فيروز.. والشيخ النابلسي
ولا زلت أذكركيف كنّا في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي نصحو على صوت فيروز الملائكيّ وهي تشدو بصوتها الرائع أعذب الألحان وأجمل الكلمات في كل صباح جديد، ففي الطريق إلى المدرسة كنا نستمع إلى صوتها الرائع منطلقاً من مذياع السيارة التي كانت تقلّنا صباح كل يوم. وكان الأمر نفسه يتكرر معنا كلما سافرنا من القرية إلى المدينة، أو حتى عندما ننتقل من حيّ إلى آخر في المدينة بواسطة السرفيس أو سيارة أجرة، كانت فيروز بصوتها الشجيّ ترافقنا دائماً صباح كلّ يوم، ولا زلت أذكر كيف كان الفلاحون يحصدون القمح على وقع صوت فيروز وهو ينساب بعذوبة من إذاعة دمشق عبر مذياع صغير كان يرافق الفلاحين إلى حقولهم منذ الصباح الباكر مع خيوط الفجر الأولى، ومع شروق أشعة الشمس وزقزقة العصافير والبلابل.
أما اليوم فلم يعد يشبه في شيء تلك الأيام التي ذهبت إلى غير رجعة على الأقلّ في المدى المنظور، حيث لم نعد نصحو هذه الأيام على صوت فيروز، ولا حتى على صوت الديك وهو يصيح معلناً بداية يوم جديد من عمرنا. حتى العصافير والبلابل والحساسين لم نعد نسمع شدوها، بعد أن هربت إلى حيث من يستحق سماعها، وهي تشدو أعذب الألحان، فلم يبق أمامنا إلا نصحو قسراً على أصوات النشاز من أشباه المطربين والمغنين الذين تفوح راحة البترول من أصواتهم حتى أزكمت أنوفنا، وكذلك على أصوات المؤذنين التي تأتي من كل حدب وصوب عبر مكبرات الصوت، مختلطة ببعضها البعض حتى لا نكاد نفهم ما يقولون.
نذهب إلى العمل، نستقل السرفيس أو سيارة أجرة، وبدل أن نسمع صوت فيروز أو أغنية جميلة أخرى، نفاجئ بصوت الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي يرافقك بمواعظه وأحاديثه الدينية حتى تصل إلى مكان عملك، وإذا قررت مثلاً تغيير واسطة النقل، فإنك سوف لن تحظى بسماع صوت فيروز، بل ستجد أيضاً وأيضاً صوت الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي يصدح بصوت عال من مذياع السيارة، حتى بات يطلق عليه “رفيق السائقين” خاصة في الفترة الصباحية التي كانت تشغلها فيروز باقتدار حتى أواخر القرن الماضي.
واللافت للانتباه أنّ غالبية سائقي وسائط النقل الذين يأتون من قرى وبلدات ريف دمشق باتجاه مدينة دمشق لا يستمعون إلى الأغاني إلا فيما ندر، فمعظمهم إن لم نقل جميعهم يستمعون إلى الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، أو الشيخ الدكتور محمد رمضان البوطي، وبعضهم الآخر إلى تلاوة من القرآن الكريم أو لداعية من أحد البلدان العربية، وما أكثر الدعاة هذه الأيام فقد أصبحت الدعوة مهنة للكثيرين… بعد أن استحوذ رجال الدين والجماعات الدينية على اهتمام شريحة واسعة من المواطنين ليس في سورية وحسب، بل وفي جميع البلدان العربية، كنتيجة طبيعية للقمع الذي مورس وما يزال يمارس من قبل الأنظمة الحاكمة على مواطنيهم والتضييق عليهم في التعبير عن آرائهم بحرية ومنعهم من الانتظام بحرية في أحزاب سياسية ونقابات مهنية أوفي منظمات المجتمع المدنيّ التي تمّ تهميش دورها لمصلحة رجال الدين والجمعيات الدينية، مما أفسح المجال واسعاً لتصاعد الأصوليات الدينية في المنطقة، فملأت الفراغ الذي أحدثه فشل المشروع القوميّ العربيّ بمختلف تياراته القومية واليسارية في انتشال بلداننا العربية من براثن التخلف والتجزئة ووضعها على سكّة التطوّر والتقدّم.
