هنري غوهييه مؤرخاً للفلسفة أو الفلسفة بين العلم والدين
ومن المؤسف جداً أنه لم يترجم حتى الآن إلى العربية. ولكن من يسمع به إلا حفنة من المختصين في المشرق والمغرب على حدّ سواء؟ وكل كتب غوهييه تقريباً تتركز على تاريخ الفلسفة من ديكارت وحتى اليوم. فإذا أردت أن تطلع على تاريخ الفلسفة الفرنسية طيلة القرون الثلاثة الماضية فما عليك إلا أن تلجأ إلى مؤلفات هذا العالم الفذّ. فهو يعطيك صورة دقيقة موثوقة عنها. ولا أحد يجاريه من حيث التبحُّر في العلم أو الدقة في الوصف والتحليل. وكان عضواً في الأكاديمية الفرنسية، ثم في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية. وهكذا وصل إلى أعلى المناصب العلمية الفرنسية. من أهمّ كتبه يمكن أن نذكر: الفكر الدينيّ لديكارت، مقالات حول ديكارت، الأفكار الأولى لديكارت، الفكر الميتافيزيقي لديكارت، فلسفة مالبرانش وتجربته الدينية، شباب أوغست كونت وتشكيل الفلسفة الوضعية، أوغست كونت وسان سيمون، حياة أوغست كونت، التأملات الميتافيزيقية لجان جاك روسو، دراسات حول تاريخ الأفكار في فرنسا منذ القرن السابع عشر… هكذا نجد أنّ اللائحة طويلة رغم أني لم أذكر إلا بعض المراجع . وقد طرح عليه أحدهم هذا السؤال: نلاحظ أنّ تاريخ الفلسفة وكذلك العلاقة بين الفلسفة والدين كانا دائماً في مركز اهتماماتك. فلماذا يا ترى؟ فأجاب البروفيسور هنري غوهييه بما يلي:
وكانت تلك بداية صداقة كبيرة بيننا. وبعدئذ فهمت أنّ الفلسفة لا تجد مصدرها فيها وإنما في شيء خارج عليها. أو قل أنّ لها مصدرين أساسيين في الواقع، الأوّل هو العلم، والثاني هو الدين. فكبار الفلاسفة على مرّ العصور إما أنهم تأثروا بالعلم، وإما أنهم تأثروا بالتجربة الدينية الصوفية ثم انطلقوا في تأملاتهم الفلسفية من هذه أو ذاك. ولكن بما أن العلم يتغير فإن الفلسفة أيضاً تتغير وتشكل في كل مرة رؤيا جديدة عن العالم. هكذا نجد فلسفة ديكارت تقدم رؤيا معينة عن العالم، ثم تجيء بعدها فلسفة كانط كي تقدم رؤيا أخرى، ثم فلسفة هيغل، وهكذا دواليك.. لقد اهتممت بالمذهب الكاثوليكيّ وتأثيره على الفلاسفة لأنه هو الغالب في فرنسا. ولكني اهتممت أيضاً بالدين الطبيعيّ أي العقلانيّ لجان جاك روسو، أو بدين البشرية لأوغست كونت. وهناك فلاسفة يتأثرون بالعلم والدين في آن معاً قبل أن يبلوروا فلسفتهم الخاصة. نذكر من بينهم مالبرانش صاحب الكتاب الشهير: “البحث عن الحقيقة”. فالإبداع الفلسفي لدى مالبرانش ناتج عن تحولات العلم التي أحدثها ديكارت في عصره، وعن المنظور الدينيّ المسيحيّ الذي لا علاقة له إطلاقاً بديكارت، ولا بأرسطو ولا بأيّ فيلسوف آخر. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن اوغست كونت. فقد قدم نظرية جديدة عن العلم للبشرية الأوروبية هي الفلسفة الوضعية ثم قدم أيضا نظرية جديدة عن الدين كي تحلّ محلّ المسيحية. ومعلوم انه في ظل الثورة الفرنسية راح الفلاسفة يعتقدون بأن تقدم العلم سوف يقضي على العهد المسيحي وعلى الإيمان والدين. وراحوا يقدمون تقويماً جديداً للشهور والسنوات مختلفاً عن التقويم المسيحيّ . وكان ذلك بمثابة ردّ فعل عنيف على الأصولية المسيحية التي خنقت الروح العلمية طيلة قرون وقرون. والواقع أن المسيحية لم تنته كليا وان كانت قد ضعفت وتهمشت كثيرا. ولكن فهمها تغير فلم يعد أصوليا متعصبا على الأقل في بلدان الغرب المتطورة. ثم جاء بعدهم اوغست كونت بثلاثين أو أربعين سنة وراح يخترع أيضاً ديناً جديداً للبشرية مع تقويم أو روزمانة زمنية خاصة. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن بيرغسون. نحن نعرف أن الفلسفة اتخذت علم الرياضيات كنموذج أعلى لها في القرن السابع عشر أيام ديكارت وغاليليو. ولكنها في القرن التاسع عشر وبداية العشرين راحت تعتبر علم البيولوجيا (أو الأحياء) هو النموذج الأعلى كما برهن على ذلك بيرغسون في مؤلفاته وبخاصة كتابه الشهير: التطور الخلاق. ولكن هذا الفيلسوف يمتلك أيضاً نوعاً من اللهب الداخلي أو الشرارة الأساسية والحدس الاستكشافي المبدع. وهذا ما أتاح له أن يدمج التجربة الصوفية أو الروحية أو الدينية داخل فلسفته العلمية. وإذن فقد تأثر بالمصدرين الأساسيين للفلسفة ولكل فكر بشري: مصدر العلم، ومصدر الدين.
ثم يردف البروفيسور هنري غوهييه قائلا بما معناه:
والواقع أن تاريخ الفلسفة بالنسبة لي يعني كتابة تاريخ رؤى العالم التي شكلها الفلاسفة المتعاقبون على مرّ العصور. ولا أقصد رؤيا العالم بالمعنى الهيغلي أو الماركسي، وإنما رؤيا العالم بالمعنى الحرفي: أي كيف يرى الفيلسوف العالم. لا ريب في أن كل فيلسوف كبير يشكل رؤيا جديدة عن العالم. يحصل ذلك إلى درجة أننا عندما نطلع على فلسفته نشعر وكأننا نرى العالم لأول مرة! ولكن هناك معنى آخر لرؤيا العالم، معنى حرفي إذا جاز التعبير. لكي نوضح ذلك لنأخذ مثلاً مصطلح المحيط أو الوسط الذي يحيط بالمفكر. فالمحيط الاجتماعي قبل أن يكون حول الفيلسوف موجود في داخله، في الواقع، او قل مستبطن من قبله. وهو يرى العالم من الداخل وبعيون جديدة. ولذلك فإني أتموضع داخل مالبرانش مثلاً لكي أفهم كيف كان يرى العالم في وقته، أو كيف يستوعب ديكارت وكيف يستخدمه من أجل بلورة فلسفته الخاصة به. وفيما يخص اوغست كونت الذي كان يتأمل في أحداث عصره، أي في الثورة الفرنسية والثورة الصناعية على وجه الخصوص، فقد حاولت بالطبع أن أدرس بشكل موضوعي أحداث فترته والنصوص التي كان يقرؤها ويتأثر بها. ولكني حاولت أيضاً أن أدرسها من خلاله لكي أعرف كيف كان يرى تلك الأحداث، وكيف كان يفهم تلك النصوص. بمعنى آخر فاني كنت اضع نفسي مكانه وأتموضع في عصره وبيئته ناسيا إني أعيش في عصري وبيئتي: أي في القرن العشرين. باختصار فإن الفرق بيني وبين مؤرخي الفلسفة الآخرين “كمارسيل غيرو” مثلا هو أني أقوم بكتابة تاريخ تاريخي للفلسفة، في حين أنهم هم يكتبون تاريخاً فلسفياً للفلسفة. يضاف إلى ذلك أني لا أكتب تاريخ الفلسفة المعاصرة. لماذا؟ لأننا لا نعرف من الذي سيبقى، ومن الذي سيزول… ينبغي أن ننتظر وقتاً طويلاً قبل أن نكتب تاريخ الفلسفة المعاصرة لنا. فقد كان هناك فلاسفة كثيرون في القرن السابع عشر. ولكن لم يبق في النهاية إلا اسم ديكارت وباسكال ومالبرانش وسبينوزا ولايبنتز. كل الآخرين زالوا ومحت أسماؤهم من تاريخ الفلسفة وكأنهم لم يوجدوا. فمن سيبقى من الفلاسفة المعاصرين يا ترى؟ سارتر؟أم فوكو؟أم ريكور؟ لا أحد يعرف بشكل مسبق.ينبغي ان ننتظر خمسين سنة أو أكثر لكي نعرف.. فكثيرا ما يشغلنا مفكر ما ويطفو على السطح ونعتقد انه نابغة عصره ثم سرعان ما يزول بعد موته وكأنه فقاعة صابون. وكثيرا ما يتجاهل العصر فيلسوفا عظيما ويهمله أناس زمانه تماما ثم سرعان ما تنفجر شهرته كالقنبلة الموقوتة بعد موته. ونكتشف عندئذ انه ضخم ومهم جدا. واكبر مثال على ذلك نيتشه..
