الورع والتشهير والإشهار : جولة عبر الفضائيّات العربيّة في رمضان – عبد الواحد المكني
فتحت جهاز التلفاز صباح الثالث من رمضان (حسب تقويم بلادي في انتظار إجماع الأمّة على رؤية الشهر ). اخترت قمر ” النيل سات ” الموجّه أكثر للفضاء الشرقي والعربي وجلت عبر برامج القنوات بصفة شبه متأنّية متفحّصا اسم القناة وملمحا من برنامجها. ناهز عدد القنوات الثلاثمائة وخمسين. لم تكن عملية تصنيفها سهلة، فنجد القنوات ذائعة الصيت مثل الجزيرة وروتانا وأرت وأوربيت وأم ب س ومشتقاتها وتختصّ هذه الدور الفضائية في الأخبار والكرة والدراما والغناء ( حوالي 60 قناة ). الصنف الثاني يضمّ مجموعة من القنوات فاق عددها الخمسين، ويتكوّن من قنوات تجاريّة إشهارية تنتعش من الارساليات القصيرة والطويلة ووعود جوائز المسابقات وتسوّق إلكترونيا منتوجات العنبر العال وتبيع العسل النقيّ والعمارات الشاهقة وأجهزة الحميّة الناجعة وفيلات في مارينا.
الصنف الثالث تمثّله القنوات الرسمية وشبه الرسمية للبلدان العربية ( حوالي 100 قناة ).
وقد تميّزت القنوات العراقية بتعدّد انشطاريّ لا يضاهيه شأنا إلاّ بلاغة التسمية التي تُغني عن أيّ درس في تاريخ العراق وجغرافيته وحاضره وماضيه: البابلية والأنبار والسومرية والتركمانية وزاقروس وكربلاء وصلاح الدين والرشيد والفيحاء والزوراء وبغداد والبغدادية والحرّة .. وتكفي أسماء القنوات وحدها للدلالة عن المخزون التاريخي ّوالحضاريّ الكبير للعراق الذي انشطر وتشظّى في دفق الطائفية العائدة فصار للنهرين ثلاث قنوات: دجلة والفرات والرافدين، وهذا من قطاف التعدّدية، وقد احترت لأمري وأنا المؤرّخ وتساءلت عن غياب قناة تحمل اسم الحجاج بن يوسف وأخرى لهارون الرشيد وثالثة لزبيدة في انتظار مزيد التعدد والآنفتاح.
الصنف الرابع هوصنف قنوات الورع الديني المتشابهة حتى التناسخ. فإن لم تجد شاشة زرقاء تبث ترتيلا قرآنيا وكتابة سوداء مجسمة فالبديل هوصوت مرتّل يصاحبه منظر شلاّل نهريّ تتدفّق منه المياه الغزيرة في مشهد بانورامي خلاّب أو منظر مُلتح ناهر متوعّد مرهّب بالسعير وبيوم الجحيم.
سأقتصر على تقديم نموذج من أسماء هذه القنوات المتشابهة المتداخلة المتنافسة المتكتّلة وسأكتفي بإعادة كتابة ماجاء في اللوحة التي تظهر على التلفاز دون زيادة ولانقصان:
–التواصل – الدعوة- صدى الاسلام- منه – شبابيك – الكتاب- الهدى- التنوير- وسيط الخير- وناسي للقرآن- العفاسي للقرآن ( هكذا)- الأنوار- المجد- البيت – أهل البيت- المختلف- الدليل- الفرقان- البدر- الرحمة- الحكمة- مكة- المعارف – الروح… ويربوعدد المتشابهات على 50 فيناهز مجمل هذه القنوات 70 أي حوالي خمس ( 20 بالمائة) باقة قنوات قمر ” النايل سات ” وهو قبلة أغلب المشاهدين العرب في الداخل والمهجر.
ليس لي أي موقف سلبي من بث القرآن الذي حفظته في زاوية بلدتي منذ سن الخامسة ولازال والدي ” الحاج” يختبر حفظي إلى اليوم. خطاطتي تُعنى بتحليل سريع لمضمون تلك القنوات الثقافي ومدى رهانها على ثنائية الترغيب والوعيد بأسلوب قاتم ومتشنّج ولوإني وجدت في خضم جولتي عبر هذا الصنف من القنوات واحدة زاهية وهي ليست الوحيدة اسمها طيور الجنة تختصّ في ترويج الأغاني الدينية مع مجسّمات صوتية بصرية عذبة لعصافير الجنة من الأطفال وقد شدّني لحن ” فوق النخل ” الذي كان يردّده الخالد ناظم الغزالي وبتأمّلي في الكلمات تفطّنت إلى أنّ مضمونها صار كالآتي ” فوق الحرم فوق يابا فوق الحرم فوق النور النور اتبَدَّى واشتعل نار الشوق…” ووجدت أيضا في إطار النهوض بمشاغل الأخت الاسلامية قناة ” عالم حوّاء ” تتضمن إشهارا ثابتا للمجوهرات و ” لواحات من الألماس ” وكيفية إحضار” تارت التفاح” و”سلطة الفلفل الملوّن” وصوت واعظ يتحدث عن أبي الدحداح وعن الأجر والثواب والجزاء والعقاب فلم أفهم ما علاقة كل هذا بحواء العربية وهمومها وزادت دهشتي عندما تحوّل حنبعل ذلك الفارس القرطاجني المقدام والنبيل إلى الفردوس (1). تأكدّت عندها من تنوّع الاستثمار الفضائي الورعي الذي غادر المشرق النفطي وامتدت سيوله مغربا.
ولابد من التشديد على وجود أنواع جديدة من القنوات الفضائية ” العربية ” سررت شخصيا بتبوّئها مكانا في المشهد الاعلامي الفضائي من ذلك قناة ” الانسانية الفضائية ” وهي حسب لافتتها الدعائية ” أوّل قناة عربية لذوي الإعاقة والأعمال الانسانية ” لكنّها لم تبدأ في العمل بعد و” الأماكن ” وهي قناة ثقافية خليجية لكنها لا زالت في مرحلة البث التجريبي وقناة ” القدس ” وتعنى من جملة ما تُعنى به بتراث المدينة الجريحة وذاكرتها الدامية، لكنّها لازالت بدورها في مرحلة التجريب وقناة ” صحّتى ” وتعنى بشؤون الوقاية من الأمراض والتداوي وقناة ” الهدي ” التي أبهرني استعمالها لأفلام الكرتون لتجسيد القصص القرآني ولا أعرف لماذا تذكرت مباشرة مشروع يوسف الصديق، وقد تابعت باهتمام مع ابني الصغير قصة موسى وهارون وحين كنت مشدوها أزاوج بين سماع القصة الغنائية والنظر للفلم وألوانه الزاهية فرح ابني ولاحت على وجه أسارير الابتهاج برؤية فرعون يغرق في النهر، وانتابني حبور طفولي بسبب تفتّح أعين بعض المثقفين و المستثمرين العرب على أهمية الصورة والمجسّمات البصرية والسمعية التي حرمنا منها مريدو ابن تيمية طويلا. ووجدت في خانة هذه المجموعة المجددة قناة ” ديوان العرب ” وهي ” قناة ثقافية أدبية ” سرعان ما قررت إعلام زملائي الأدباء بوجودها وعثرتُ أيضا على قناة تحمل اسم ” القيثارة ” تبثّ أغنيات رقيقة، وتوقفت عند قنوات متناثرة تعنى بشؤون التعليم والحياة الجامعية.
والحاصل أن عدد هذه القنوات المجدّدة للمشهد الثقافي والخارجة عن السرب الإعلامي السائر لا يتجاوز 30 من 350 وأغلبها لا زال في مرحلة التجريب أو لم يبدأ بعد.
أمنياتي أن تتدعّم هذه المجموعة وتنضاف إليها قنوات تعنى بالبيئة والصيد والجغرافيا التاريخية العربية وحقوق الانسان والاختراعات العربية الجديدة – إن وجدت – وأن تتجاوز مرحلة البث المؤقّت والتجريبي لتصبح صنفا خامسا يتحامل عليه المتحاملون فينعتونه مثلما نعتوا زمرة العقلانيين والمجددين بالطابور الخامس .
—
{1 – قناة ثالثة بعد حنبعل وحنبعل الشرق تحمل اسم حنبعل الفردوس}
