادهم، يخرجون أحيانا رافعين صور الرئيس العراقي متعاطفين مع إعلانه دفع تعويضات مالية سخية لعائلات الاستشهاديين الفلسطينيين.. وهو ما اعتبره الناس العاديون أبلغ دليل على نصرة القضية الفلسطينية من قبل العراق (…) مما أظهر المقاومة الفلسطينية كمقاومة مأجورة..! ومثلما اضطر (عرفات) إلى تأييد(صدام حسين) بـ(غزو الكويت) انزلقت( كتائب شهداء الأقصى) المؤلفة من فدائيي (فتح) إلى اعتماد العمليات الاستشهادية مجاراة للرأي العام الفلسطيني على الرغم من أن إيديولوجية (فتح) مختلفة عن إيديولوجيا (حماس والجهاد الإسلامي) كما لم يقم أحد بنفي تلقي الأموال العراقية.. وجاءت حرب الخليج الثالثة التي أدت إلى سقوط بغداد في 9/نيسان /2003 لتحجب الانتفاضة الثانية، وأظهر المواطنون العراقيون كراهية للاجئين الفلسطينيين في العراق واعتبروهم مستفيدين من النظام السابق.. وتمت ملاحقتهم وطردهم من بيوتهم..
لكن الشعب الفلسطيني واصل نزيفه المتحدي دون الحاجة لدعم النظام العراقي الذي تبخر في أيام بينما استمرت المقاومة الفلسطينية، مات (عرفات ) قبل أن يخرج من الحصار وتحققت نبوءة شارون الشخصية وهو الذي قال: “سوف أمزق اتفاق أوسلو حتى لو كان آخر عمل أقوم به في حياتي..” وأعلن نيته الانسحاب من (غزة ) من جانب واحد في عام /2005/ .. بعدها أصيب بجلطة دماغية ووفاة سريرية . وأصبحت حماس هي السلطة الفعلية في غزة..
…في 12 من تموز2006، ردا عل عملية لـ(حزب الله) عبر الخط الأزرق بين لبنان وفلسطين المحتلة؛ بدأ الطيران الإسرائيلي هجوما وحشيا وحاصر بنيرانه كل لبنان وحرم الأطفال والنساء والشيوخ من أية حصانة حتى وهم يهربون من القصف، في ظل غطاء أمريكي/ غربي لم يسبق منحه لقوة القتل العارية أبدا واستعادت إسرائيل صورتها الحقيقية كآلة حديدية مهمتها إغراق الدول العربية بالدماء… مدعومة بصورة نمطية سلبية تم تدبيجها عبر سنوات تظهر العرب كإرهابيين ..
