مقابر الأرقام … وضياع العظام والأسماء
المناضلة الفلسطينية دلال المغربي
كشفت آخر التقارير الصحفية التي تلت عملية إرجاع جثامين شهداء المقاومة الفلسطينية وعملية تبادل الأسرى بين حزب الله والدولة العبرية عن وجه آخر للقضية يتجاوز رهانات السياسيّ وسياقات الصفقة وتداعياتها قطريا وإقليميا. فقد تحدّث عبّاس زكي ممثّل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عن “اختفاء رفات الشهيدة الفلسطينيّة دلال المغربي. وأوضح “أنّ إسرائيل عمدت إلى خلط رفات جثامين أفراد مجموعاتها (مجموعة دلال) الفدائية مع بعضها دون أن يكون رفات دلال ضمنها”.
أمّا حقيقة الوجه الآخر للقضية فيتجاوز كذلك ما ألفناه من حديث عن سوء معاملة إسرائيلية للأحياء والأموات زمن الحرب وعدم التزام بمقتضيات الأعراف والعهود والاتفاقيات الأمميّة وكثيرة هي الشواهد على ذلك ونذكر منها:
– تَعمُّد الإبقاء على الرفات “منفيّة” محرومة من طقوس الدفن العائلي والوطنيّ وتقاليد الزيارة وغيرها. فعلى الشهيد أن يظلّ بعيدًا عن العين كما كان لاجئًا في حياته أو منفيًا. لا سبيل لاختيار القبر وإمكان عودة “رمزية” إلى الوطن لينعم بزغاريد النسوة وبارود الرجال ومجالس العزاء / مواكب الأفراح حيث تختلط المشاعر في “أعراس الشهداء” على نحو يحتاج إلى فهم الأسباب والأبعاد في مجتمع يجري الدم خارج شرايينه أكثر من داخلها.
– تَعمُّد “خلط العظام” بعد أن تمّ التنكيل بالجسد بفصل اللّحم عن العظم وتقطيع الأوصال. لا حقّ للهيكل العظمي أن يحتفظ بتمامه ويهنأ في قبره الموحش المظلم باتّصال العظم بالعظم فقد تُبعَثُ الروحُ فيه مرّة أخرى فإذا به خطر يهدّد الأمن العامّ. ونعلم جيدًا أنّ أهل الشهيد متى علموا بأمر اختلاط العظام، فهموا كما ذهب إلى ذلك عبّاس زكي “أنّ إسرائيل تتلاعب بمشاعر عائلات الشهداء”. لكن إذا شئنا دفع الأمور إلى مستوى أكثر إيغالاً في نفي كلّ حسن نيّة عن “سفـّاكي العظام”. قلنا ما المانع أنّ خلط العظام ممارسة لا تقتصر على الشهيدة دلال دون سواها، وأنّ الرفات العائدة – كلّ الرفات – هي فسيفساء من العظام، خلطة من هياكل الشهداء و ربّما من غيرهم؟ ما الضامن أنّ الأمر في “مقبرة الأرقام” كان أقل فظاعة من هذا، بحيث لاشيء كان يحول دون خلط الرقم بالرقم والتلعّب لا بالمشاعر وإنّما بالأرقام / الجثامين والأسماء؟…
بعيدا عن الموت وحقيقته وما يصحبه من طقوس وبعيدًا عن توظيفه فإنّنا نسجّل ظاهرة لافتة للانتباه: كلّما استبدّ الغيظ ووطّنت مشاعر الحقد والكراهية في نفوس الأحياء كان التنكيل بأرواح / عظام الأموات.
فهؤلاء الخالطون للعظام في مقابر الأرقام كانوا بالأمس واقفين (ومازالوا) أمام حائط مبكاهم يحدّثون عن المحارق التي اختلط فيها اللّحم بالعظم، وطار فيها رماد بني جلدتهم فحبسوه في قمقم الهولوكوست.
ومنذ أيام اتخذوا قرارًا بتحويل مقابر مسلمين ومسيحيين إلى “حظائر للأبقار”. ويحتاج اختيار الحظيرة والأبقار إلى فحْص للدلالة الرمزيّة لهذا القرار.
فهؤلاء الخالطون للعظام في مقابر الأرقام كانوا بالأمس واقفين (ومازالوا) أمام حائط مبكاهم يحدّثون عن المحارق التي اختلط فيها اللّحم بالعظم، وطار فيها رماد بني جلدتهم فحبسوه في قمقم الهولوكوست.
ومنذ أيام اتخذوا قرارًا بتحويل مقابر مسلمين ومسيحيين إلى “حظائر للأبقار”. ويحتاج اختيار الحظيرة والأبقار إلى فحْص للدلالة الرمزيّة لهذا القرار.
وبالامس يُحاكَم عتاةُ الصّرب بتهمة المقابر الجماعية حيث تكدّس الجرّافاتُ الاجساد المختلطة فـَتَضيع الهويّة والأسماء والعظام وتضوع منها روائح الموت مع سابقية الإصرار والتعمّد.
وفي العراق رؤوس مقطوعة وجثث مجهولة الهوّية ومقابر فردية وزوجيّة وعشائريّة تفوق عدد البيوت الآهلة بالسكّان هُناك يَردِمُ الأخُ أخَاه ولاشيء يدلّك على هويّة من في القبر المفتوح على المجهول الفعليّ و الرمزيّ.
وربّما تـَذكّرنا في هذا المقام كذلك الحملات المنهجية المنظّمة التي تستهدف في المهجر مقابر العرب والمسلمين تدميرًا أو استبدالاً للهلال بالصليب وبرموز حركات التطرّف اليميني بدءًا بالنازية القديمة والجديدة. وممّا لا ريب فيه أنّ التاريخ يُسعفُنا بأكثر من شاهد آخر على جرائم العظام.
ثمّ ما معنى أن يقترن ضياع الاسم بإضاعة العظم؟ ليس الاسم مجرّد ملصقة ذات سمة تمييزيّة نحتاج إلى وضعها مع كلّ مولود جديد حتّى نُحسنَ ضمّه إلى أرشيف الحالة المدنية ونمكّنه من وثائقه الثّبوتيّة.
ليس الاسم في حال “ضحايا المقابر” إلاّ دالاّ على تفاصيل التاريخ ومنعطفات الجغرافيا وعنوان هويّة مجروحة يُراد لها أن تُسحَقَ وتُدفن بدل العظام. ومع هذا فإنّ محاكم جرائم الحرب لا تُقامُ أعمدتُها إلاّ في أماكن قصِيّةُ “باردة” “مُكَـيّفة” “مدفوعة الأجر”. كما أنّ صحائف التاريخ ينضب مدادها ويسيل طوفانًا هناك بما يشهّر بغياب معايير حقوق الإنسان والكرامة و “الديمقراطية” في “المقابر”.
ليس الاسم في حال “ضحايا المقابر” إلاّ دالاّ على تفاصيل التاريخ ومنعطفات الجغرافيا وعنوان هويّة مجروحة يُراد لها أن تُسحَقَ وتُدفن بدل العظام. ومع هذا فإنّ محاكم جرائم الحرب لا تُقامُ أعمدتُها إلاّ في أماكن قصِيّةُ “باردة” “مُكَـيّفة” “مدفوعة الأجر”. كما أنّ صحائف التاريخ ينضب مدادها ويسيل طوفانًا هناك بما يشهّر بغياب معايير حقوق الإنسان والكرامة و “الديمقراطية” في “المقابر”.
ليس ثمّة أيّ فرق بين “اختلاط العظام” أو استبدال الأسماء بالأرقام أو دقّ العظام الحيّة بالحجر أمام عدسات الفضائيات أو تقييدها حيّة ورميها بالرصاص المطاطي. ومهما اختلطت التفاصيل فرائحة الوحشية التي تزكم الأنوف واحدةٌ.
والحقّ إنّ اختلاط العظام لا يختلف عن اختلاط الدماء في المجازر الكثيرة التي ارتكبها الإنسان على مرّ العصور، فقد كان لهذا في كثير من الحالات بعد رمزي وكان دالاّ على وحدة القضية والمصير. وفي التاريخ الطويل لحركات التحرّر أدلّة على البعد الوطني والقومي والأممي لاختلاط الدماء والعظام دفاعًا عن القضيّة الواحدة.
ومع هذا كلّه فإنّ اختلاط عظام الرفاق لن يدنّس حلمهم ولن يشوّش استشهادهم فلن تضيق توابيتهم المحمولة على الأكتاف يطوف بها الأهل في قرى فلسطين ولبنان وسوريا واليمن وتونس وغيرها من مُدن وطننا المفتوح على جميع احتمالات الموت والدفن… فأن تتغيّر الأسماء والأرقام والعظام فليس ممّا يضير رفاق السلاح في شيء، فكلّهم شربوا كأسًا كانت مزاجًا من الحبّ وأمل الحريّة ونكران الذات. وتكشف الاحتفالات التي صاحبت عودة “الرفات” بعد سنوات من “النفي المقبريّ” أنّ سياسة الأرقام والخلط والتخليط التي تريد إمعان السلب والنفي قد جعلت لهؤلاء الشهداء حيوات أخرى.
وأفادني الصديق المؤرّخ عبد الواحد المكني بأنّ تاريخ “الأولياء الصالحين” حافل بهذه المقابر التي تحمل الاسم نفسه في أكثر من مكان، ولا يهمّ إن كانت العظام موجودة أو غائبة (سيدي عبد القادر الجيلاني مثلا)، وربّما زادهم هذا هالة التقديس… وفي بلادنا التونسية وليّ صالح يُطلق عليه “سيدي بوقبرين” (أي السيّد صاحب القبرين). وتروي العامّة أن دفنه جرى – درءًا للاختصام الرمزي بين العشائر والأهالي- بين مكانين يحتوي الأوّل العظام والثاني الرّوح. وممّا تتناقله ألسنة العوامّ أنّ جثمانه تمّت مواراته التراب مناصفة بين قبرين، ومع ذلك فلهذا الولي مَا لَهُ من إجلال وإكبار.
أصل الحكاية أنّ العظام المختلطة أو المندرسة تحت حظائر الأبقار أو غيرها لها قبورها الحيّة في الذاكرة والوجدان تعيد إلى الأرقام أسماءها وإلى الأسماء دلالتها وإلى القضيّة هويتها لتجعلها رقمًا صعبًا…
أصل الحكاية أنّ العظام المختلطة أو المندرسة تحت حظائر الأبقار أو غيرها لها قبورها الحيّة في الذاكرة والوجدان تعيد إلى الأرقام أسماءها وإلى الأسماء دلالتها وإلى القضيّة هويتها لتجعلها رقمًا صعبًا…
على شفا “وادي الصراخ” في الجولان السّوري المحتلّ وفي الجهة المقابلة صفوف تمسك بأبواق تنادي الحبيب الحاضر / الغائب، لا شيء يضمن وصول صوتهم المخنوق / المبحوح إلى الضفّة الأخرى، “تختلط الأصوات” وترحل ذبابات في المنتهى ليحملَ رجعُ صداها رسائلَ الحياة والأمل… ولولا هذا لما عادوا إلى صراخهم مرّة ثمّ مرّات…
