غربةٌ في بيكين

بدأ الميديولوجيّ الفرنسيّ رجيس دوبريه كتابه ” حياة الصورة وموتها ” بقصّة غريبة عن أحد أباطرة الصين يطلب من رسّام بلاطه أنْ يزيل صورة الشلاّل الذي رسمه على جدار قصره، لا لأنّ منظر الشلاّل مخيف ولكنّ لأنّ صوت الماء يمنعه من النوم !

ما تنطق عنه هذه القصّة هو قوّة الصورة تخلق حولها حياةً ويتمّ إدراكها بجميع الحواسّ: بالسمع والشمّ وباللّمس أيضا. وعلى هذا القدر من الإتقان الذي تكشف عنه لوحة الشلاّل وعلى هذا القدر من الصنعة والحذاقة، فإنّ وجه الصين لم يكن، يوم افتتاح الألعاب الأولمبيّة ويوم اختتامها، يعلوه الانشراح والحبور فحسب، بل كان وجها يعلوه الفخار والشرف والنبل والعظمة والروعة أيضا. نعم لم يكن أولمبياد هذا العام، من جهة، إلاّ مأدبة صينيّة صفّفت عليها شتّى صنوف الفرجة والخيال والروعة والإبهار والتألّق. ولكنّها، أيضا، مثّلت، بالنسبة إليّ على الأقلّ، واجهة استثنائيّة رأيت فيها على الهواء صورة مستعادة من ” طبقات الأمم ” تُبْنى منازلها وتحصّلُ فضائلُها يوما فيوما بما تختطفه من سَبق الذهب في هذه الرياضة أو تلك. وقادتني العين الشغوفُ بإقامة الموازنات والمفاضلات إلى التساؤل عن علّة ذهول البلدانيّين ومؤلّفي ” فضائل الأمم ” في تراثنا العربيّ بل وفي جغرافيا بطليموس والإرث الأرسطوطاليسي عن الصين  التي أنزلوها محلاّ في أدنى طبقات الخلائق والأمم وجعلوا قصارى أمر أهلها في كونهم ” أصحاب أثاث وصنعة لا فكر ( لها ) ولا رويّة ” كما قال ابن المقفع في رواية صاحب الإمتاع ( الليلة السادسة ).

وكان المسعوديّ في ” التنبيه والإشراف ” قد صنّف الأمم صنفيْن، صنفا أسهم ويسهم في المعارف والعلوم، وصنفا يجافي، بحكم ” الأفلاك وهيئاتها والنجوم وتأثيراتها والعناصر وتراكيبها وكيفيّة أفعالها”، العلومَ وينصرف إلى الصنائع والمهارات اليدويّة. من الصنف الأوّل ذكر الهنود والفرس والكلدانيين والإغريق والعبرانيّين والرومان والمصريّين والعرب. ومن الصنف الثاني ذكر الصينيّين ويأجوج ومأجوج والترك والخزر والصلاف والبلغار والروس والسود..

على أنّ الصين التي قدّمت للعالم الورق والزجاج والمطبعة والبارود والبوصلة قد أسهمت بقوّة في تنمية المعارف البشريّة والعلوم والتقنيّات. والصين، على عهد المسعوديّ نفسه، هي التي خرّجت أكبر الخبراء في الزخرفة والرسم وخرّجت، من بعد، مهندسين لامعين أسهموا في تطوير التكنلوجيّات الحديثة.
ولعلّ ممّا يمكن أنْ يرجع إليه سوء التقدير لمنزلة الصين ودورها في تواليف الجغارفة والرحّالين العرب المسلمين خاصّة قيامَ الثقافة والحضارة الصينيّتيْن على أساس فلسفيّ تركيبيّ تشكّله، في المقام الأوّل، مبادئ الكونفشيوسيّة والتاويّة والبوذيّة وما ألقته إليها طريقُ الحرير من أفكار وفلسفات وأيديولوجيّات حديثة طارئة. واضطلعت الخلاصة التركيبيّة للكونفشيوسيّة والتاويّة والبوذيّة ومختلف الروافد التي شكّلت حياة الشعب الصينيّ ووجّهت بناه ومؤسّساته طيلة خمسة وعشرين قرنا بمعظم وظائف الدين فأبرزت أهمّية المحافظة على الحياة الإنسانيّة العظيمة موصولة بالسياسة والأخلاق. ولم يكن الهدف الأساس في هذه الفلسفة التركيبيّة، في المقام الأوّل،  فهمَ العالم بقدر ما كان حمل الناس على أن يكونوا عظماء شموخًا في الروح ونبلا في الخارج.  

أطاريح البلدانيّين والجغارفة القدامى ومؤلّفي ” فضائل الأمم ” على وجه التحديد تعرّضت إلى نقد شديد في العصر الحديث، غير أنّ أحد مؤلّفي القرن الرابع الهجري من غير هؤلاء قد توصّل بذهنه الوقّاد ونزعته الإنسانويّة إلى طرح صِنافة أخرى للأمم على غير الأسس السائدة في عصره وما بعد عصره. ذهب أبو حيّان التوحيديّ في الليلة السادسة من ” الإمتاع والمؤانسة ” حين استنفره سؤال ماكر من الوزير ابن سعدان في أوج سطوة بني بويه: أتفضّل العرب على العجم أم العجم على العرب؟ ذهب إلى القول ” لكلّ أمّة فضائل ورذائل ولكلّ قوم محاسن ومساو، ولكلّ طائفة من الناس في صناعتها وحلّها وعقدها كمال وتقصير..” و” إنّ الأمم كلّها تقاسمت الفضائل والنقائص باضطرار الفطرة واختيار الفكرة..”  

كان الخليفة العباسيّ الواثق باللّه قد رأى في المنام كأنّ السدّ الذي بناه ذو القرنيْن بينهم وبين يأجوج ومأجوج قد انفتح، فطلب رجلا يخرجه إلى الموضع فيستخبر خبره. يروي ابن خرداذبه أنّه قيل له ما هنا أحدٌ يصلح إلاّ سلاّم الترجمان، وكان يتكلّم ثلاثين لسانا، فدعاه الواثق وقال له: أريد أن تخرج إلى السدّ حتّى تعاينه وتجيئني بخبره. وضمّ إليه خمسين رجلا ووصله بالمال وبرزق سنة. واستغرقت الرحلة 18 شهرا. وعندما عاين سلاّم السدّ أخرج من خفّه سكّينا وحكّ بها موضع شقّ فيه فأخرج منه مقدار نصف درهم وشدّه في منديل ليريه الواثقَ، ثمّ سأل من هناك هل رأوا من يأجوج ومأجوج أحدا، فذكروا أنّهم رأوا ذات مرّة عددا منهم فوق الجبل، فعصفت ريح سوداء فألقتهم إلى جانبهم، وكان مقدار الرجل في رأي العين شبرا ونصفا.

يميل الكثير إلى أنّ المقصود بقوم يأجوج ومأجوج هو بعض هؤلاء الأقوام الصينيّة. ولقد عاشت الذهنيّة الميثيّة ردحا على هول أخبارهم وانتظار خرقهم السدّ ليعيثوا في الأرض خرابا ولينزل المسيح فيقتل الدجّال إيذانا بنهاية العالم .(1)

والحقّ أنّ أفكارا مثل هذه قد ألمّت بي ونشطت في خواطري يوم الافتتاح العظيم لأولمبياد بيكين 2008 ووجدت أنّها تلحّ عليّ يوما فيوما والصينيّون يختطفون إحدى وخمسين ميداليّة ذهبيّة من جملة مائة حصّلوها ثمّ استبدّت بي يوم الاختتام في لوحات مبهرة بدا معها الصينيّون وكأنّهم لا يريدون لها أنْ تنتهي قبل أنْ يبلّغوا رسائل مضمونة الوصول إلى عناوين شتّى في هذا العالم. لقد اتّسع الخرق فعلا في ردم يأجوج ومأجوج العملاق النائم بتسمية المعاصرين. فبحسب تقديرات البنك الدوليّ، سيصبح الاقتصاد الصينيّ الذي يحقّق نسب نموّ تفوق بأضعاف نسب النمو في أمريكا وكندا وأوروبا رابع اقتصاد عالميّ في بحر العقدين الجارييْن مثبتا حقيقة مرّة وهي أنّ العلاقة بين الحكم الرشيد والتنمية ليست، دائما، حتميّة.

أليس من عبث الأقدار أنّ الشعوب التي ضلّت طريقها إلى كُتب ” فضائل الأمم ” في أنموذجيْها الإغريقيّ والإسلاميّ هي الأمم التي تقود العالم اليوم في أولمبياد بيكين وفي غيره من مناحي الحياة: الصينيّون، الروس، والصلاف، والسود..

غير بعيد من بيكين، ومنذ عشرة قرون، وقف ذات صباح ربيعيّ في شِعْب بَوّان ببلاد فارس شاعرُ العربيّة أبو الطيّب المتنبّي منبهرا ولكن غريبا أيضا، ولَكَم وددتُ، حين تأمّلتُ المشاركة العربيّة الهزيلة في بيكين ( ذهبيّتان للتونسيّ والمغربيّ – البحرينيّ )، أنْ أستعيرَ لسانه مع حفظ المواقع:

مغاني ( الصين ) طِيبا في المغاني   —     بمنزلة الربيع من الزمان
ولكنّ الفتى العربيّ فيــــــــــــها    —    غريب الوجه واليد واللّسان

(1) حديث أمّ المؤمنين زينب بنت جحش: دخل عليّ النبيّ- صلّى الله عليه وسلّم- يوماً من الأيّام فزعاً خائفاً وهو يقول:  لا إله إلا الله. ويل للعرب من شرّ قد اقترب، قد فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثلُ هذه وعلق بإصبعه الإبهام والتي تليها فقلت: يا رسول الله. أفنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This